المظنّة - كما أسلفنا - هي المحلّ الذي يغلب فيه وجود الحكمة، ولذلك سُمّيت مظنة؛ لأنّ الحكم يُظنّ عندها. فإذا لم تفض هذه المظنة إلى تحقيق حكمة الحكم ومقصوده في جميع الأفراد والجزئيّات المنضوية تحت الحكم، أو أكثرها، لم تكن مظنّة، وفقدت المزية التي لأجلها ناط الشارع الحكمَ بها، بدلًا عن نوطه بالحكمة ذاتها.
وممّا يقتضيه كونها مظنةً التسليمُ بوجود بعض الجزئيات التي تشملها هذه المظنة بالحكم، ومع ذلك لا يتحقّق فيها المقصود من الحُكم (الحكمة). فهذا لا يلغي كون المظنّة مظنّة، ولا يلغي أيضًا أنّ ثمّة حكمة أخرى سوّغت إمضاء الحُكم على هذه الجزئيات رغم غياب حِكمة هذا الحُكم عنها، وهذه الحكمة هي الضبط بما قد يشمله من التسهيل والاحتياط ورفع النزاع. قال الشيخ عبد الرحمن المعلّمي: «اغتُفر … الإخلال بأصل الحكمة في بعض
_________________
(١) صالح، التحقق من النسب بفحص البصمة الوراثية والكشف عن نتائجه العرضية: نظرات فقهية جديدة، ١٤٣.
[ ١٣٣ ]
الجزئيّات مراعاةً لِحكمة الضَّبط التي هي أهمُّ» (^١). وقال خلَّاف: «تخلُّف الحكمة في بعض الجزئيّات لا أثر له، بإزاء استقامة التّكاليف واطّراد الأحكام» (^٢).
فمثلًا: شربُ قليل النبيذ لا يؤدّي إلى السكر، المتمثِّل في غياب العقل مع بقاء الحواسّ، المؤدِّي إلى العداوة والبغضاء والصدّ عن الذكر والصلاة، ومع هذا فإنّ هذا القليل مشمولٌ بحُكم التحريم عند جماهير الفقهاء، حتّى مع غياب هذه الحكمة عنه، وذلك لوجود حكمةٍ أخرى خَلَفت الحكمة الأصليّة، وهي الضبط والاحتياط المعبَّر عنه في هذه الجزئيّة بحسْم مادّة الفساد؛ إذ لو لم يُحرَّم هذا القليل لما أمكن المنع من تداول المسكرات واقتنائها والاتجار بها، ولَتَهاون الأفراد في شربها؛ لأنّ شرب القليل منها يؤدّي، مع الاعتياد والألفة، إلى شرب الكثير، هذا فضلًا عن أنّ القدر الذي لا يسكر لا ينضبط، فما يُسكر بعض الناس لا يسكر آخرين، وما يسكر الشخص الواحد في حال قد لا يسكره في حال أخرى. إذن الحكمة من تحريم قليل النبيذ ليست هي حصول السّكر نفسه، وما يترتب عليه، كما في تحريم الكثير، بل هي سدّ ذريعة السكر احتياطًا وضبطًا.
ومثلًا نوط حكم رخصة الإفطار في رمضان بالسفر تتحقّق فيه الحكمة غالبًا، وهي دفع مشقّة الصوم غير المعتادة بسبب السفر الطويل، لكنّها مع ذلك قد تغيب في بعض الأسفار الطويلة في حقّ بعض الناس، ورغم هذا تشملهم الرخصة؛ لأنّ هذه الحكمة (المشقّة الزائدة) غير منضبطة، فالناس يتفاوتون في تقديرها والشعور بها فأنيط الحكم بالسفر الطويل الذي يكون مظنّة لها، حتّى لو لم تتحقّق هي في حقّ بعض الناس فِعلًا، وذلك من باب التسهيل والضبط ورفع الحيرة عن المكلّف عند امتثال الحكم.
والحاصل أنّ الجزئيات أو الأفراد الذين تشملهم المظنّة، ولا يتحقّق فيهم حكمة الحُكم عند نوطه بالمظنة، يتّصفون بصفتين:
أولا: أنهم أقليّة واستثناء بالنسبة لسائر الجزئيّات والأفراد الذين يشملهم حُكم المظنة.
_________________
(١) المعلمي اليماني، آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني، ٢/ ٨٣.
(٢) خلاف، علم أصول الفقه، ٦٦.
[ ١٣٤ ]
ثانيًا: أنّه، حتّى لو لم تتحقّق فيهم حكمة الحُكم نفسه، فإنّه خَلَفتها حكمةٌ أخرى اقتضت شمولهم بهذا الحكم، وهي الضبط، وما ينطوي عليه من التسهيل والاحتياط وقطع النزاع.
