الحكمة هي الوصف الحقيقي المقصود من الحُكم، ولكن يَعدِل الشارع عن نوط الحكم بهذا الوصف إذا كان خفيًّا أو مضطِّربًا، إلى نوطه بوصفٍ ظاهرٍ منضبط هو مظنّة له. وهذا العدول لثلاث غايات: التسهيل والاحتياط وقطع النزاع، وقد أفضنا في بيان ذلك في بحثٍ سابق (^١١).
_________________
(١) عبد الرزاق الصنعاني، المصنف، ٦/ ٣٣٨؛ وصححه الألباني، إرواء الغليل، ٦/ ٣٥٦.
(٢) عبد الرزاق الصنعاني، المصنف، ٧: ٤٧؛ وصححه الألباني، إرواء الغليل، ٦/ ١٥٠.
(٣) مسلم، الصحيح، ٣/ ١٣٣١.
(٤) المرجع السابق.
(٥) الشافعي، الأم، ٥/ ٢٤١.
(٦) المرجع السابق، ١/ ٢٩٩.
(٧) المرجع السابق، ٦/ ١٢٤.
(٨) المرجع السابق، ٧/ ١٩٢.
(٩) المرجع السابق، ٥/ ٢٦٤.
(١٠) العلائي، إجمال الإصابة في أقوال الصحابة، ٣٧.
(١١) صالح، "التعليل بالمظنة لا بالحكمة: دراسة أُصولية"، مجلة الصراط، م ٢١، عدد ٣٨، ٥٩.
[ ١٣٠ ]
والحِكَم، في اتّصافها بالخفاء أو الاضطراب، طرفان وواسطة:
فمنها حِكَمٌ ظاهرة منضبطة يتّفق أكثر الفقهاء على نوط الحكم بها وجودًا وعدمًا، كحكمة الإسكار في الخمر، وحكمة الإنقاء في الاستجمار، وحكمة تطهير الأسنان في الاستياك، وحكمة إرهاب العدوّ في الأمر بإعداد القوة ورباط الخيل، وغير ذلك من الحِكَم التي يدور معها الحكم وجودًا وعدمًا.
ومنها حِكَمٌ غايةٌ في الخفاء أو الاضطراب، لذلك يتّفق الفقهاء على عدم نوط الحكم بها في ذاتها، بل بمظنّتها، كوصف الرضا في العقود، والعمدية في القتل الموجب للقصاص، والمشقّة في رخصة الإفطار، والزجر في وجوب الحدود.
ومنها حِكَمٌ هي في الوسط، ولذلك يختلف الفقهاء بين نوط الحكم بها مباشرة، أو بمظنتها:
كحكمة ثبوت كامل المهر هل يكون بالخلوة أو الوطء، لأنّ الوطء مما لا خفاء فيه في ذاته، بل هو ظاهر منضبط علّق الشارع به كثيرًا من الأحكام، كوجوب الغسل، ووجوب الحدّ، وغير ذلك، ولكن في موضوع ثبوت المهر احتيج إلى ظهورٍ يمكن إثباته عند تنازع الزوجين - أو ورثة أحدهما - فيه بين منكر ومثبت، والوطء ممّا يعسر إثباته بالبيّنة عند النّزاع، ولذلك أُقيمت الخلوة مقامه عند الجمهور؛ لأنّها ممّا يتيسّر إثباتها بالبيّنة عند الإنكار (^١).
ومن ذلك أيضًا حكمة الشهوة - أو اللّذة - التي علّق بها المالكية (^٢) والحنابلة (^٣) حكمَ نقض الوضوء؛ إذ كثيرًا ما يختلط أمرها على المكلّف، ولذلك علّق الشافعيّة (^٤) الحكم بمظنّتها لا بعينها، وهو لمس من هنّ مظنّة للشهوة من النساء، سواء حصلت الشهوة أم لم تحصل.
ومما تجدر الإشارة إليه هاهنا أن الحكمة قد تكون خفيّة أو مضطربة في زمن النص، أو بعده، فينيط الشارع أو الفقهاء الحكم بمظنّتها، ولكن بتغيّر الزمن تنقلب هذه الحكمة من
_________________
(١) ينظر: ابن رجب، القواعد، ٣/ ١٣٢؛ ابن قدامة، المغني، ٨/ ١٠٠.
(٢) الحطاب، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، ١/ ٢٩٦.
(٣) البهوتي، كشاف القناع، ١/ ٣٠١.
(٤) الشربيني، مغني المحتاج، ١/ ١٤٥.
