كانت حياة المؤلف ﵀ بين عام ٥٣٥ هـ ٦١٦ هـ، وإقامته بالعراق بين سامراء وبغداد، وكانت الخلافة في وقته للعباسيين فولادته في أول خلافة المقتفي لأمر الله أبو عبد الله محمد بن المستظهر بالله الذي بويع سنة ٥٣٠ هـ بعد خلع ابن أخيه الراشد بالله أبو جعفر منصور بن المسترشد، واستمرت خلافة المقتفي حتى توفي عام ٥٥٥ هـ (١) حيث بويع ابنه المستنجد بالله أبو المظفر يوسف بن المقتفي والذي مات عام ٥٦٦ هـ (٢).
وفي يوم مماته بويع ابنه المستضيئ بأمر الله الحسن أبو محمد والذي دامت خلافته حتى وفاته عام ٥٧٥ هـ (٣) بعد أن عهد بالخلافة إلى ابنه الناصر لدين الله أحمد أبو العباس، وقد طالت مدة خلافته، حتى قيل: لم يل الخلافة أحد أطول منه، فقد بلغت مدة خلافته سبعًا وأربعين سنة استمرت حتى وفاته عام ٦٢٢ هـ أي بعد وفاة السامري ﵀ بست سنوات (٤).
وكانت المشاكل السياسية في هذا الوقت كثيرة جدًّا في البلدان المجاورة للعراق
_________________
(١) تاريخ الخلفاء ٦٩٦.
(٢) نفس المرجع ٧٠٤.
(٣) نفس المرجع ٧٠٣.
(٤) تاريخ الخلفاء ٧١٣.
[ ٦٩ ]
إلا أن العراق وبغداد خاصة أقل مشاكل من جاراتها وإن كانت لا تخلو من هذه المشاكل فقد على الخلافة العباسية قبل هذا الزمن ما لا يخفى من الوهن والضعف والانحلال، إلا أنها في هذا الوقت بالذات قد دبت فيها الحياة بعد أن كانت السيطرة التامة لسلاطين بني (١) بويه (٢) ثم للسلاجقة (٣) من بعدهم غير أن السلاحقة يختلفون في معاملتهم للخلفاء اختلافًا كبيرًا عمن سبقهم من بني بويه فمعاملتهم تمتاز عن معاملة بني بويه وأحسن بكثير، فهم يحسون ويشعرون بقيمة الخلفاء الدينية، ويظهرون احترامهم ويقدرونهم، وكانوا يعتقدون المذهب السني مذهب الخلفاء العباسيين، كل هذا مما قوى الخلفاء العباسيين، وبعث في نفوسهم الأمل لاستعادة قوتهم ونفوذهم، فقد بدأت هذه القوة وهذا النفوذ في أواخر العهد السلجوقي (٤) وذلك من عهد المقتفي، فقد وهبه الله القوة هو ومن بعده من الخلفاء ويسر الله أمورهم حتى كان لهم الأمر والنهي وقويت شوكتهم وهابهم غيرهم فضعف أمر السلاجقة الذين سبقت لهم الصولة والجولة والأمر والنهي والتدبير في كل الأمور.
_________________
(١) بني بويه دولة من الديلم ملكت العراقيين والأهواز وفارس تغلبت على خلفاء العباسيين وإن كانوا تابعين لهم تبعة اسمية (دائرة معارف القرن العشرين ٢/ ٤٤٤).
(٢) النظم الإسلامية ٢٧٢ - ٢٧٣.
(٣) السلاجقة: هذه الدولة تنسب إلى سلجوق أحد أمراء الترك رحل من بلاده إلى بلاد الإسلام بحدود إيران وأسلم هو وعشيرته وخلف بعد موته ابنه ميكائيل فقاتل كفار الأتراك حتى مات وخلف ثلاثه أولاد حاربوا السلطان مسعود حنى تغلبوا عليه وظهر أمرهم من تاريخ ٤٢٨ هـ (دائرة معارف القرن العشرين ٥/ ٢٢٢).
(٤) تاريخ الإسلام ٣٠٦ - ٣٠٧.
[ ٧٠ ]
وقد بدأ هذا الضعف من عام ٥٣٣ هـ -أي بعد مبايعة المقتفي بثلاث سنوات- حيث ظهر عجز السلطان مسعود (١) ولم يبق له إلا الاسم وزادت قدرة وتمكن المقتفي، وعظمت هيبته وعلت كلمته، وقد ذكره السيوطي ﵀ أن ذلك مبدأ صلاح الدولة العباسية (٢).
وفي عام ٥٤٧ هـ مات السلطان مسعود وبموته زاد ضعف دولة السلاجقة وبمقدار هذا الضعف زادت قوة المقتفي فأمر ونهى ونفذت كلمته وساس البلاد ومهدها فعظم أمره وقوى على مخالفيه واشتد عليهم فخافوه وهابوه وزادت حرمته واستمر في تزايد طوال حياته (٣).
وقد ذكر ابن الأثير (٤) في كتابه الكامل في التاريخ عند وفاة السلطان مسعود أنه بموته ماتت سعادة البيت السلجوقي فلم يقم بعده راية يعتد بها ولا يلتفت إليها (٥).
