قد لا يلزم أن تكون المظنة أو الحكمة المقول بهما اجتهادًا واقعتين في مقابل نصٍّ صريح، بل في مقابل نصٍّ ظاهرٍ أو عام. وحينئذٍ تتباين مسالكُ الفقهاء في اتّباع أيٍّ منهما.
ومثال ذلك حادثة الأمر بالصلاة في بني قريظة المشهورة (^٣)، فمن اعتبر الحكمة نظر إلى الإسراع فصلى في الطريق عندما خشي فوات الوقت فاستثنى من عموم النص في الأحوال هذه الحالة، ومن لم يعتبر الحكمة لمعارضتها ظاهر النص صلّى في بني قريظة ولو خارج الوقت، أو يُقال بأنّه رأى أنّ النزول إلى الصلاة في الطريق مع ما يستلزمه من التأخير، ولو يسيرًا، يفوّت حكمة الإسراع ولو جزئيًّا. وحينئذٍ يكون الخلاف بين الطرفين لا لمجرّد التعارض بين اللفظ والمعنى، كما درج كثيرون على ذكره، وإنما بسبب اختلاف وجهة النظر فيما يحقِّق الحكمة على التمام أو ينتقصها بعض الشيء. وهو ما نرجّحه لأنّ معنى الإسراع
_________________
(١) البخاري، الصحيح، ٢/ ١٥٩؛ مسلم، الصحيح، ٢/ ٩٢٣.
(٢) مسلم، الصحيح، ١/ ٤٧٨.
(٣) البخاري، الصحيح، ٢/ ١٥؛ مسلم، الصحيح، ٣/ ١٣٩١.
[ ١٢٨ ]
المفهوم من النص في غاية الجلاء، ويبعُد أن تغفله طائفة كبيرة من الصحابة بالكلّيّة وتتشبّث بالألفاظ بجمود، على طريقة الظاهرية.
وكنّا قد أشرنا سالفًا في مقدّمة هذا المطلب إلى مسألة "تأثير تعليل النص على دلالته"، وإلى حاصل القول فيها، فلا نكرّر الكلام هنا.
وأحيانًا تكون المظنة المقول بها اجتهادًا هي المعارضة لظاهر النص لا الحكمة، كما في اجتهاد الجمهور في إناطة ثبوت المهر بالخلوة لا بالدخول، وكما في اجتهاد أبي حنيفة بتقييد إيناس الرشد بسنّ معيّنة على خلاف إطلاق نص الشارع.
وفي هذه الأحوال - عندما تقع الحكمة أو المظنة الاجتهادية - في مقابل ظاهر النص يلجأ المجتهد إلى الموازنة بين الظنّين: الظنّ المستفاد من ظاهر النص، والظنّ المستفاد من الحكمة أو المظنة الاجتهادية، ولا شكّ أنّه لا يصير إلى ما تقتضيه المظنة أو الحكمة إلا إذا وجد إحداهما من القوّة بمكان بحيث تفوق قوّة الظهور في ألفاظ النصّ المقابل لها.