اتّفق الأصوليون - من حيث المبدأ - على جواز التعليل بالمظنة: منصوصةً أو اجتهاديّة. وهم متّفقون - فيما يظهر لنا - على جواز التعليل بالحكمة في ثلاثة مواطن (^٢):
أحدها: إذا كان يُقصد بالتعليل مجرّد إبداء المناسبة والمصلحة من غير نوطٍ للحُكم بالحكمة.
_________________
(١) ينظر: صالح، "التعليل بالمظنة لا بالحكمة: دراسة أُصولية"، مجلة الصراط، م ٢١، عدد ٣٨، ٥٣.
(٢) ينظر: صالح، "العلّة والحكمة والتّعليل بالحكمة"، مجلة جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، م ٣١، عدد ٢، ٩٧.
[ ١١٩ ]
والموطن الثاني: إذا كانت الحكمة ظاهرة منضبطة، فينطبق عليها ما ينطبق على العلة/ المظنة.
والموطن الثالث: إذا كانت الحكمةُ حكمةً للحُكم المستفاد من خطاب التكليف الابتدائي (أي: غير القائم على سبب)، حتّى لو لم تكن ظاهرة أو منضبطة، ونيط الحكم بها وجودًا، كحكم تحريم السرقة حفظًا للمال؛ فيُقاس عليها في التحريم - لا في وجوب الحد - كلُّ ما يؤدّي إلى تضييع المال، كالنبش، والنشل، والاختلاس … الخ.
واختلفوا في جواز التعليل بالحكمة في موطنين:
أحدهما: في حكمة الحكم الوضعي (حكمة السبب والمانع والشرط) - أو الخطاب التكليفي المترتِّب عليه - هل يجوز تعدية الحكم بها أو لا، وهي ما تُعرف بمسألة القياس في الأسباب، ككقياس النبش والنشل والاختلاس على السرقة في وجوب الحدّ لحكمة الزجر عن تضييع المال، وقياس العمل الشاقّ على السفر في إباحة الفطر في رمضان لحكمة دفع المشقّة، حيث نقل النّاقلون - كما قال الغزالي - عن أبي زيد الدّبوسي (ت ٤٣٠ هـ): «أنَّ الأحكام تتبع الأسباب دون الحِكَم، وأنَّ الأسباب لا تُعلَّل، وأنّ وضع الأسباب بالرأي والقياس لا وجه له، وأنَّ الحكمة ثمرةُ الحُكم ومقصودُه لا علّته» (^١). وقال: «ليس إلينا نصبُ الأحكام الشرعية ولا رفعها بالرأي، ولا نصبُ أسبابها، وفي نصب الأسباب نصبٌ للأحكام، ولا شروطِها، ففي نصب الشروط المانعة رفعٌ للأحكام. وإذا لم يكن إلينا ذلك بالرأي بطل تعليلُ مدّعيها لأنّه يُعلِّل للنَّصْب» (^٢). وما قاله الدّبوسي يندرج فيما قررَّه شيخ شيوخه الكرخي حين قال: (ت ٣٤٠ هـ): «الأصل أنّه يُفرَّق بين علّة الحُكم وحكمته، فإنَّ علَّته موجِبة وحكمتَه غير موجبة» (^٣).
وممّا يخرّجه الأصوليّون على الخلاف في هذه القضية الخلاف بين الجمهور والحنفية في: قياس النبّاش على السارق، في وجوب القطع، واللائط على الزاني، في وجوب الحدّ، والقاتل بالمثقَّل على القاتل بالمحدَّد، في وجوب القصاص.
_________________
(١) الغزالي، شفاء الغليل، ٦٠٤.
(٢) الدبوسي، تقويم الأدلة في أصول الفقه، ٢٩٥.
(٣) الكرخي، "أصول الكرخي"، في رسالة في الأصول التي عليها مدار فروع الحنفية، ١٢٧.