ومع التسليم بما سبق من حيث الجملة فالأصوليّون يختلفون في بعض الجزئيات والأفرادِ الذين تشملهم المظنة ولا تشملهم الحكمة: هل يُستثنون من حكم المظنة لعدم وجود الحكمة أو لا. وهذه الجزئيّات هي التي تغيب عنها حكمةُ الحُكم على وجه اليقين، أي أنّه لا احتمال لحصول الحكمة فيها البتة.
وجمهورهم على أنّ هذه الجزئيّات الفاقدة للحكمة قطعًا تُستثنى من حُكم المظنة ويُرفع عنها، وخالف في ذلك الحنفية فالحُكم عندهم يدور مع المظنّة، حتى لو انتفت الحكمة يقينًا عن الفرد الجزئي محلّ الخلاف. قال الآمدي (ت: ٦٣١ هـ): «المقصود من شرع الأحكام الحِكَم فَشرْعُ الأحكام مع انتفاء الحكمة يقينًا لا يكون مفيدًا، فلا يَرِد به الشرع خلافًا لأصحاب أبي حنيفة» (^١).
ويمثّل الاصوليون لذلك بالمسألة المشهورة: نكاح المشرقي للمغربيّة (أي نكاح من كان بالمشرق لمن هي بالمغرب بالوكالة من دون لقاء) فالجمهور لا يثبتون نسب الولد إذا أتت به المغربيّة لعدم إمكان اللقاء بينها وبين زوجها، فحِكمة البعضيّة التي يدلّ عليها إمكان الوطء بينهما منتفيةٌ قطعًا في هذه الحالة. أمّا أبو حنيفة فينيطُ حكمَ النسب بعقد النكاح نفسه، سواء انتفت اللقيا قطعًا أم لا. وشبيهٌ بهذه المسألة أيضًا من تزوّج وطلّق في المجلس نفسه بحضرة القاضي والشهود، وكذا من قال لامرأة إذا تزوجتك فأنت طالق، فتطلُق فورَ تزوّجها، فالجمهور لا يثبتون نسب ولدها من هذا الزوج للقطع بعدم حصول الجماع بينهما، في حين أنّ أبا حنيفة، ﵀، يثبت النسب في هذه الحالات إذا جاءت المرأة بالولد في مُدّة الحمل، وذلك نظرًا إلى وجود العقد (^٢).
_________________
(١) الإحكام، ٣/ ٢٧٣.
(٢) المرجع السابق؛ الزنجاني، تخريج الفروع على الأصول، ٣٠٢؛ ابن السبكي، الأشباه والنظائر، ٢/ ١٧٦؛ الزركشي، البحر المحيط، ٤/ ٢٩٤؛ ابن أمير حاج، التقرير والتحبير، ٣/ ١٤٦.
[ ١٣٥ ]
ومثال ذلك أيضًا بعض العقود والإيقاعات، كالنكاح والطلاق، فأبو حنيفة، ﵀، يصحِّحها إذا وجدت المظنة، وهي الصيغة، حتى لو انتفت الحكمة التي لأجلها اعتُبرت الصيغة، وهي الرضا، كما في حالات الإكراه؛ لأنه يلتزم المظنة، وهي موجودة ولا يلتفت إلى الحكمة وإن انتفت قطعًا. أمّا الجمهور فيستثنون الحالات التي يختلُّ فيها الرضا قطعًا، فلا يصحِّحون هذه العقود والإيقاعات. قال ابن الهمام من الحنفية: «وجميعُ ما يثبت مع الإكراه أحكامُهُ عشرةُ تصرُّفات: النكاح، والطلاق، والرجعة، والإيلاء، والفيء، والظّهار، والعِتاق، والعفو عن القصاص، واليمين، والنَّذر» (^١). وقال التاج السبكي: «جَهِدَ أصحاب الرأي من حيث لا يشعرون فعمَّموا القول بأنّ صور الأسباب الشرعية هي المعتبرة في الأحكام دون معانيها، وإن وضُحت وضوح الشمس. وخصَّص الإمام المطلبي، ﵁، ذلك بالصور التي تضطرب معانيها، أو تخفى، أو تدقّ عن الأفهام، وتوجب مزيد الخبط؛ رفعًا للتشاجر؛ كيلا يتسع الخرق بزوال الضبط، وحملًا للحنيفية السمحة فيما هذا شأنه، وانسحابًا على المعاني، وإظهارًا للحِكَم فيما يلوح وجهُه» (^٢).
