رفعُ الحكم عن بعض الجزئيات التي يشملها النص بعمومه لانتفاء الحكمة عنها ليس بالأمر الهيّن، خصوصًا إذا كانت الحكمة مستنبطة لا منصوصة؛ لأنّه من باب ترك ظاهر
_________________
(١) ما قلناه هنا ينحصر في سفر رخصة الفطر. وأما سفر رخصة القصر فلا ينطبق عليه ذلك والله أعلم؛ لأنّ حكمة مشروعية القصر في الأصل الخوف لا المشقة، ولأنه لا يستحيل إلى بدل بخلاف الصوم فإنه يُقضى، ولأن القصر عزيمة أو مستحب بالإجماع بخلاف الفطر في السفر. وعليه كان الأولى أن لا يُسوّى سفر القصر بسفر الفطر، بل لو جرى الحكم فيه مع إطلاق اللفظ، كما قال ابن حزم وغيره، لما كان بعيدًا، وثمة دلائل عِدّة تشير إلى ذلك.
[ ١٣٩ ]
النص بالرأي، ولأجل هذا يختلف العلماء في مسائل هذا الصنف ويتردَّدون: بين سائرٍ منهم مع المظنة التي يدلّ عليها ظاهر النص، وآخر سائرٍ مع ما يقتضيه انتفاء الحكمة.
ومع هذا فمِمّا لا تخطئُه عينُ المستقرئ للفروع التي يستثنيها الفقهاء من عموم حُكم المظنّة المنصوصة، مراعاةً لانتفاء الحكمة، أنّ هذه الحكمة تكون دلالةُ النصّ عليها في غاية الوضوح، حتى إنها تكاد تجاري ظاهره قوّةً وظهورًا وسبقًا إلى فهم السامع، كحكمة تشوّش الذهن في النهي عن قضاء القاضي وهو غضبان، وحكمة الشكّ في نجاسة اليد في الأمر بغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، وحكمة منع ما يؤثِّر في الخشوع في الأمر بتقديم العَشاء على العِشاء، وحكمة كون الولد بعضًا من الوالد في إثبات نسبه منه، وحكمة الشهوة في الأمر بالوضوء من لمس النساء، وحكمة الإيذاء في النهي عن قربان المسجد عند أكل الثوم والبصل، وحكمة الإشغال عن السعي للصلاة في النهي عن البيع وقت النداء للجمعة، وحكمة الإنقاء في الأمر بالاستجمار، وحكمة الإيذاء في النهي عن بيع المسلم على بيع أخيه وخطبته على خطبته، ونحو ذلك من المسائل.
وأمّا إذا لم تكن الحكمة المستنبطة قويّة الظهور، فإنّ الفقهاء لا يجرونها في تخصيص النص مجرى الحِكَم السابقة، بل يوازنون بينها وبين شمول النص للفرد الذي يُراد استثناؤه بسبب انتفاء هذه الحكمة، فربّما رجح تناول ظاهر النص له، وربما كان رفعُ حكم النص عنه لانتفاء الحكمة أرجحَ وأولى. ولا يتعيّن في هذا الأمر قاعدة منضبطة، بل كلّ مسألة ترجع إلى ذوقٍ اجتهادي خاصّ، كما أسلفناه عند الحديث على العامل الثالث.
وممّا يمكن التمثيل به في هذا المقام، ما ذهب إليه كثيرٌ من الفقهاء من تخصيص الاحتكار المنهي عنه، بالأقوات وفي حال الغلاء، وذلك نظرًا إلى أن المقصود بالنهي هو الإضرار بعامّة الناس، وهذا إنّما يتحقّق فيما هم محتاجون إليه، فيخرج عن النهي احتكارُ السِّلع الكمالية، وكذا السّلع الحاجيّة وقت توافرها، فيجوز احتكارها والتربُّص بها إلى وقت غلاء سعرها. قال النووي (ت ٦٧٦ هـ): «قال العلماء والحكمةُ في تحريم الاحتكار دفع الضرر عن
[ ١٤٠ ]
عامّة الناس … وأمّا ما ذُكر في الكتاب عن سعيد بن المسيب ومعمر راوي الحديث أنّهما كانا يحتكران، فقال ابن عبد البر وآخرون: إنّما كانا يحتكران الزيت، وحملا الحديث على احتكار القوت عند الحاجة إليه والغلاء. وكذا حمله الشافعي وأبو حنيفة وآخرون، وهو الصحيح» (^١).
وقال الصنعاني (ت ١١٨٢ هـ): «ظاهر حديث مسلم تحريم الاحتكار للطعام وغيره … وقد ذهب أبو يوسف إلى عمومه، فقال: كلّ ما أضرّ بالناس حبسه فهو احتكار وإن كان ذهبًا أو ثيابًا. وقيل: لا احتكار إلا في قوت الناس وقوت البهائم، وهو قول الهادوية والشافعية، ولا يخفى أنّ الأحاديث الواردة في منع الاحتكار وردت مطلقة … وهذا يقتضي أنّه يُعمل بالمطلق في منع الاحتكار مطلقًا، ولا يُقيَّد بالقُوْتَين … وكأنّ الجمهور خصّوه بالقُوتين نظرًا إلى الحكمة المناسبة للتحريم، وهي دفع الضرر عن عامّة الناس، والأغلب في دفع الضرر عن العامّة إنّما يكون في القُوتين، فقيَّدوا الإطلاق بالحكمة المناسبة» (^٢).
قلت: ولا تخفى وجاهة قول أبي يوسف، ﵀، بالسير مع المظنة على إطلاقها في النص من دون تخصيص بالأقوات، لأنَّ الحكمة التي استند إليها الجمهور، وإن كان واضحًا حصولها في الأقوات لحاجة عامّة الناس لها، لكنّها أيضًا يمكن أن تتحقّق في غيرها من السلع التي قد يحتاجها بعض الناس لا أكثرهم أو جميعهم، إذ الضرر واقعٌ على هؤلاء من احتكار ما ليس قوتًا، وحتى غير المحتاج للسلعة، وإنما هي له كمال، يقع عليه ضرر من احتكارها، بسبب غلاء سعرها نتيجة للاحتكار بلا بدّ. وقصرُ الحكمة على ضرر عامّة الناس واستثناء الضرر الحاصل لبعضهم تحكُّم، لأنّ الضرر في الشريعة يُزال كلُّه، لا فرق فيه بين ضرر عام وضرر خاص إلا عند الموازنة بينهما إذا حصل تعارض، وأمّا حيث أمكن دفع الضررين كليهما فهو أولى، فكيف إذا كان هذا الأولى في الرأي منسجمًا مع ظاهر النص، فهو مزيد قوّة على قوّة، وظاهرُ النص إذا كان يحتمل معنى مناسبًا صحيحًا فإنّه يبعد إسقاطه بمعنى مناسب آخر استنادًا إلى محض الرأي. والحاصلُ أنّ تعليل الاحتكار بالإضرار بعامّة الناس ضعيف، والأولى تعليله بالإضرار مطلقًا، ولو بطائفة من الناس. والله أعلم.
_________________
(١) شرح صحيح مسلم، ١١/ ٤٣.
(٢) سبل السلام، ٢/ ٣٣.
[ ١٤١ ]