مع كثرة ما كتبه المعاصرون في باب التعليل عمومًا، وفي مسألة التعليل بالحكمة خصوصًا، فإنّ الغالب المعظم من هذه البحوث تناول القضايا الكبرى في الموضوعات المذكورة، وقليلٌ منها ولج إلى التفاصيل الدقيقة، وأعني بذلك تفاصيل التفاصيل، كما أنّ أكثرها خلا من تقعيدٍ يضبط آلية التعليل بالحكمة عند تعارضه مع التعليل بالمظنّة، وبيان كيفية توظيفه في القضايا الفقهية قديمةً ومعاصرة. وهذا ما لاحظه بعض الباحثين في التجديد الأصولي، قال حسين آيت سعيد:
«تعليل الأحكام بحِكَمها لابدّ فيه من تجديدٍ وتقعيد؛ إذ ما يزال بابُه فقيرًا من حيث التأصيل لضوابطه وشروطه حتى يُعتمد كما تُعتمد العلة المستنبطة» (^١). وقال: «القول بتعليل الأحكام بالمصالح والمفاسد، لم يكن بدعًا من القول، لكنّه من ناحية العمل، ناله حيفٌ، وأُصيب بضمور وهزال، وينبغي الاهتمام بهذا الجانب، وتأصيله أكثر، وإضافة ضوابط وشروطًا أُخر له، حتى يُحدّد بدقة، وينضبط كلِّيًّا، لأنّ الضوابط الموضوعة له غير كافية في عصرنا هذا، وهي غير قادرة على إنتاج اجتهاد سديد وموفّق لا تتضارب فيه الجزئيّات مع كلّيّاتها، ولا كلّيّاتٍ وجزئيّاتٍ أُخر، فالمجال ما يزال رحبًا لمن يُجدِّد فيه ممّن آنس من نفسه القدرة على السِّباحة في لجّيّ هذا البحر، وأمّا من قنع بأن يحوم في شُطآنه فما هو موجودٌ يكفيه» (^٢).
وممّا وقفنا عليه من الدراسات وله تعلُّقٌ قريب، نوعًا ما، بموضوعنا دراستان:
الأولى: بحث بعنوان: "الاجتهاد المقاصدي الأصولي: نوط الأحكام بمقاصدها نموذجًا"، للدكتور جاسر عودة، نشره في ضمن عدّة بحوث أخرى في المقاصد في كتاب بعنوان: الاجتهاد المقاصدي من التصوّر الأصولي إلى التنزيل العملي، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، ط ١، ٢٠١٣ م. الصفحات ٤٥ - ٨٩.
_________________
(١) سعيد، "التجديد في التعليل الفقهي"، في الاجتهاد الفقهي أي دور وأي جديد، ١٢١.
(٢) المرجع السابق، ١٢٢.
[ ١٠٤ ]
والبحث مستلّ مع تعديلات يسيرة من رسالة الماجستير للباحث التي نُوقشت في العام ١٤٢٥ هـ/ ٢٠٠٤ م، وصدرت بعد ذلك في كتاب بعنوان: فقه المقاصد: إناطة الأحكام بمقاصدها، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فرجينيا، ط ١، ١٤٢٧ هـ/ ٢٠٠٦ م.
هدف البحث إلى الإجابة عن السؤال: «هل يصلح المقصد كوصف يتعلّق به الحكم، كما هو الحال في العلة التي يَتّفق على حجّيتها أغلب الفقهاء» (^١).
وجاء البحث - كما قال المؤلِّف - في سياق التجديد في البحث المقاصدي محاولًا: «الإسهام في هذا التجديد المعاصر عن طريق إعمال المقاصد في حال تعارض النصوص وتفسيرها، ويقترح القاعدة التالية: "تدور الأحكام الشرعية العملية مع مقاصدها: وجودًا وعدمًا، كما تدور مع عللها: وجودًا وعدمًا"» (^٢).