وفي هذا الصدد تنبغي الإشارة إلى أنّ عامل الزمن قد يؤثِّر في مدى إفضاء المظنة إلى الحكمة في بعض الوقائع، فقد تكون المظنة مفضية إلى الحكمة غالبًا في زمن النص إذا كانت هذه المظنة منصوصة، أو في زمن الفقهاء إذا كانت اجتهادية، لكنّها بتغير الزمان والأحوال يقلُّ إفضاؤها إلى الحكمة أو ينعدم، فهاهنا يجدر إعادة الاجتهاد في نوط الحكم بهذه المظنة.
ومثال ذلك الأمر بإعداد رباط الخيل المنصوص عليه في القرآن، وما جاء في السنة في فضل اتخاذ الخيل وتربيتها والإنفاق عليها (^٣)، والحكمة هو أنّها كانت وسيلة حاسمة ومهمّة في الجهاد وتحقيق النصر ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، أمّا اليوم فلم تعد الخيل وسيلةً فاعلة في الحرب،
_________________
(١) فتح القدير، ٣/ ٤٨٩.
(٢) الأشباه والنظائر، ٢/ ١٧٦.
(٣) ينظر: الأعظمي، الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل، ٧/ ٢٨٢.
[ ١٣٦ ]
أي أنّ المظنّة لم تعد مُفضيةً إلى الحكمة التي شرعت لأجلها بعد أن كانت كذلك سابقًا، ومن ثَمّ يرتفع حُكم النصّ عنها، وهو ندب اتخاذها، ويرجع حكمها إلى الأصل، وهو الإباحة.
ومثال ذلك، أيضًا، حكمُ الفطر في السفر، إذ جاء السفر مطلقًا في القرآن الكريم، منصوصَ الحكمة وهي التيسير، فرأى جمهور الصحابة - نظرًا إلى الحكمة - تقييدَ هذا الإطلاق بالسفر الطويل، واختلفوا في حدّ الطول على أقوالٍ كثيرة بلَّغها بعضهم نحو عشرين قولًا (^١)، وارتضى كثيرٌ من الفقهاء من هذه الأقوال القولُ بأنه سفرُ مسافةِ أربعة بُرُد (٨٥ كم)؛ لأنَّ هذه المسافة مظنّة للمشقّة فعلًا، وما دونها ليس كذلك. وهذا الاجتهاد من الصحابة، رضوان الله عليهم، ومن تبعهم من الأئمة الفقهاء، هو من باب تقييد النصّ المطلق بالحكمة المستفادة منه، وهو ضربٌ شائع في اجتهاد الصحابة والأئمة الفقهاء، كما بينّاه في "أثر تعليل النص على دلالته" (^٢).
وإذا كان سفر أربعة بُرُد (٨٥ كم) مظنة للمشقة فعلًا في زمن الصحابة والفقهاء، ومن بعدهم إلى قريب عصرنا في حقّ معظم الناس، فإنّه - بلا ريب - لم يعد كذلك الآن؛ لأن المسافة المذكورة تُقطع في أقلّ من ساعة بالسيارة في أوقاتنا هذه، في حين كانت في زمن الصحابة والفقهاء تُقطع في يومين أو ثلاثة أيام بلياليها. وعليه احتاجت المسألة إلى إعادة نظر في ضابط السفر المبيح لرخصة الفطر، لأنّه، وكما قلنا، إذا لم تفض المظنة إلى الحكمة غالبًا لا يصحّ وصفها بأنها مظنّتها، ومن ثَمّ فإنّ شرع الحكم معها يعني فقدان حكمته ومقصوده في غالب الأفراد، لا في بعضهم فحسب، كما كان الحال في زمن النصّ وزمن الفقهاء.
ولا يُقال هنا: إنّ الفقهاء والأصوليين نصُّوا على أنّ الحكم في مسألة السفر يدور مع المسافة بغض النظر عن المشقّة، فتُشرع الرخصة في حقّ من قطع المسافة المذكورة بلحظة كمن يستعين بالجنّ مثلا، أو من كان مرفَّهًا في سفره كالملِك المحمول.
_________________
(١) ابن حجر، فتح الباري، ٢/ ٥٥٦.
(٢) صالح، أثر تعليل النص على دلالته، ٨١.
