نظريًّا، التعليلُ بعين الحكمة يَفْضُل التعليل بالمظنة من حيث إنه تعليل بالمقصود من الحكم نفسه، لا بما هو وسيلة إليه، وهذا أدنى إلى تحقيق قصد الشارع من الحكم من غير تفويت له في أيّ جزئية من جزئيّات الحكم.
وفي المقابل التعليل بالمظنة يَفْضُل التعليل بالحكمة من حيث ما يحقِّق من مصالح ثانويةٍ تتمثّل في الضبط مع ما يستبطنه هذا الضبط من التسهيل والاحتياط وقطع النزاع، بالإضافة إلى تحقيق الحكمة والمقصود من الحُكم في معظم الجزئيّات. والتضحيةُ بفوات تحقيق المقصود من الحُكم في بعض الجزئيات؛ نتيجةً للنوط بالمظنة، تُعوِّضُه المصالح الأخرى المترتِّبة على الضبط واطّراد الأحكام.
_________________
(١) ابن الهمام، فتح القدير، ١/ ٢١٣.
(٢) الحطاب، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، ١/ ٢٨٩.
[ ١١٨ ]
ولأجل هذا التكافؤ النظري بين نوعي التعليل هذين، كلٌّ من جهة، يتردَّد الفقهاء بينهما في آحاد الوقائع، فمنهم من يعلِّل الحُكم بالحكمة في واقعة، ويخالفه فقيهٌ آخرُ فيعلِّل الحُكمَ بالمظنة في الواقعة نفسها، وأحيانًا يكون للمجتهد الواحد قولان في الواقعة نفسها: أحدُهما دائرٌ مع المظنة، وآخرُ دائرٌ مع الحكمة.
هذا، وإن كان الغالب أن الشارع يعلِّل بالمظانّ المنضبطة، كما ذكر غيرُ أصولي (^١)، فتعليله بالحِكَم، وبالأوصاف المطلقة غير المنضبطة بنفسها كلّ الضبط، كثيرٌ أيضًا.
والأمثلة على تردُّد حكم الواقعة بين أن يُجرى مع مقتضى المظنّة، أو مع مقتضى الحكمة - كما مرّ بنا، وسيمرّ أيضًا فيما بقي من هذا البحث - كثيرةٌ جدًّا. وميلُ الفقيه إلى تقرير الحُكم بحسب ما تقتضيه المظنّة (التعليل بالمظنة)، أو ما تقتضيه الحكمة (التعليل بالحكمة)، تؤثِّر فيه عواملُ متعدّدة. ومن الأهميّة بمكان تسليط الضوء على هذه العوامل، ولكن قبل ذلك لابدّ من تحرير محلّ النزاع في التعليل بالحكمة الذي يتعارض مع التعليل بالمظنة؛ إذ تحرير ذلك مقدّمة لا غنى عنها لإدراك مدى تأثير هذه العوامل في نوط الحكم بالمظنة أو بالحكمة.
ولذلك جاء هذا المطلب في فرعين:
أحدهما: تحرير محلّ النزاع في التعليل بالحكمة الذي يتعارض مع التعليل بالمظنة.
والفرع الثاني: بيان العوامل المؤثِّرة في نوط الحكم بالمظنة أو بالحكمة في الوقائع.