قد تكون الحكمة التي عُلِّل بها الحُكم صحيحةً وقويّة في نفسها لا ضعيفة، لكنّها لا تنفرد بالحُكم، بل يكون للحُكم حِكَمٌ ومقاصدُ أخرى غيرها، وهذا مما يُبطل عكسَ هذه الحكمة، وهذا يعني أنّ الحكم لا ينتفي بانتفائها لثبوته بالحِكَمة أو الحِكَم الأخرى. وعلى هذا، فإنّ تمثيل الآمدي بنكاح المرأة الآيسة، التي لا يفضي نكاحها إلى التناسل والتوالد عادةً - تمثيله بها على الحُكم الذي لا يحصل المقصود منه إلا نادرًا (^١)؛ لا يصلح مثالًا على جواز شرع الحكم في محلٍّ ما مع مرجوحيّة حصول مقصوده وحِكمته، وذلك من جهتين:
الأولى: أن الآيسة صورة جزئيّة استثنائية من الحكم العام، وهو مشروعية النكاح، ومن ثَمّ لا يمكن الاستنتاج منه بأنّ الحُكم - هكذا بإطلاق - يُشرع حتى مع انتفاء حكمته غالبًا، وإنما غاية الاستدلال أن يُقال: قد يُشرع الحكم مع انتفاء تحقق مقصوده في بعض الصور الجزئية. وهو ما أوضحناه سابقًا من أن تعميم الحكم بحسب المظانّ لا يقدح فيه نوادرُ التخلّف.
والجهة الثانية: وهي غرضنا من الإيراد: أنّ النكاح لم يُشرع لغرض التناسل وحده، بل له حِكَمٌ كثيرة، كالسكن الجسدي والنفسي والعاطفي، والأنس، والحصول على النفقة، والخدمة أو التعاون على القيام بالأعمال بالمعروف، وغير ذلك. فانتفاء حكمة التناسل لا يعني انتفاءَ غيرها، ومن ثَمّ يظلّ الحُكم مشروعًا مع الحِكَم الأخرى.
نعم المثال يُقصد منه تفهيم الفكرة لا الاستدلال عليها، لكنَّ الآمدي لم يدلِّل على أنّ الحُكم يُشرع مع انتفاء حكمته غالبًا بشيءٍ سوى ما ذكره من هذا المثال، فكأنّه استدلّ بالوقوع على الوجود. فكان مثاله حريًّا بالنقد لتتوافر الهمم على تحصيل مثال غيره أمثل منه إن وُجِد.
ومما قد يُمثّل به على مدى تأثير انفراد الحكمة بحُكم الواقعة على مناحي الاجتهاد فيها مسألةُ إيجاب العدّة على المرأة، حتى لو تحقّقنا من براءة رحمها، فقد اقترح بعضهم استثناء الحالات التي يمكن التحقُّق من براءة الرحم فيها يقينًا (^٢)، كما في المرأة التي
_________________
(١) الإحكام، ٣/ ٢٧٢.
(٢) منجية السوايحي، "هل العدة في الإسلام حبس للمرأة"، إيلاف، ١٩/ ١١/ ٢٠٠٨، http:// elaph.com/ Web/ ElaphWriter/ ٢٠٠٨/ ١١/ ٣٨٣٩٤٨.htm، تاريخ التصفح: ١/ ٨/ ٢٠١٨.
[ ١٤٢ ]
استؤصل رحمها، وزاد بعضهم من يمكن بفحص الدم التحقّق من عدم حملها، مع أنّ هذا مظنون لا مقطوع به، إذ ثمة أنواع من الحمل الخفي (Cryptic Pregnancy) لا تُظهرها فحوصُ الدم، ولا ينقطع معها طمث المرأة إلا في فترات متأخّرة (^١). وعلى الحالين فهذا الاقتراح على إطلاقه غير مقبول؛ لأن العدّة لم تُشرع للتحقق من براءة الرحم فحسب، ولو كانت كذلك لحدِّدت بحيضة واحدة، كما في استبراء الإماء، ولم تُحدد بثلاثة قروء، أو بعدّة أشهر، كما في عدة الوفاة، وعدّة من يئست من الحيض، فدلّ هذا على أنّ المدّة مقصودة، وهذا بيّنٌ في عِدّة الرجعيّة، وكذا عدّة البائن بالفسخ، لأنّ المدّة الطويلة تُعطي مجالا للتراجع والتصالح، وأمّا البائن لانتهاء عدد الطلقات، مع القطع بعدم إمكان حملها - كمن استُؤصل رحمها - فلا يخفى أنّه ثمة عُرفٌ عامّ يستهجن على المرأة الزواج من آخر فور طلاقها، ويجرّ إليها القيل والقال، فقد يكون هذا مقصودًا من إيجاب التربّص على أمثال هذه. ومع ذلك فالقول بعدم وجوب التربص على مثل هذه المرأة (أي المطلقة ثلاثًا واستؤصل رحمها) يحتمل الاجتهاد، والله أعلم.
والحاصل أن الحِكَم إذا تعدّدت للحُكم الواحد، فإنّه لا يرتفع بارتفاع بعضها، بل لا بدّ من ارتفاع جميعها. وهذا عاملٌ مهم في تقرير الفقهاء لنوط الحُكم بحكمةٍ ما في آحاد الوقائع.