المجاز إما في المفرد، وهو لغوي، ويسمى بالمجاز المثبت وقد تقدم.
وإما في المركب، وهو عقلي، كقوله تعالى: ﴿وأخرجت الأرض أثقالها﴾ [الزلزلة: آية ٢]، ﴿رب إنهن أضللن كثيرا من الناس﴾ [إبراهيم: آية ٣٦]. وكقول الشاعر:
أَشَابَ الصَّغيرَ وأَفْنَى الكبيرَ كَرُّ الغداةِ ومَرُّ الْعَشيّ
وكقولهم: أنبت الربيع البقل، وفعل النور، ويسمى بالمجاز الحكمي والإسنادي، والإثباتي، والمركب وأما فيهما: كقوله: "أحياني اكتحالي بطلعتك" وضابط الأول: معلوم من حد المجاز.
وضابط الثاني: أنه متى نسب الشيء إلى غير ما نسب إليه في نفسه، لضرب من
[ ١ / ٩٠ ]
الملاحظة بين الإسنادين، فهو المجاز العقلي، فبالأخير، خرج قول الدهري أنبت الربيع البقل وأسعد الفلك، عن أن يكون مجازا عقليا.
والملاحظة قد تكون بالدوران الوجودي، والعدمي، كما في أنبت البقل، أو الوجودي كقولهم قتله السم. وبأن يكون الأثر صادرا عنه حسًّا كما في: -
﴿وأخرجت الأرض﴾ [الزلزلة: آية ٢].
و﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ [إبراهيم: آية ٢٥].
وبأن يكون الشيء سبب السبب؛ كقوله: "أعطى الأمير الجبة"، "وكسى الخليفة الكعبة".
وأنكر بعض الشاذين المجاز العقلي:
إما لزعمه: أن صيغ الأفعال موضوعة لصدور مدلولها عن المختار، فإذا أسندت إلى غيره كانت مجازات لغوية.
ربما استدل عليه: بأن علامة المجاز صحة النفي، وهي حاصلة فيه كما في المفرد، إذ يصح أن يقال: ما أخرجت الأرض أثقالها بل أخرجها الله منها، وما أتت النخلة أكلها، ولكن أتى الله منها الأكل.
قال الله تعالى: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن اله رمى﴾ [الأنفال: آية ١٧] وهو على رأينا ظاهر وإما لزعمه: أن صيغ الأفعال موضوعة لصدور مدلولها عمن أسندت إليه، مختارا كان أو موجبًا. ومعنى أحدهما ليس منها، وإذا أسند فعل إلى فاعل، مختارا كان أو موجبا-كان مستعملا في مدلوله حقيقة إذ لو كان مجازا في الموجب، لكان له جهة الحقيقة، كما في المفرد ولما لم يكن كذلك علمنا أنه ليس بمجاز وهو باطل.
أما الأول: فلأن صيغة الفعل لو كانت دالة على صدور مدلوله من المختار، لكان: أخرج كأخرج القادر، وهو لازم على المستدل أيضا إذ لا نزاع في دلالته على فاعل ما، والجواب مشترك ولأنها تارة تفيد صدور الفعل، وتارة تفيد اتصافه، وتارة تفيد المعنيين
[ ١ / ٩١ ]
كضرب وفرض وقام فلو كان دالا على صدوره منه، لما كان حقيقة في الثلاثة.
ولأنه يصح أن يقال: السواد يضاد البياض، والجسم الجمادي يشغل الحيز وينتقل إلى المكان الطبيعي، ويقبل العرض، والأصل في الاستعمال الحقيقة الواحدة. ولأن: أخرج القادر ليس تكرارًا، وغيره نقصا.
ولأنها: لو دلت على القادر، لكنها لا تدل على خصوصيته، وإلا: لزم الاشتراك بحسب القادرين، وهو خلاف الأصل.
فإذا أسند إلى غير ذلك الذي صدر عنه، لم يكن مجازا لغويا، بل عقليا، لأنه حصل التعبير في الحكم العقلي لا اللغوي.
وجواب الاستدلال: يمنع أن صحة النفي من خواص المجاز اللغوي.
وأما الثاني: فلأن كون الفعل حقيقة لغوية فيها، لا ينافي أن يكون مجازا عقليا، فيمن لم تصدر عنه، ولا نسلم اتحاد الجهة وهذا لأن جهة الحقيقة العقلية أن يكون مسندا إلى من صدر منه الفعل، وجهة التجوز أن يكون مستندا إلى غيره.
مسألة