كان أغلب أهل ذلك العصر وخاصة منهم العلماء ومن حولهم يتصفون بالورع وبالزهد فقد اختلط ذلك بدمهم فأصبحوا لا يقيمون للدنيا وزنًا اللهم إلا ما لا بد منه وما يطمعون من ورائه بثواب أخروي بصفة مباشرة كالتصديق والإنفاق وإقامة المشاريع الخيرية، أو بصفة غير مباشرة كشراء الكتب التي تفيد صاحبها ومن حوله في حياته وتفيد ذريته ومن حولهم بعد مماته.
فهذا الوزير ابن هبيرة يقول والله لقد كنت أسأل الله تعالى الدنيا لأخدم بما يرزقنيه منها العلم وأهله، فقد بالغ ﵀ في تقريب خيار الناس من الفقهاء والمحدثين والصالحين واجتهد في إكرامهم وإيصال النفع إليهم وارتفع أهل السنة به غاية الارتفاع (١).
وكانت السنة تدور عليه ﵀ وعليه ديون، وقال: ما وجبت على زكاة قط (٢) وحكى عنه أنه كان إذا مد السماط فأكثر ما يحضره الفقراء والعميان، فلما كان ذات يوم وأكل الناس وخرجوا بقى رجل ضرير يبكي، ويقول: سرقوا مداسي ومالي غيره، والله ما أقدر على ثمن مداسي، وما بي إلا أن أمشي حافيًا وأصلي، فقام الوزير من مجلسه، ولبس مداسه وجاء إلى الضرير، فوقف عنده وخلع مداسه
_________________
(١) الذيل على طبقات الحنابلة، جـ ١ ص ٢٥٤.
(٢) الذيل على طبقات الحنابلة، جـ ١ ص ٢٥٦.
[ ٣٤ ]
والضرير لا يعرفه، وقال له البس هذا وأبصره على قدر رجلك، فلبسه، وقال: نعم، لا إله إلا الله كأنه مداسي، ومضى الضرير، ورجع الوزير إلى مجلسه، وهو يقول: سلمت منه أن يقول: أنت سرقته (١).
وهذا الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن سهل بن سلمة وقف كتبه (٢) وكان عفيفًا من حب المال مهينا له، باع جميع ما ورثه، وكان من أبناء التجار فأنفقه في طلب العلم، وكان يفتح عليه من الدنيا جمل فلم يدخرها بل ينفقها على تلامذته (٣).
وقد حضر كتب ابن الجواليقي حين بيعت في بغداد، فنادوا على قطعة منها ستين دينارًا، فاشتراها بستين دينارًا والإنظار من يوم الخميس إلى يوم الخميس فخرج واستقبل طريق همدان، فوصل، فنادى على دار له، فبلغت ستين دينارًا، فقال: بيعوا، قالوا: تبلغ أكثر من ذلك قال: بيعوا، فباعوا الدار بستين دينارًا، فقبضها، ثم رجع إلى بغداد، فدخل يوم الخميس، فوفى ثمن الكتب ولم يشعر أحد بحاله إلا بعد مدة (٤).
_________________
(١) الذيل على طبقات الحنابلة، جـ ١ ص ٢٨٣.
(٢) نفس المرجع، جـ ١ ص ٣٢٤.
(٣) نفس المرجع جـ ١ ص ٣٢٦.
(٤) الذيل على طبقات الحنابلة جـ ١ ص ٣٢٨.
[ ٣٥ ]
وهذا إبراهيم النهرواني، يضرب به المثل بالورع، كان إذا خاط ثوبًا فأعطي الأجرة مثلًا قيراطًا أخذ منه حبة ونصفًا ورد الباقي، وقال خياطتي لا تساوي أكثر من هذا، ولا يقبل من أحد شيئًا (١).
وقد ورد أن عبد الله بن أحمد البغدادي، لم يمت أحد من أهل العلم وأصحاب الحديث إلا وكان يشتري كتبه كلها، فحصلت أصول المشائخ كنده، وقد اشترى يومًا كتبًا بخمسمائة دينار ولم يكن عنده شيء فاستمهلهم ثلاثة أيام، ثم مضى ونادى على داره، فبلغت خمسمائة دينار فوفى بها ثمن الكتب (٢).
_________________
(١) الذيل على طبقات الحنابلة جـ ١ ص ٢٣٩.
(٢) الذيل على طبقات الحنابلة جـ ذ ص ٣١٩.
[ ٣٦ ]