الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله ومن والاه، وبعد:
فإنّ علم مقاصد الشريعة بلغ مبلغًا عظيمًا هذه الأزمان، من حيث انتشارُ تناولِه، وكثرةُ المؤلّفات فيه، وهو علمٌ حقيق بالعناية والرعاية، عظيم الفائدة، كبير العائدة، ولاسيّما في تسديد النظر في القضايا الاجتهادية المعاصرة، لكنّه في الوقت نفسه مَزِلّة قدم إذا أُخذ بمعزلٍ عن أصله ومعدنِه، علمِ أصول الفقه، الذي اشتمل على آليّات تحديد المقاصد، وشروطها، وضوابط إعمالها. فالحقيقةُ التاريخية التي لا ينبغي إغفالها هي أنّ علم مقاصد الشريعة فرعٌ عن علم أصول الفقه، عنه انبثق ومنه اشتُق، ولا ينبغي للفرع أن يعود على أصله بالإبطال، وإلا أبطل نفسه.
وكثيرٌ من الخائضين في البحث المقاصدي، سيّما من غير المتخصّصين في الأصول، يندفعون بحماسٍ زائد مع المقاصد، أو ما يخالونها المقاصد، من غير تقيُّد بمقرّرات الأصوليين العتيدة في ضوابط تحديدها وإعمالها: إمّا جهلًا بهذه المقرّرات لوعورة مباحثها، ودقّتها، وكثرة الخلاف والخلط فيها في مباحث القياس من كتب الأصول، وإمّا إعراضًا عنها بقصد الالتفاف على الأحكام الشرعيّة التي تفيدها النصوص، وتعطيلِها بذريعة إعمال المقاصد، كما يظهر ذلك جليًّا في كتابات الحداثيين والعَلمانيين أصحاب القراءات الجديدة للنصوص الدينيّة.
وفي المقابل هناك طائفةٌ من أهل الشريعة «متحفِّظة» على علم المقاصد برمّته؛ لما تراه من تعسُّف في توظيفه والتذرّع به إلى الافتئات على الشريعة، وتعطيل ظواهرها ونصوصها ومقرّراتها، من قِبَل كثيرين، هم في الغالب دخلاء على العلوم الشرعيّة.
[ ١٠١ ]
فبعيدًا عن هذين المسلكين: مسلك المتهاونين، ومسلك المتحفِّظين، يأتي هذا البحث ليربط علم المقاصد بعلم أصول الفقه، بتجلية عوامل عِدّة ذكرها الأصوليون: صراحةً، أو إشارة، تؤثِّر في تعليق الأحكام: إما بالمقاصد والحِكَم، وإما بالمظانّ والأسباب.
وهذا البحث هو الثالث في هذا السّياق إذ سُبق ببحثين تمهيديين مهمّين:
أحدهما: بعنوان: "العلة والحكمة والتعليل بالحكمة: دراسة مصطلحيّة"، وقد هدف إلى تجلية الاصطلاحات المتعلّقة بموضوع التعليل بالحكمة، كالعلة والحكمة والسبب والمظنة وضابط السبب، ولا سيّما أن بعض هذه الاصطلاحات بلغ الغاية في الغموض والاضطراب، ممّا أورث نزاعاتٍ كثيرةً في تعريفها، وفيما ترتب على ذلك من شروطها، والمسائل المرتبطة بها في الدراسات الأصولية: قديمها وحديثها. وممّا هدف إليه البحث المذكور أيضًا تحريرُ محلّ نزاع الأصوليين في مشروعية نوط الحُكم: وجودًا، أو عدمًا، أو كليهما، بالحكمة دون المظنة/ العلة، وهو ما يُسمّى عندهم بالتعليل بالحكمة.
والبحث الثاني: بعنوان "التعليل بالمظنة لا بالحكمة: دراسة أصوليّة"، وقد هدف إلى تأصيل القول بنوط الأحكام بالأوصاف الظّاهرة المنضبطة (العِلَل أو المظانّ لا الحِكَم والمقاصد) ببيان معناه، وشواهده من أقوال العلماء، وأدلّته الشّرعيّة، وغايته التي تمثِّل الفلسفة الأصوليّة التي يقوم عليها. وقد أُشير في البحث المذكور إلى أنّ التعليل بالمظنة، وإن كان هو الغالب في أحكام الشرع، فيُمكن العدول عنه إلى اعتبار الحكمة كليًّا أو جزئيًّا، وجودًا أو عدمًا، في أحوالٍ خاصّة. وهو ما سنبيّنه في هذا البحث إن شاء الله تعالى.
وبعد الفراغ من هذا البحث، تظلّ الحاجة قائمة في قابل الأيام إلى إنجاز بحوث تطبيقية تفصيلية، تتناول قضايا فقهية معاصرة محدَّدة، نبيِّن فيها الكيفية التطبيقية لإعمال القواعد والعوامل التي خلصنا إليها في هذه السلسلة الثلاثية من البحوث النظرية، كما فعلناه في كتابنا الأخير حول البصمة الوراثية، وهو ما نسأل الله تعالى أن ييسّره لنا بعونه وتوفيقه.
[ ١٠٢ ]