مذاهب الصحابة، رضوان الله عليهم، تحظى بتقديرٍ كبير من الفقهاء، ولا شكّ في أنّ الصحابة إذا اتّفقوا على حكم المسألة، سواء أكان حكمهم سائرًا مع المظنة، أم مع الحكمة، فإنّ الفقهاء يتّبعونه، ولكن الذي يحصل كثيرًا أن تكون أقوالهم مختلفة، أو تُنقل المسألة عن الواحد منهم، أو عن العدد اليسير، من غير تحقُّق من انتشار قولهم وما عساه يكون مؤشِّرا على إجماعهم عليه، وحينئذٍ يتفاوت الفقهاء في العمل بأقوالهم التي تجري مع المظنة أو مع الحكمة، ولاسيّما إذا لزم من هذه الأقوال تأويلُ النصّ الشرعي أو تخصيصه، كمثل اجتهاد عمر، ﵁، في المؤلّفة قلوبهم (^١)، حيث ناط الحُكمَ بحكمةٍ مستنبطة، تخصِّص النص بحالٍ دون أخرى، وكما في اجتهاده، ﵁، في نقل الدية من العاقلة إلى أهل الديوان (^٢)، وهو قياس مظنة على مظنة بحكمة التناصر، وكما في اجتهاد عثمان، ﵁، بتوريث المبتوتة في مرض الموت (^٣)؛ نظرًا إلى الحكمة، وهي معاملة المطلِّق في مرض
_________________
(١) قلت: «أخرجه من حكاية عَبيدَة السَّلماني ابنُ أبي شيبة (المصنف: ٦/ ٤٧٣) مختصرا. والبخاري (التاريخ الأوسط: ١/ ٥٦) مختصرا، ويعقوب بن سفيان الفسوي (المعرفة والتاريخ: ٣/ ٢٩٣) … والبيهقي (السنن الكبرى: ٧/ ٣٢)، وابن عساكر (تاريخ دمشق: ٩/ ١٩٥)، «بإسنادٍ صحيح»، كما قال ابن حجر (الإصابة في تمييز الصحابة: ١/ ٢٥٤)» ينظر: صالح، أهل الألفاظ وأهل المعاني: دراسة في تاريخ الفقه، ٢٣.
(٢) عبد الرزاق الصنعاني، المصنف، ٩/ ١٥٩.
(٣) المرجع السابق، ٧/ ٢٦؛ وصححه الألباني، إرواء الغليل، ٦/ ١٥٩.
[ ١٢٩ ]
الموت بنقيض قصده، مع أن ذلك مخصِّصٌ لظواهر النصوص القاضية بعدم ميراث المبتوتة، ومُخرِجٌ حالَ مرض الموت منها، وكما في جَعْل عمر، ﵁، وأكثرِ الصحابة، ثبوتَ كامل المهر منوطًا بالخلوة لا بالدخول (^١)، وحكمِهم بوفاة المفقود بعد أربع سنين (^٢)، وجعْلِهم حدَّ شرب الخمر ثمانين (^٣)؛ لأنّ الشارب في مظنة القاذف فأُلحق به، فهو من القياس في المظانّ، وهذا مخالفٌ لما كان عليه الحال في زمن النبي، ﷺ، وزمن أبي بكر، ﵁ (^٤).
وعند اختلاف الصحابة، فإنّه من الملاحظ أنّ الشافعي، ﵀، يَجري - في الغالب - مع المذاهب التي لا يلزم منها تخصيصُ النصوص وتأويلها، حتّى لو كان القائلون بها قلّةٌ من الصحابة خالفوا بها جمهورهم، أو خالفوا مذاهب الخلفاء الراشدين، بخلاف بقيّة الأئمة المجتهدين الثلاثة أبي حنيفة ومالك وأحمد، عليهم الرحمة، ولذلك لم يَقُل الشافعي بتوريث المبتوتة في مرض الموت (^٥)، ولا بالحكم بوفاة المفقود في أربع سنين (^٦)، ولا بنقل الدّية إلى أهل الديوان (^٧)، ولا بالجلد ثمانين في الخمر (^٨)، ولا بثبوت كامل المهر بالخلوة (^٩)، وغير ذلك ممّا لو استُقرئ لوجد كثيرًا، ولعلّ هذا كان سببًا في توهّم من قال من الشافعية: إنّ الشافعي لا يحتجّ بأقوال الصحابة، مع أنّ هذا مخالفٌ لما صرَّح به من اعتماده عليها (^١٠). ولعلّ الصواب القول إنّه يحتجّ بآثار الصحابة، وبقول جمهورهم، لكن إذا لم تقتض تأويلَ النصّ. والمسائلُ المنقولة آنفًا تخالف أقوالُ جمهورِهم فيها ظاهرَ النصّ، فلعلّه لهذا لم يأخذ بها، ﵀. والله أعلم.