واعتمد المؤلّف على ضابط وحيد لجواز التعليل بالمقصد، وذلك بالتفريق بينه وبين الحكمة فقال: «على الرغم من أنَّ الحكمة من الحُكم لا تختلف عن المقصد من الحُكم عند كثيرٍ من الأصوليّين، إلا إنّه يبدو لي أنّ هناك فارقًا معتبرًا بين ما يُقصد بالحكمة وما يُقصد بالمقصد، وهذا الفارق له أثره في مسألة التعليل. فالحكمة مصلحة تترتب على الحكم، أمّا المقصد فهو مصلحة، أو مجموعة مصالح، ينصّ الشارع أو يغلب على ظن المجتهد أنّها المقصودة من الحكم، أي لولاها لما شُرع الحكم أصلًا. وأرى بناء على ذلك أنّ الحكمة قد تختلف عن المقصد، وقد تكون جزءًا من المقصد، وقد تساوي المقصد، وأنّ النقد الموجّه إلى التعليل بالحكمة، وإناطة الحُكم بها، لا يلزم أن ينطبق على التعليل بالمقصد» (^٣).
وحاصل ذلك أن المؤلّف يرى أنّ الحكمة أعمّ من المقصد، والمقصدَ أخصُّ منها، والحُكم يدور مع المقصد لا مع مطلق ما يُسمّى حكمة. والمقصد عنده هو ما لولاه لم يُشرع الحكم أصلًا، بينما الحكمة قد تكون كذلك فيُناط بها الحكم، كالمقصد تمامًا، وقد تكون مجرّد مصلحة تترتّب على الحكم من دون أن تكون هي الباعث الكلّي عليه، وهذه لا يُناط بها الحكم.
_________________
(١) عودة، فقه المقاصد: إناطة الأحكام بمقاصدها، ٥٥.
(٢) المرجع السابق، ٥٤.
(٣) عودة، الاجتهاد المقاصدي من التصور الأصولي إلى التنزيل العملي، ٧٩.
[ ١٠٥ ]
والبحث في نظري لا يقدِّم جديدًا في هذا السياق، وأكثرُ من ذلك أنّه يقوم على فهمٍ شائع مغلوطٍ لقول من قال من الأصوليين بجواز التعليل بالحكمة، حيث يبدو من صنيع الباحث بإيراده عددًا من الفروع الفقهية التي اعتُرض بها على نوط الحُكم بالحكمة: كنوط عدّة المرأة ببراءة الرحم لا بعدد القروء، ونوطِ الفطر في السفر بذات المشقّة لا بالسفر، ونوطِ التحريم الناشئ عن الرَّضاع بالجزئيّة لا بنفس الارتضاع، وتكلّفِه في الجواب عن هذه الفروع - يبدو من ذلك أنّه فهم من قول من قال من الأصوليين بجواز التعليل بالحكمة أنهم يوجبون ذلك عند كلّ حكمة، مع أنّ لفظ "الجواز" يشير إلى عدم لزوم ذلك، بل تخضع كلّ مسألة عندهم لنظر المجتهد، وما يمكن مراعاته من شروط أخرى تتوفّر في الحكمة محلّ النظر، كانفرادها بالحُكم، وتأثيرها، وعدم انتقاضها، وعدم معارضتها بغيرها، ونحو ذلك مما يُذكر في شروط العلة المناسبة التي تُناط بها الأحكام. فالقائل بجواز التعليل بالحكمة أنّما يتخلّى عن شرط واحد فقط من شروط العلة هو الظهور والانضباط، ولا يتخلّى عن باقي الشروط. وهذا مفهوم بالبداهة من حديث الأصوليين عن التعليل بالحكمة.
وهذا الفهم لمذهب القائلين بجواز التعليل بالحكمة - غير السديد في نظرنا - هو الذي اضطّر الباحث إلى الخروج عن الاصطلاح الشائع عند الأصوليّين في الحكمة والمقصد؛ ففرّق بينهما في حين لم يكن الأصوليّون والفقهاء يفرِّقون بينهما في مجاري كلامهم. والخروج عن الاصطلاح الشائع - من غير حاجة ماسّة - إنّما هو خطأ آخر ينضاف إلى الخطأ الذي أدّى إليه.
