تعليل الحُكم بالمظنّة/ العلة مصطلحٌ مقابلٌ لتعليله بالحكمة. وما يقتضيه أحدهما في تحديد المساحة الفروعية التي يغطّيها الحُكم المنصوص يختلف عمّا يقتضيه الآخر، سَعةً وضيقًا، طردًا وعكسًا.
فنهي المرأة عن السفر إلا بزوجٍ أو مَحْرَم - مثلًا - إذا عُلِّل بالمظنة المذكورة في الحديث، وهي السفر، يختلف فيما يقتضيه ويشمله من وقائع عمّا إذا عُلِّل بالحكمة المعقولة من النهي - كما رآها الشافعي وجماعة - وهي عدم الأمن على المرأة والخشية من أن يُعتدى عليها إذا لم يصحبها زوجٌ أو محرم (^١):
فنوطُ الحكم بالمظنة (السفر) يقتضي تحريم سفر المرأة إلا مع الزوج والمحرم، حتّى لو وُجد الطريق الآمن، في حين أنّ نوطه بالحكمة (عدم الأمن) يقتضي جواز سفرها من دون محرم أو زوج إذا أمنت خطر الطريق، كأن تكون الطريق آمنة في نفسها بأمان البلد، أو تكون المرأة بصحبة غير الزوج والمحرم، كنساءٍ ثقات.
ومن جهةٍ أخرى يقتضي النوطُ بالحكمة تحريمَ تنقُّل المرأة بمفردها فيما دون مطلق السفر أو لم يبلغ المسافة التي عيّنها الفقهاء لأقلّ السفر، إذا كان هذا التنقل ينعدم فيه الأمن وكانت المرأة فيه عرضة للاعتداء والتحرّش، كما في بعض البلاد، في حين لا تقتضي المظنّة ذلك؛ لأنّ هذا التردّد وإن انعدم فيه الأمن فإنّه لا يدخل في مفهوم السفر.
وفيما يأتي رسمٌ يوضّح مواضع التباين ومواضع التقاطع بين دائرتي ما تقتضيه المظنّة وما تقتضيه الحكمة في مثال نهي المرأة عن السفر إلا بمحرم أو زوج.
_________________
(١) الشافعي، الأم، ٢/ ١٢٧.
[ ١٠٩ ]
رسم توضيحي ١: تباين المساحة الفروعية التي تغطيها المظنة والحكمة في مثال النهي عن سفر المرأة وتقاطعها
|
ولفهم المقصود بمصطلحي التعليل بالمظنة/ العلة، والتعليل بالحكمة تمام الفهم لا بدّ من فهم الاصطلاحات الجزئيّة المكوِّنة لهما: التّعليل، والحكمة، والمظنّة/ العلة. وقد كنت نشرت بحثًا مفصَّلا أسهبت فيه في التّعريف بهذه الاصطلاحات وتحقيقها والتفريق الدقيق بينها (^١). ثم أردفت ذلك ببحث ثان لبيان أنّ "التعليل بالمظنة" هو الغالب في التعليل الذي يُراد به ربط الأحكام بالعلل السببية الموجبة لها والمنصوبة للمكلّف علامةً على تطبيقها، واستدللت لذلك بأدلّة مُسهبة مع تفصيلٍ في بيان الفلسفة الأصوليّة المقاصدية التي يقوم عليها التعليل بالمظنة (^٢). وقد كان هذا ضروريًّا في ظلّ النقد القاسي الذي وجّهه بعض فضلاء المعاصرين (^٣) للأصوليين لعنايتهم وتقديمهم التعليل بالمظنة/ العلة على التعليل بالحكمة، وقد نجم ذلك النقد عن خَلطٍ عند هؤلاء الفضلاء في تحرير المقصود بـ «التعليل بالحكمة» الذي اختلف الأصوليّون في جوازه.
_________________
(١) صالح، "العلّة والحكمة والتّعليل بالحكمة"، مجلة جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، م ٣١، عدد ٢، ٦٥.
(٢) صالح، "التعليل بالمظنة لا بالحكمة: دراسة أُصولية"، مجلة الصراط، م ٢١، عدد ٣٨، ٤٨.
