وقوله: النكرة في الإثبات، احترزو به عن النكرة في النفي، فإنها تعم، نحو لا رجل في الدار، فإنها تعم الرجال كلهم، بخلاف الإثبات نحو في الدار رجل، فإنه لا يتناول أكثر من فرد واحد ولا يجمع بين اثنين.
واحترز بقوله: من غير حصر، عن أسماء الأعداد نحو العشرة والمائة ونحوهما، فإن العشرة تتناول أفراد محصورة، لا تقبل الزيادة ولا النقصان، وهي محصورة متناهية في خمستين لا تتجاوزهما إلى أحد عشر ولا أكثر، بخلاف صيغة العموم فإنها تتناول ما لا يتنهى من الأفراد نحو المشركين، فيتعين إخراج أسماء الأعداد، لأنها تتناول شيئين فصاعدا لكن على وجه الحصر، فهذا تقرير كلامه.
وأما ما يرد عليه فأقول: إن اللفظ مصدر، يصدق عليه القليل والكثير من جنسه، إلا إذا حدد بالتاء نحو ضربة، فإنه لا يتناول إلا المرة الواحدة، وإذا قلنا: ضربة، لا يتناول غير الضرب مرة واحدة، هذا هو تقل النحاة وهم أهل العلم ومحرروه، فعلى هذه القاعدة لا يتناول هذا الحد ولا الحرف الواحد، فإنه لفظة لفظها اللسان، وحينئذيخرج جميع أفراد المحدود
[ ١ / ١٧٠ ]
من الحد، بل لو قال: اللف بغير تحديد بالتاء كان أقرب للصواب، حتى يبقى قابلًا لعدة لفظات وهي عدد حروف التي يتركب منها صيغ العموم، فإن صيغة العموم لابد فيها من عدة حروف تركب على وزن خاص، ولما حدد لفظ المصدر الذي هو اللفظ بالتاء فقال: اللفظة امتنع قوله ذلك لأن يدخل فيه ضيغة العموم، فإن العرب لم تضع حرفا واحدًا للعموم.
وقوله على شيئين أيضا مفسد للحد ألبتة، قال الإمام سيف الدين في الإحكام: الشيء اسم الموجود فقط، فلا يتناول هذا الحد إلا الموجودات، مع أن العموم يقع في المعدومات كما يقع في الموجودات، فإنك لو قلت: المعدومات والمستحيلات داخلة في معلومات الله تعالى يقال: عم ذلك كل معدوم وكل مستحيل، لأجل الألف واللام، فلا يكون الحد جامعًا، لاشتراطه فيه الموجود.
[ ١ / ١٧١ ]
وأيضا فيقتضي قوله: فصاعدا أن يكون أول مراتب العموم شيئان فإن الموكل إذا قال لوكيله: بع هذا بدرهمين فصاعدًا، كان الدرهمانهما أول مراتب الثمن المأذن في البع به، حتى لو باع بها صادف إذن الموكل، فكذلك هاهنا، إذا دل اللفظ على شيئين يلزم أن يكون عامًا.
وقوله بعد ذلك: من غير حصر لا يبطل ورود السؤال عليه، لأن معناه أن المحل يبقى قابلًا للزيادة ولا يتعين، كما أنها في لفظ الموكل لا تتعين، بل تقبل الزيادة فقط، مع أن العام لا يجوز أن يكون مقتصرا في دلالته على شيئين، بل يجب أن يكون مدلوله كلية غير متناهية الأفراد، هذا ما يرد على مفردات حده.
أما مجموع حده فينتقض بأمور:
منها جموع الكثرة المتنكرة نحو رجال ودنانير ودراهم، فإن مجموع التكسير على قسمين: ما هو موضوع القلة من الثلاثة إلى العشرة ولا يتجاوزها كما في قول الشاعر:
يأفعل، وأفعال، وأفعلة وفعلة يعرف الأدنى من العدد.
[ ١ / ١٧٢ ]
فأفعل نحو أفلس، وأكلب، وأفعال محو أحمال، وأجمال، وأفعلة نحو أقفزة، وأجربة، وفعلة نحو صبيةظو وغلمة.
ومنها ما هو موضوع للكثرة، وهو ماعدا هذه الأربعة، وماعدا جموع السلامة، مذكرة، ومؤنثة نحو مسلمين، ومسلمات، لأنها موضوعة للعشرة فما دونها فهي موضوعة لما فوق العشرة فيصدق عليها أنها موضوعة لاثنين فصاعدا من غير حصر، لأنها تذهب لغير حصر.
وقوله: لاثنين، لا يأتي الموضوع للزيادة، فالموضوع للزيادة أيضًا يتناوله اللفظ، كقول الموكل لوكيله: بع بدرهمين فصاعدا، فإنه كما يتناول البيع بدرهمين، كذلك هاهنا يتناول الموضوع للزائد غير محصور وهو جموع الكثرة، فيكون الحد غير مانع، فيبطل.
ومنها ألفاظ نكرات مفردات وهي وضعت لما فوق الاثنين، مع أنها ليست للعموم إجماعًا، مع صدق الحد عليها نحو كثير ومتكثر، وعدد، فإن عددًا يدل على شيئين فصاعدا من غير حصر.
[ ١ / ١٧٣ ]
ومنها نوع آخر من هذا النمط نحو طائفة، يتناول الثلاثة فصاعدًا من غير حصر، وكذلك فرقة، ورهط، وما أشبه ذلك.
فظهر أن هذه الحدود غير وافية بالمقصود، مع أنها للمتأخرين، وقد احترزوا فيها غاية الاحتراز، فما ظنك بغيرها.
وإذا حاولت حد العموم بما ذكرته لك من التلخيص المتقدم، وجدته منطبقا جامعا ما يرد عليه سؤال الاشتراك ألبته.
أما سؤال الاشتراك فلا يرد عليه، لأن المسمى واحد وهو القدر المشترك مع وصف التتبع، والمجموع هو مسماه لاغير، والاشتراك إنما يجيء من تعدد المسمى، فحيث لا تعدد لا اشتراك.
وأما سؤال الإطلاق والاقتصار على فرد واحد، فيندفع أيضا بوصف التتابع، فإنه مناقض للاقتصار.
وأما سؤال امتناع الاستدلال باللفظ على ثبوت حكمه لفرد من أفراده، فمندفع أيضا بسبب أنه إنما ينشأ عن وضع اللفظ المجموع المركب من
[ ١ / ١٧٤ ]
الأفراد، وها هنا اللفظ موضوع للقدر المشترك بين الأفراد، وهو المجموع المركب من القيدين المتقدم ذكرهما، لا لمجموع الأفراد.
والأسئلة وإن كثرت التفاسير والتشكيكات لا تخرج عن هذه الثلاثة الأسئلة وهذا الحد سالم عنها، فتسلم مطلقًا وهو المطلوب، فينبغي أن يعتمد على هذا الحد، ويعلم مقدار تلخيصه وسلامته عن الشكوك.
[ ١ / ١٧٥ ]