وعلى أية حال فهذا البحث لا يلتقي مع دراستنا هذه في الهدف ولا في المضمون، لأنّ دراستنا معنيّة باستقراء العوامل المؤثّرة في التعليل بالمظنة أو التعليل بالحكمة في آحاد الوقائع، أمّا دراسة الباحث فعُنيت ببيان جواز - أو بالأحرى لزوم - التعليل بالحكمة (المقصد) إلى جانب التعليل بالمظنة، أي التعليل بالحكمة لتوسيع الحُكم، لا على حساب التعليل بالمظنة، ولا في معارضته. حيث قال المؤلّف: «التعليل بالمقاصد هنا ليس مطروحًا
[ ١٠٦ ]
كبديل عن التعليل بالعلل المنضبطة الظاهرة، وإنما التعليل بالمقاصد إضافةٌ إلى التعليل بالعلل وتوسيعٌ لمفهومها» (^١). فدراستنا عند التعارض بين التعليل بالمظنة والتعليل بالحكمة في آحاد الوقائع، ودراسته بفرض التوافق بينهما، مع أنّ فرض مثل هذا التوافق نظريٌّ قليلُ الوقوع، إذ الغالب الساحق أن التعليل بالحكمة في مسألة ما يؤثِّر في التعليل بالمظنة في المسألة نفسها، لأنّه يؤثِّر في الأفراد والجزئيات المنضوية تحتها طردًا وعكسًا، ضيقًا وسَعَةً، إلا ما نَدر.
والدراسة الثانية: بحث بعنوان "أثر الاختلاف في إناطة الحكم بعلّته أو حكمته في اختلاف الفقهاء" لزميلنا الدكتور إياد نمر، المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، مج (١٢)، ع (١)، ١٤٣٧ هـ/ ٢٠١٦ م، الصفحات ١٩١ - ٢١٢.
هدف البحث إلى بيان مسوّغات إناطة الحكم بكلٍّ من العلة أو الحكمة عند الأصوليين، مسلِّطًا الضوء على أثر انعكاس التردُّد في إناطة الحكم بعلّته أو حكمته على اجتهادات الفقهاء في القياس الأصولي، أو في التعليل المجرّد عن القياس. وتوصّل الباحث إلى إمكانية الالتقاء بين العلة والحكمة في إناطة الأحكام بكلٍّ منهما، إذا ما رُوعيت ضوابط العلة، وشُروط الحكمة المعتبرة التي تحمي الفقيه من الانجرار وراء القياس المجرّد عن حكمته، أو الحكمة المخالفة لظواهر النصوص التي انبنى عليها القياس.
وقد ذهب الباحث - تبعًا لبعض الباحثين في التعليل بالحكمة (^٢) - إلى اشتراط أن تكون الحكمة المعلَّل بها ظاهرة منضبطة (^٣). وهذا الاشتراط - في نظري - يُفرِغ موضوع القول بجواز التعليل بالحكمة من مضمونه الذي هو التعليل بالوصف الخفي أو غير المنضبط، لأنّ الحكمة إذا كانت ظاهرة منضبطة فإنّها تكون حكمة وعلّة في الوقت نفسه، وحينئذٍ فلا خلاف يتحقّق في جواز التعليل بها بين الأصوليّين والفقهاء.
وعلى أية حال فهذا البحث كذلك لا يلتقي مع دراستنا هذه في الهدف ولا في المضمون، إذ بحثنا يهدف إلى استقراء العوامل المؤثّرة في نوط الحُكم بالمظنة أو الحكمة عند الأصوليين والفقهاء، وبيانِها، وهو ما لم يتطرّق إليه البحث المذكور، وإنما تطرّق إلى بيان
_________________
(١) المرجع السابق، ٨٢.
(٢) أبو مؤنس، منهج التعليل بالحكمة، ١٦٨.
(٣) نمر، "أثر الاختلاف في إناطة الحكم بعلّته أو حكمته في اختلاف الفقهاء"، المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، م ١٢، عدد ١، ٢٠٢.
[ ١٠٧ ]
الدوافع والمسوِّغات العامّة التي يمكن الاعتماد عليها للقول بجواز التعليل بالحكمة جنبًا إلى جنب مع القول بالتعليل بالمظنة.