قيمة كل عالم بارز في أي فن من فنون العلم تظهر بأمرين أو بأحدهما.
فقد تظهر في حياته إما فيما يتولاه من مناصب يكون لها أثرها الفعال وعاقبتها الحسنة وذكراها الطيبة فيما يتم على يديه من الأمور العديدة التي لها أثرها في نفع المجتمع وفي إبراز هذا الفن حاضرًا ومستقبلًا.
وإما فيما يقوم به من تعليم وإرشاد لأي طبقة من طبقات المجتمع أو لجميع الطبقات، وقد لا تظهر إلا بعد مماته فقط وذلك لمن قل اتصاله بالمجتمع أو اتصل وقل أثره وإنما كان له دور في التأليف في أي فن، تأليف له قيمته العلمية حتى يكون مرجعًا لمن بعده، فبعض العلماء لم تظهر قيمته إلا بعد مماته وهو من اقتصر على التأليف -وإن كان البعض من هذا النوع قد تظهر في حياته- وبعضهم تظهر قيمته في حياته وبعد مماته وهم من جمعوا بين أي عمل له دوره في بروزهم في حياتهم وبين التأليف في أي فن من فنون العلم تأليف يصح الاعتماد عليه.
ومؤلفنا ﵀ من العلماء الذين جمعوا بين الأمرين، ففي حياته تولى مناصب عديدة لها مساسها بالمجتمع، فتولى القضاء، وتولى الحسبة، وتولى ديوان الزمام، وهذه الأعمال لها مساسها المباشر المستمر بالمجتمع، فكان له قيمته
[ ٨٤ ]
في وقته من هذه الجهة.
أما التدريس فلم يذكر أنه قام به قيامًا منتظمًا أو خصص له مجلس أو درس، ولربما كان ذلك بسبب مناصبه واشتغاله بالتأليف.
وأما قيمته ﵀ بعد مماته فقد ظهرت وبرزت من خلال صفحات ما ألفه وكثرة مراجعيه ودارسيه والناقلين منه، فقد رجع إلى مؤلفاته -وأخص منها المستوعب- الكثير من علماء الحنابلة واستعانوا وانتفعوا بما سجله ودونوا بمؤلفاتهم بعضًا من تعبيراته وآرائه ﵀ وقد عد قوله ورأيه مع البارزين من علماء الحنابلة في تلك المؤلفات.
وقد اطلعت على مؤلفات عديدة من مؤلفات الحنابلة نقلوا منه وأشاروا إليه وإلى مؤلفاته وذكرت أقواله وآراؤه في مؤلفاتهم، ومنها على سبيل المثال:
١ - النكت والفوائد السنية (١).
٢ - الفروع لابن مفلح (٢).
٣ - تصحيح الفروع (٣).
٤ - القواعد لابن رجب (٤).
مطالب أولى النهي (٥).
_________________
(١) انظر ١/ ٣، ٥.
(٢) انظر ١/ ١٠٩.
(٣) انظر ١/ ١٠٩.
(٤) انظر ٨١.
(٥) انظر ١/ ٢١٠.
[ ٨٥ ]
٥ - شرح منتهى الإرادات (١).
٦ - الآداب الشرعية (٢).
٧ - حاشية العنقري على الروض المربع (٣).
٨ - حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع جمع عبد الرحمن بن محمد بن قاسم (٤).
٩ - الفواكه العديدة (٥).
١٠ - المبدع في شرح المقنع (٦).
١١ - المطلع على أبواب المقنع (٧).
١٢ - كشاف القناع (٨).
١٣ - الاختيارات الفقهية (٩).
١٤ - تجريد زوائد الغاية مع مطالب أولي النهي (١٠).
وقد أثنى عليه ﵀ وعلى مؤلفاته كثير من العلماء أثناء مرورهم على ترجمته أو ذكر معلومات عن أبي مؤلف من مؤلفاته فقد وصفوه بصفات حميدة، صفات علمية لا يوصف بها إلا من علا قدره وارتفعت منزلته، فقد ذكر الإمام ابن رجب
_________________
(١) انظر ١/ ٢٨، ٨١.
(٢) انظر ٢/ ١٩، ٢٨٤، ٢٩٩، ٣٠٢.
(٣) انظر ١/ ٤٨، ٩٥.
(٤) انظر ١/ ٧٧.
(٥) انظر ١/ ٧، ٣٦، ٣٩.
(٦) انظر ١/ ٣٨، ٥٠.
(٧) انظر ٦٤٥، ٧٠٩.
(٨) انظر ١/ ٤١.
(٩) انظر ٤١.
(١٠) انظر ١/ ٤٤.
[ ٨٦ ]
عند الترجمة له في كتاب الذيل على طبقات الحنابلة بعضًا من الصفات العلمية القيمة فأورد أنه برع في الفقه والفرائض وقال عنه عند ذكره لاسمه (محمد بن عبد الله بن الحسين السامري الفقيه الفرضي، كما ذكر ما قاله عنه ابن النجار (قال ابن النجار كان شيخا جليلًا فاضلًا نبيلًا حسن المعرفة بالمذهب والخلاف، وقال عنه ابن بدران (مجتهد المذهب) (١).
كما أن من الأدلة الدالة على رفعة قدره وعلو مكانته بين العلماء والمتعلمين ما يظهر من مقدمتيه في كتابية المستوعب والفروق حيث ظهر من هاتين المقدمتين أنه لم يؤلف هذين الكتابين إلا بطلب وسؤال وذلك من الشواهد على سمو مكانته العلمية في حياته.
_________________
(١) الذيل على طبقات الحنابلة ٢/ ١٢١ - ١٢٢، شذرات الذهب ٥/ ٧٠ - ٧١، المدخل ٢١٧.
[ ٨٧ ]