(٣) شلبي، تعليل الأحكام، ١٨٤؛ إمام، "بحث في التّعليل بالحكمة"، مجلة كلية الشريعة والقانون بأسيوط، م ٣، عدد ١٨، ٦٦٥؛ الجبوري، "التعليل بالحكمة عند الأصوليين"، مجلة كلية الآداب - جامعة بغداد، عدد ١٥، ١٩١؛ الحكمي، "حقيقة الخلاف في التعليل بالحكمة"، مجلة جامعة أم القرى، عدد ٩، ١٢.
[ ١١٠ ]
وأجتزئ هنا في هذا المطلب التمهيدي بنقل ما يفي بالغرض من ذانك البحثين، متخفِّفًا من كثير من العزو والتّطويل، محيلًا من أراد مزيدًا من التفصيل والتمثيل والتوثيق على البحثين المذكورين. فأقول:
العلّة لفظٌ مشترك متعدِّد المعاني في كلام الأصوليين، وهو يأتي عندهم في معنيين رئيسين: السبب والحكمة.
أمّا السبب فهو الوصف الظاهر المنضبط الذي يلزم من حصوله حصولُ الحكم في حقّ المكلّف، لتحقيق حكمة، كالسفر الذي يلزم عنه إباحة الفطر في رمضان، والدلوك الذي يلزم عنه وجوب صلاة الظهر. ويكثر أن يُعبَّر عن السبب عند الأصوليين والفقهاء بألفاظ أخرى مثل: العلّة، والموجب، والمعرّف، والمناط، والمقتضي، والعلة السببية، وأمارة المصلحة، والمظنّة.
وأمّا الحكمة، فهي مقصود الحكم، أو ما لأجله شُرع الحكم. ويمكن تعريفها بأنّها: المعنى المَصلحي (المناسب) المقصود جلبه أو دفعه من تشريع الحُكم إن كان تكليفيًّا، أو المتضمَّن فيه إن كان وضعيًّا، أو قُلْ: هي باعث الشّرع على التّكليف بالحُكم، أو على وضعه. قال الغزالي: «لسنا نعني بالحكمة إلا العلّة المخيلة والمعنى المناسب» (^١). وقال الطّوفي: «المراد بحكمة الحُكم: هو المعنى المناسب الذي نشأ عنه الحُكم» (^٢). ويُعبَّر عنها في كلام الفقهاء والأصوليين بـ المصلحة، وعين المصلحة، ووجه المصلحة، والمعنى، والمعنى المُخيل، والمعنى المناسب، والعلّة، والمَئِنَّة، وحقيقة العلّة، ورُوح العلّة، وعلّة السّبب، وعلّة العلّة، والباعث، والحامل، والدّاعي، والمحرِّك، والغرض، والمغزى، والمرمى، والمراد، والمقصد، والمقصود، والقصد، والغاية، والفائدة، والعلّة الغائيّة.
وهي ضربان: حِكمة الحُكم، وحِكمة السّبب.
فحكمة الحُكم: هي المعنى المصلحي المقصود جلبه أو دفعه من تشريع الحُكم التّكليفي:
_________________
(١) الغزالي، شفاء الغليل، ٦١٣.
(٢) الطوفي، شرح مختصر الروضة، ١/ ٤٢٣.
[ ١١١ ]
• كحفظ العقل المقصود من تحريم شرب الخمر. وتحصيل الزّجر، ومن ثمّ تقليل القتل، المقصود من إيجاب القصاص.
• وكحفظ الأسرة والنّسل المقصود من تحريم الزّنى.
• وكدفع المشقّة (=التّيسير أو التّخفيف) المقصود من إباحة الفطر للمسافر.
وهذا النّوع من الحكمة أولى بأن يُخصّ باسم المقصد أو الغرض أو الباعث.
وحكمة السّبب: هي المعنى المصلحي الذي لأجل اشتمال سبب الحُكم عليه، علَّق الشّارع الحُكمَ بهذا السّبب، وذلك لتحقيق حكمة الحُكم التكليفي المترتِّب على هذا السّبب في نهاية الأمر:
• كالمشَقّة المتضمَّنة في السّفر التي من أجلها جُعل السّفر سببًا لإباحة الفطر؛ تحقيقًا لحكمة التّيسير.