[ ١٣١ ]
وصف الخفاء إلى وصف الظهور فتحتاج حينئذٍ المسألة إلى إعادة اجتهاد؛ لأنّ الحُكم إنما شُرع للحكمة لا للمظنّة، وأُنيط بالمظنّة في زمن النص أو زمن الفقهاء استثناءً لمصلحة الضبط والتيسير، فإذا أمكن نوطُه بالحكمة مباشرة في الأزمان اللاحقة؛ لأنّها أصبحت ظاهرة منضبطة فهو أولى. قال الآمدي (ت ٦٣١ هـ): «إذا كانت الحكمة - وهي المقصود من شرع الحكم - مساويةً للوصف في الظهور والانضباط كانت أولى بالتعليل بها» (^١). وقال الزَّنجاني (ت ٦٥٦ هـ): «حيث اعتبرنا صور الأسباب دون مضمونها فذلك لتعذُّر الوقوف والاطّلاع على مضمونها، وإلا فمتى أمكن الاطّلاع على مضمون السّبب فهو المعتبر لا صورة السّبب» (^٢). وقال القرافي (ت ٦٨٤ هـ): «القاعدة: أنّه لا يُعدَل إلى المظنّة إلا عند عدم انضباط الوصف [أي الحكمة] دائمًا أو في الأغلب» (^٣). وقال ابن تيميّة (ت ٧٢٨ هـ): «المظنّة إنّما تُقام مقام الحقيقة إذا كانت الحكمة خفيّةً، أو غير منضبطة، فأمّا مع ظهورها وانضباطها فلا» (^٤). وقال الرّهوني (ت ٧٧٣ هـ): «لو وُجدت حكمة مجرّدة، وكانت ظاهرة منضبطة بحيث يمكن اعتبارها ومعرفتها، جاز اعتبارها وربطُ الأحكام بها على الأصحّ؛ لأنّا نعلم قطعًا أنّها هي المقصودة للشارع، واعتباره المظنّة لمانع خفائها واضطرابها، فإذا زال المانع من اعتبارها، جاز اعتبارها قطعًا» (^٥). وقال الونشريسي (ت ٩١٤ هـ): «مَنْعُ التعليل بالحكمة مشروطٌ بالخفاء أو عدم الانضباط. أمّا مع الظهور والانضباط فلا على ما هو المختار» (^٦).
ومن الأمثلة على ذلك حكمُ بعض الفقهاء بعدم جواز شقّ بطن المرأة الحامل المتوفّاة لاستخراج الجنين، لأنّ الغالب موتُه بموتها. فناطوا الحكم بالمظنة؛ لأنّ الوقوف على حقيقة حياته لم تكن ممكنة في زمنهم. قال إسحاق بن راهويه (ت ٢٣٨ هـ): «وكيف يجوز ذلك، وليس أحد يستيقن بأنّه ولدٌ حي؟!» (^٧)، وأمّا اليوم فلا حاجة لأن يُناط الحكم بالمظنة، بل يُناط بحقيقة الحكمة مباشرة، وهي حياة الجنين، فيُقال إن كان حيًّا، ويمكن إخراجه حيًّا، فيجوز شقُّ بطنها لاستخراجه، وإلا فلا يجوز، ويسهل على الأطباء اليوم تحديد ما إذا كان الجنين في بطنها حيًّا أو ميتًا قبل إجراء عملية الشقّ عن طريق أجهزة السونار.
_________________
(١) الآمدي، الإحكام، ٣/ ٢٠٣.
(٢) الزنجاني، تخريج الفروع على الأصول، ٣٠٠.
(٣) القرافي، الفروق، ٢/ ١٧٠.
(٤) ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم، ١/ ٣٤٨.
(٥) الرهوني، تحفة المسؤول، ٤/ ٢٨.
(٦) الونشريسي، المعيار المعرب، ٦/ ٢٩٥.
(٧) الكوسج، مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، ٧/ ٣٧٤٣.
[ ١٣٢ ]
ومن الأمثلة أيضًا نوطُ ثبوت النسب بأسباب ثانوية غير الزواج، كالشهادة والإقرار والقيافة والقرعة ونحوها، وإناطة الحُكم بنفي النسب باللعان، فحكمةُ ثبوت النسب، كما دلّت عليها نصوص الشرع، واتّفق عليها الفقهاء هي البعضية - أو الجزئية - بين الوالد والمولود، أي كون هذا من صلب هذا، ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ولكن لما كان يتعذّر الوقوف عليها بعينها لخفائها نيطَ حُكم النسب بأسباب أخرى ظاهرة، كالفراش، وما أُلحق به من أسباب. وفي هذه الأيام أمكن الوقوف على البعضية ذاتها بين المولود والزوج بيقين عن طريق فحص البصمة الوراثية، لذلك ينبغي أن يُعاد النظر في الأحكام الاجتهادية التي لجأ إليها الفقهاء في تقرير أسباب النسب ونفيه؛ لأنهم بنوها على خفاء الحكمة في زمنهم، والحكمة الآن ظاهرة. والحكمة إذا ظهرت وانضبطت نيط الحكم بها لا بمظنتها، وقد قدّمنا في ذلك نظرات فقهية موسّعة، تستند إلى دلائل الشرع وقواعد الأصول ومناهج الفقهاء، في كتاب مستقلٍّ أفردناه لهذا الغرض، فلتُنظر هناك (^١).