[ ١٣٧ ]
وذلك لأنّ حالات قطع المسافة المذكورة بلا مشقّة كانت نادرة في زمنهم فلا تؤثّر لقلّتها في صلاحية المظنّة بأن يُناط بها الحكم، إذ الغالب من حال الناس أيّامئذٍ أنّهم يجدون المشقة في قطع المسافة المذكورة، ولا يضرّ تخلّف الحكمة عن بعض الأفراد؛ ويطّرد الحُكم فيهم جريًا مع المظنّة التي لا يتأثّر عموم حكمها بنوادر التخلُّف. أمّا اليوم فالمسافة المذكورة ليست مظنّة للمشقّة في حقّ معظم الناس إن لم يكن جميعهم، والشارع عندما قرّر هذه الرخصة عَقّبها بقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فمعنى رفع الحرج ملحوظٌ في مشروعية الفطر عند السفر والمرض قطعًا، وعليه انبنى تقييدُ الصحابة والفقهاء السفرَ المبيحَ للرخصة بالطول وإن اختلفوا في تقدير ذلك.
فالفرق بين زمننا وزمن الفقهاء، أنّ المسافة التي حدّدوها كانت مظنة للمشقّة في وقتهم وتخلُّف المشقّة عن قطعها كان نادرًا، أمّا في زمننا فهذه المسافة لم تعد مظنة للمشقة أصلًا، وما كان في زمنهم يُعدّ من النوادر صار الآن هو الأصلَ والغالبَ، ولذلك اقتضت المسألة إعادة نظر، ولا يحسن بنا أن نلتزم بأحكام الفروع التي سطّرها الفقهاء دون الالتفات إلى القواعد التي بنوا عليها أحكام تلك الفروع، فالفروع كثيرًا ما تتّسم أحكامها بالتغيُّر والتقلُّب بتغير الأزمان بخلاف القواعد التي تتّسم بالثبات.
ومما قد يُقترح في هذه المسألة خاصّة:
إمّا إعادة تقدير المسافة المبيحة للرخصة وزيادتها إذ ليست هي توقيفًا بدليل كثرة اختلاف أقاويل السلف في تقديرها.
وإمّا - ولعلَّه أفضل ممّا سبق - نوطُ الحكم بمدّة السفر لا بمسافته، وهذه طريقة الحنفية في تقدير المسافة، ولذلك فالمسافة الموجبة للرخصة عندهم تختلف في الطريق الوعر عنها في الطريق السهل، وفي البحر عنها في البر، لكن المدّة التي حدّدوها لضبط المسافة (مسيرة ثلاثة أيام) ملائمة في طولها لعصرهم لا لعصرنا؛ لأنّ معظم الأسفار في عصرنا هي
[ ١٣٨ ]
دون تلك المدّة بخلافها في الزمن القديم، فاعتماد هذه المدّة في ضبط المسافة الآن يرفع الرخصة عن جُلّ ما يُسمّى سفرًا في زمننا، وهو ما لا نخاله مقصودًا للشارع.
وإمّا - وهو ما أميل إليه - يُناط الفطر في السفر بالمشقّة ذاتها ويُترك تقديرها لأمانة المكلَّف، كالمرض تمامًا، فيُقال للمكلّف إن شقّ عليك الصيام في السفر فأفطر وإلا فلا، كما يُقال له: إنْ شقّ عليك الصيام مع المرض أو خشيت الضرر معه فأفطر، فالسفر والمرض رخصتان للفطر وردتا في سياق واحد، وهما معلَّلتان بحكمة واحدة وهي التيسير، فالأولى التسوية بينهما في الحكم. والله أعلم (^١).
وهذه المسألة تحتمل بسطًا أكثر من هذا لكن نكتفي بهذا القدر؛ لأنّ المقصود التمثيل، وقدح زناد الفكر الفقهي، لا أكثر.
وما نريد الوصول إليه هنا هو أنّ تغيُّر الأزمان قد يكون ذا أثر في انقلاب المظنّة عن كونها مظنّة بحيث تحتاج هذه المظنة إلى إعادة نظر ومُعايرة جديدة، حتى تظلَّ مظنّة فعلًا تؤدّي وظيفتها في الإفضاء إلى الحكمة غالبًا.
وملخّص القول في هذا العامل أن لمدى إفضاء المظنة إلى الحكمة في واقعة ما أثرًا كبيرًا في مدى التزام الفقهاء بنوط حكم هذه الواقعة بهذه المظنة، أو قطعه عنها، نظرًا إلى انتفاء الحكمة أو مرجوحيّة حصولها. فتقرير هذا القول وبيانه هو الغرض في إيراد ما أوردناه، وإلا فالكلام على مسألة استثناء ما لا تتحقّق فيه الحكمة من حكم المظنة، يستحقّ بسطًا وتفصيلًا أكثر ممّا قيل هنا، وحريٌّ به أن يُفرد بالبحث لتأصيله بالأدلة، وضبطه بالقواعد، وبيان كيفية تنزيله على المستجدّات.