• وكتضييع المال المتضمَّن في السّرقة، الذي من أجله جُعلت السّرقة سببًا لوجوب القطع؛ تحقيقًا لحكمة الزّجر عن تضييع المال.
• وكتشوُّش الذِّهن المتضمَّن في غضب القاضي، الذي من أجله جُعل الغضب سببًا لكراهة القضاء أو تحريمه؛ تحقيقًا لحكمة العدل.
• وكالإسكار المتضمّن في شرب الخمر، الذي من أجله جُعل شرب الخمر سببًا لوجوب الحدّ؛ تحقيقًا لحكمة الزّجر عن تضييع العقل، ودفع ما يلزم عن تضييعه من مفاسد.
وألصق الأسماء بهذه الحكمة: المعنى، والمئنّة، وعلّة السّبب، وعلّة العلّة، وحقيقة العلّة.
وأمّا المَظِنّة، بفتح الميم وكسر الظّاء، فهي المحلّ/ الوصف الظاهر المنضبط الذي يُظنّ فيه وجود الحكمة.
وهذا المحلّ - الذي هو مظنّة الحكمة - يختلف بحسب نوع الحُكم:
• فإن كان الحُكم تكليفيًّا، كالوجوب والحرمة ونحوها: كان المحلّ هو فعل المكلَّف الذي تعلَّق به الحُكم، فمثلًا المحلّ في حُكم تحريم شرب الخمر، هو الفعل "شرب الخمر"، وهذا الفعل
[ ١١٢ ]
مظنّة إحداث السُّكر. ومحلُّ الحُكم في حرمة السّرقة، هو فعل السّرقة، وهو مظنّة تضييع المال. ومحلُّ الحُكم في إباحة البيع هو فعل البيع (التّعاقد)، وهو مظنّة تراضي المتبايعين بتبادل الملك، وهذا التراضي مظنّة رغبتهما، أو حاجتهما، إلى هذا التّبادل، وهكذا …
• وإن كان الحُكم وضعيًّا، كالسّبب والشّرط والمانع، كان المحلّ هو الفعل أو الصّفة أو الحَدث الذي وضعه أو جعله الشّارع سببًا أو شرطًا أو مانعًا. وهو السَّبب نفسه، أو الشّرط، أو المانع، نفساهما: كفعل السّفر الذي هو سبب إباحة الفطر، ومظنّة المشقّة. وصفة البلوغ التي هي شرط وجوب الصّلاة، ومظنّة تكامل العقل. وفعل القتل الذي هو مانعٌ من استحقاق الميراث، ومظنّة استعجال الشيء قبل أوانه بفعلٍ محرّم.
وعليه، فالمظنّة، وإن اشتهر إطلاقها على العلّة بمعنى السّبب، فهي أعمّ منه، لأنّها تشمل الشّرط والمانع ومحلّ الحُكم التّكليفي؛ إذ كلّ أولئك مظانّ لحكمة الحُكم المتعلِّق بها، تكليفيًّا كان أو وضعيًّا.
ويتحَدَّد المعنى المقصود من العلة إذا جاءت في كلام الأصوليين بحسب قرائن السياق، فإذا ذُكرت العلة والسبب في سياق واحد، كما يذكرهما الشاطبي وغيره، فالمقصود بالعلة حينئذٍ الحكمة (أي العلة الغائية)، وإذا ذُكرت العلة والحكمة في سياق واحد، كقول كثير من الأصوليين: يدور الحكم مع العلة لا مع الحكمة، فالمقصود بالعلة في هذا السياق السبب أو المظنة (العلة السببيّة).
وأمّا التّعليل فهو يُطلق أصوليًّا على: بيان علّة الحُكم، سواء أكان ذلك بفعل الشّارع، أم المجتهد، وسواء أكان ذلك لمجرّد إبداء الحكمة التشريعيّة للحكم من غير ربط الحكم بهذه الحكمة وجودًا وعدمًا، أم لغرض نوط الحكم بها وجودًا -كما في قياس الطرد - أو عدمًا - كما في قياس العكس - أو كليهما.
كما يُطلق التّعليل على القول بأنّ الأحكام معلَّلة بالمصالح. فالقائلون بالتّعليل هم الجمهور، ويقابلهم الظّاهرية المنكرون للتّعليل.