[ ١٢٠ ]
وهذا التخريج ليس بسديد من وجهة نظرنا؛ إذ يمكن ردُّه لخلافهم في القياس في أسباب الحدود خاصّة، لا في عموم الأسباب، والحدود لها مزية أنها تُدرأ بالشبهة لذلك لم يقبل بعض الحنفية في إثباتها خبر الواحد فضلا عن القياس (^١).
وقد لقي القول بمنع القياس في الأسباب نقدًا شديدًا من الأصوليّين غير الحنفية، فوصفه الغزالي بأنّه «فاسد، والبرهان قاطعٌ على أنّ نصب السبب حُكمٌ شرعي، فيُمكن أن تُعقل علته، ويمكن أن يتعدّى إلى سبب آخر» (^٢)، وقال ابن تيمية: هو «خلاف ما عليه الفقهاء، وهو قولٌ باطلٌ قطعًا» (^٣). قلت: ومما يؤكد فساده وبطلانه إطباقُ القائسين، حتى الحنفيّة، على قياس ما يشوِّش الذهن على الغضب في «لا يقضي القاضي وهو غضبان»، فهو «قياس مظنّة على مظنّة» كما قال ابن دقيق العيد (^٤). والفروعُ المنقولة عن أبي حنيفة، ﵀، وحاصلها قياس الأسباب على الأسباب، كثيرة، ولكنّ الحنفيّة يعتذرون عنها بأنّها ليست قياسًا وإنّما دلالة نص (مفهوم موافقة)، أو تنقيح مناط (^٥)، وإذا كان الأمر كذلك تؤول المسألة إلى خلافٍ في اللفظ والتسمية، ولا ثمرة لها، وهو ما انتهى إليه عددٌ ممن أفرد المسألة بالبحث (^٦).
والموطن الثاني: اختلفوا في العلة الغائية (حكمة الحُكم أو حكمة السبب) إذا عادت - بعكسها - على مظنتّها المنصوصة بالتخصيص أو التقييد، سواء أكانت هذه المظنة محلًّا للحكم التكليفي، أم الوضعي، كما حصل في استثناء الشافعي "السفر الآمن" من عموم المظنة (السفر) في حديث النهي عن سفر المرأة إلا بمحرم.
وقد أفردنا مسألة عود العلة على أصلها بالتخصيص هذه بالبحث والتأصيل والتمثيل في كتاب "أثر تعليل النص على دلالته"، وزدناها توضيحًا في بحث "فوائد تعليل الاحكام"، وحاصل القول فيها: إنّه يجوز من حيث المبدأ التخصيص والتقييد بالعلّة، ومع ذلك تظل كلُّ مسألة فقهية خاضعةً لنظر خاصٍّ من المجتهد على حيالها، يعتمد على الموازنة بين قوّة العلة/ الحكمة من جهة، وقوّة شمول العموم/ الإطلاق للمحلّ أو الفرد الذي يُراد إخراجه منه
_________________
(١) أبو الحسين البصري، المعتمد، ٢/ ٩٦.
(٢) المستصفى، ٣٢٩ بتصرف.
(٣) ابن تيمية، الصارم المسلول، ٤٨٧.
(٤) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، ٢/ ٢٧٢.
(٥) السرخسي، أصول السرخسي، ١/ ٢٤٢.
(٦) ينظر: الربيعة، "القياس في الأسباب"، أضواء الشريعة، عدد ١٢، ٩٣؛ النملة، المهذب في علم أصول الفقه المقارن، ٤/ ١٩٤٦.
[ ١٢١ ]
بالحكمة من جهة أخرى، فكما الحكمة على درجات من حيث القوّة، فكذلك العموم تتفاوت قوّة دلالته على الأفراد/ المحالّ المشمولةِ به بحسب الفرد/ المحل المراد تخصيصه هل هو كثير أو قليل، نادر أو غالب، يخطر بالبال عند ذكر العموم أو لا يخطر.
فإذا تقرّر ما سبق وتحرّر محل النزاع في التعليل بالحكمة الذي يعارض التعليل بالمظنة فقد آن الأوان لبيان العوامل المؤثِّرة في التعليل بأحد الأمرين عند التقابل: المظنة أو الحكمة.