وقد ذكر صاحب سمط النجوم العوالي نقلًا عن ابن الجوزي قوله:
_________________
(١) مسعود بن محمد بن ملكشاه ولد عام ٥٠٢ هـ وتوفي عام ٥٤٧ هـ (الكامل ١١/ ١٦٠).
(٢) تاريخ الخلفاء ٦٩٧.
(٣) نفس المرجع ٧٠١.
(٤) علي بن محمد الشيباني أبو الحسن ولقبه عز الدين ويعرف بابن الأثير ولد عام ٥٥٠ هـ وتوفي عام ٦٣٠ هـ (الكامل لابن الأثير ١/ ٩).
(٥) الكامل ١١/ ١٢٠.
[ ٧١ ]
(من أيام المقتفى عادت بغداد والعراق إلى يد الخلفاء ولم يبق لهم منازع، وقبل ذلك من دولة المقتدر (١) إلى وقته كان الحكم للمتغلبين من الملوك وليس للخليفة معهم إلا الاسم فقط) (٢).
وقد ذكر ابن الأثير أن المقتفي هو أول من استبد بالعراق منفردًا عن سلطان من أيام الديلم (٣) إلى وقته (٤).
كما قد ذكر عن المستنجد أنه من أحسن الخلفاء سيرة مع رعيته ووصفه بالعدل وكثرة الرفق (٥).
أما المستضيئ فقد خطب له في مصر واليمن وكثير من البلدان المجاورة وأذعنت الملوك بطاعته (٦).
ووصف المستضيئ ﵀ بالعدل والإحسان إلى رعيته، عاش الناس في وقته بأمان وطمأنينة وسكون لا مثيل له (٧).
_________________
(١) أبو الفضل جعفر بن المعتضد، بويع بالخلافة ٢٩٥، (سمط النجوم العوالي ٣/ ٣٥٣).
(٢) سمط النجوم العوالي ٣/ ٣٧٤.
(٣) هم الذين ينتسب إليهم بني بويه، (تاريخ الإسلام ٤/ ٦٢٦).
(٤) الكامل ١٠/ ٢٥٦.
(٥) نفس المرجع ١٠/ ٣٦٢.
(٦) تاريخ الخلفاء ٧٠٨.
(٧) الكامل ١١/ ٤٥٩.
[ ٧٢ ]
أما الخليفة الناصر فكانت حياته مملوءة بالعز والإجلال والقوة، أحيا بهيبته الخلافة وملأ القلوب هيبة وخيفة فرهبه أهل الهند ومصر كما رهبه أهل بغداد (١).
ملك مماليك وبلدان كثيرة، وخطب له بأماكن عديدة كالأندلس وبلاد الصين (٢) وأفريقية (٣)، وكانت تصرفات هؤلاء الخلفاء تمتاز بالحكمة والتروي والشورى، فقد ورد أنه لما تطاول أصحاب مسعود على المقتفي ولم يمكن المجاهرة بالحرب اتفق رأي الخليفة ووزيره ابن هبيرة على الدعاء على مسعود شهرًا، وابتدئا بالدعاء عليه سحرًا فلما تكامل الشهر مات مسعود ولم يزد على الشهر يومًا ولا نقص يومًا، وهما بهذا الدعاء مقتدين بالرسول ﷺ حينما دعا على رعل وذكوان حينما نقضا العهد (٤).
ولذلك كله فقد منيت تصرفاتهم بالتوفيق بإذن الله، نصرهم الله على أعدائهم، وأنزل الله الرعب في قلوب مبغضيهم، إذا فحالة سياسة كهذه الحالة السائدة في عصر هؤلاء الخلفاء، استيلاء، وقوة، وهيبة وانتصار، وتغلب على
_________________
(١) تاريخ الخلفاء ٧١٥.
(٢) نفس المرجع ٧١٦.
(٣) الكامل ١١/ ٥٢١.
(٤) تاريخ الخلفاء ٦٩٩.
[ ٧٣ ]
كل عدو، وعز ورفعة، وعدل ورفق بالرعية، وشدة على المفسدين وحكمة وتروي ومشورة.
حالة كهذه فيها قسط كبير من الخصوبة للعلم وأهله، ميادين واسعة للتقدم العلمي بين مختلف الطبقات الاجتماعية في ذلك الوقت.
فهولاء الخلفاء جمعوا بين العلم والسياسة كان لهم حظ وافر من العلم ونصيب موفق من تسيير دفة الأمور.
كان وزراؤهم في الغالب على نمطهم ومثالًا على ذلك الوزير ابن هبيرة، الذي تولى الوزارة أيام المقتفي عام ٥٤٤ هـ واستمر بها حتى توفي في ولاية الناصر عام ٥٩٠ هـ.
فقد جمع هذا الوزير بين الحكمة والسياسة بين العلم والدهاء بين العقل وبين الفهم، بين التأليف وقضاء حوائج الناس، نشر العدل ورفع الظلم، رفع العلم وأهله، قرب العلماء ورفع قدرهم، ارتفعت رايات العلم في عهده.
إذًا فلا غرابة في نبوغ علماء كالسامري في ذلك الوقت الذي كان الأمر فيه لهؤلاء الخلفاء ووزرائهم.
[ ٧٤ ]