[ ١١٣ ]
وأمّا فيما يخصّ مصطلحي: التّعليل بالمظنّة والتّعليل بالحكمة، فالمقصود بهما نوط الحكم بالعلّة، سواء أكانت علة سببية (مظنّة)، أم علّة غائية (حكمة). فقول الأصوليين: يجوز - أو لا يجوز - التعليل بالحكمة، معناه: يجوز - أو لا يجوز - نوطُ الحُكم بالحكمة، وجودًا أو عدمًا، وليس المقصود به: أنّ الأحكام من حيث المبدأ معلّلة بالمصالح والحِكَم، ولا المقصود به مجرّد بيان الحكمة التشريعية للحكم من غير نوطٍ له بها.
وإذا تقرّر ما سبق، فـ «التّعليل بالمظنّة» هو نوط الحُكم، وجودًا، أو عدمًا، أو كليهما، بالمظنّة، وهو يُطلق في مقابل «التّعليل بالحكمة» الذي هو نوط الحكم، وجودًا، أو عدمًا، أو كليهما، بالحكمة.
ومعنى النّوط وجودًا: إثبات الحُكم في كلّ محلٍّ تُوجد فيه المظنّة أو الحكمة. وهذا قد يقتضي قياس الطَّرد، كما في قياس الجوع والألم المفرطين على الغضب؛ لأنّهما يشوّشان الذّهن (وجود الحكمة). وكما في قياس الأرزّ على البرّ بعلّة الكيل التي هي ضابط محلّ الحُكم بتحريم ربا الفضل عند الحنفيّة (وجود المظنّة).
ومعنى النّوط عدمًا: نفي الحُكم عن كلّ محلٍّ تنتفي عنه المظنّة أو الحكمة. وهذا قد يقتضي قياس العكس، كنفي حُكم الكراهة عن قضاء القاضي مع الغضب اليسير؛ لأنَّه لا يشوّش (انتفاء الحكمة). وكما في نفي الحنفيّة حُكم التّحريم عن بيع قليل البرّ بقليل البرّ، كالحَفْنة بالحَفنتين؛ لأنّه لا يُكال (انتفاء المظنّة).
ولحصول المظنّة والحكمة في آحاد الوقائع المحكوم فيها ثلاثُ حالات:
الأولى: أن يحصلا معًا في الواقعة محلّ الحكم.
والثّانية: أن ينعدما معًا.
والثّالثة: أن تُوجد إحداهما في الواقعة دون الأخرى.
وفي هذه الحالة الأخيرة فقط يحدث الإشكال الفقهي، ويُحتاج إلى الاجتهاد بالمفاضلة والموازنة بين التعليل بالمظنّة والتّعليل بالحكمة.
[ ١١٤ ]
والقاعدة العامّة التي تحكم عمليّة الموازنة بين نوط الحكم بالمظنّة ونوطه بالحكمة عند الفقهاء والأصوليّين، بإطباقٍ منهم، هي أنّ الأصل والغالب أن يُناط الحُكم بالمظنّة (التي تكون منصوصة عادة) لا بالحكمة (التي تكون مستنبطة عادة). ويُخرَج عن هذا الأصل في حالات خاصّة هي ما سنوضّحه في هذا البحث إن شاء الله تعالى.
والغاية من نوط الحكم بالمظنّة لا بالحكمة هي تشوُّف الشّارع إلى الضّبط والحَسْم والوضوح في وضع الأحكام وسنّ القوانين. ومقصدُ الضّبط هذا ينطوي على مقاصد أو مصالح أخرى. فالضَّبط، على التّحقيق، ليس غايةً في نفسه، بل الغاية الحقيقيّة هي ما يترتَّب عليه من مصالح للمكلّفين أفرادًا وجماعاتٍ. وتتمثّل هذه المصالح - المترتّبة على الضّبط - في ثلاثة معانٍ يمكن عدُّها الغايات المصلحيّة لنوط الأحكام بالمظانّ دون الحِكَم، وهي: التّسهيل، والاحتياط، وقطع النّزاع. وقد تجتمع هذه الغايات، كلّها أو بعضها، في المثال الواحد والمسألة الواحدة، وقد يتجلَّى انفراد أحدها أو غلبته على غيره في أمثلة أو مسائل أخرى.