ص: الكلام في المقدمات، أصول الفقه: دلائل الفقه الإجمالية، وقيل: معرفتها.
ش: هذا تعريف لأصول الفقه باعتبار مدلوله اللقبي، وهل هو دلائل الفقه الإجمالية أو معرفة دلائل الفقه الإجمالية؟ فيه خلاف، ذهب إلى الأول القاضي أبو بكر، وإمام الحرمين، والرازي،
[ ٢٣ ]
والآمدي، واختاره ابن دقيق العيد، لأن الأدلة إذا لم تعلم لم تخرج عن كونها أصلًا، ومشى على الثاني البيضاوي وابن الحاجب، إلا أنه عبر بالعلم، ولكل وجه، لأن الفقه كما هو متفرع عن أدلته هو متفرع عن العلم بأدلته، وقيدت الدلائل بالإجمالية لإخراج التفصيلية، فإن النظر فيها وظيفة الفقيه، لأنه يتكلم على أن الأمر في قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ للوجوب، والنهي في قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنى﴾ للتحريم، بخلاف الأصولي فإنه يتكلم على مقتضى الأمر والنهي، من غير نظر إلى مثال خاص.
والدلائل تتناول الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والأشبه - كما قال السبكي ـ: أن الإجمال قيد للمعرفة، فإن أدلة الفقه/ (٢/ب/م) لها جهتان/، فالأصولي
[ ٢٤ ]
يعرفها من إحداهما، وهو الإجمال، والفقيه يعرفها من الجهة الأخرى وهو التفصيل، وليست الأدلة منقسمة إلى ما هو إجمالي غير تفصيلي، وتفصيلي غير إجمالي، ووجه جعلها قيدًا للأدلة أن لها نسبتين، فهي باعتبار إحداهما غيرها باعتبار الأخرى.
وقد أورد على المصنف أنه هلا قال: أصول الفقه: دلائله الإجمالية؟ وأجاب بأجوبة أحسنها: أن الفقه في قولنا: (دلائل الفقه) غير الفقه في (أصول الفقه) لأنه في أصول الفقه أحد جزئي لقب مركب من متضايفين، وفي قولنا: (دلائل الفقه) العلم المعروف.
ص: والأصولي: العارف بها، وبطرق استفادتها ومستفيدها.
ش: لا يكفي في صدق اسم الأصولي معرفة الأصول حتى يعرف مع ذلك أمرين.
أحدهما: طرق استفادتها وذلك يرجع إلى التراجيح، أي ترتيب الأدلة، كتقديم الخاص على العام والظاهر على المؤول.
[ ٢٥ ]
ثانيهما: أن يعرف مستفيدها، وهو المجتهد، فإنه الذي يستفيد من الأدلة بخلاف المقلد، فإنه إنما يستفيد من المجتهد، ويدخل في ذلك المقلد أيضًا إن سمينا علمه فقهًا، واعتبار هذين الأمرين في الأصولي/ (٢/ب/د) دون الأصول - انفرد به المصنف، واعتبر غيره في مدلول الأصول الأمور الثلاثة.
واعترف المصنف بذلك فقال: جعل المعرفة بطرق استفادتها جزءًا من مدلول الأصولي دون الأصول، لم يسبقني إليه أحد، ووجهه: أن الأصول لما كانت عندنا نفس الأدلة لا معرفتها، لزم من ذلك أن يكون الأصولي هو المتصف به، لأن الأصولي نسبة إلى الأصول، وهو من قام به الأصول، وقيام الأصول به، معناه معرفته إياه، ومعرفته إياه متوقفة على معرفة طرق الاستفادة، فإن من لا يعرف الطريق إلى الشيء محال أن يعرف الشيء، انتهى.
وقد يقال: يكتفى في صدق اسم الأصولي بمعرفة الأدلة، لأن المراد معرفتها على وجه به يحصل استفادة الأحكام منها، فيستغنى بذلك عن التصريح باشتراط معرفته طرق استفادتها، لأن المراد معرفة خاصة كما قدمته.
وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: لو اقتصر في تعريف أصول الفقه على الدلائل وكيفية الاستفادة منها لكفى، ويكون حال المستفيد كالتابع/ (٣/أ/م) والتتمة، لكن جرت العادة بإدخاله في أصول الفقه، وضعًا فأدخل فيه جزءًا.