في عصر المؤلف وفي بغداد بالذات كانت بغداد موردًا للمتعلمين، ومصدرًا للعلماء، فقد كثر الوافدون عليها لتلقي العلم عن أهله، حيث كثرت المدارس في ذلك الوقت، فقد بلغت ثلاثين مدرسة (١) وبرز أهل ذلك العصر بروزا ظاهرًا في فنون كثيرة من فنون العلم، فقد ذكر الدكتور عبد العزيز السعيد في كتابه ابن قدامة وآثاره الأصولية قوله: (وقد زادت هذه الحركة العلمية في القرن الخامس وفي مقدمتها علوم الشريعة الإسلامية وهذه الفترة من التاريخ الإسلامي هي فترة القمة في نمو التأليف لدى كل الطبقات من علماء المسلمين) (٢).
فقد برز أهل ذلك العصر في شتى العلوم، فقد كان منهم أئمة في القرآن تلاوة وحفظًا وتفسيرًا، ولا يقلون عن ذلك في الحديث وأصوله وشروحه وأسانيده بلغوا الذروة في الفقه وأصوله والفرائض، في اللغة والأدب، في النثر والشعر، في النحو والعروض والبلاغة، في علم المذاهب، في التاريخ والجغرافيا، في الطب والفلك والنجوم، في الحساب والجبر.
_________________
(١) رحلة بن جبر، ص ٢١٥.
(٢) ابن قدامه وآثاره الأصولية، الدكتور عبد العزيز السعيد، جـ ١ ص ٧٣ - ٧٤.
[ ٤٠ ]
فهذا موهوب بن أحمد الجواليقي، كان شيخ أهل اللغة في عصره، سمع الحديث وقرأ الأدب وبرع في علم اللغة والعربية، كان إمامًا في اللغة والأدب، مليح الخط كثير الضبط، صنف التصانيف، ونقل بخطه الكثير (١).
وهذا محمد بن ناصر (٢) السلامي الفارسي الأصل، ثم البغدادي مقدم أصحاب الحديث في وقته ببغداد، كان حافظًا ضابطًا متقنًا، ثقة من أهل السنة جيد النقل، صحيح الضبط، كثير المحفوظ، له يد باسطة في معرفة النحو واللغة، كانت أصوله في غاية من الصحة والإتقان، له معرفة تامة في المتون والأسانيد، حدث وأملى الحديث واستملى للأشياخ الكثير وخرج لهم التخاريج الكثيرة وتكلم فيها على الأسانيد ومعاني الأحاديث وفقهها (٣).
وهذا صدقه بن (٤) الحسين البغدادي، فقيه، أديب، شاعر، متكلم، كاتب، مؤرخ، قرأ بالروايات وسمع الحديث، وقرأ علم الجدل والكلام والمنطق
_________________
(١) الذيل على طبقات الحنابلة، جـ ١ ص ٢٠٤ - ٢٠٥.
(٢) محمد بن ناصر بن محمد بن علي بن عمر السلامي المولود عام ٤٦٧ هـ والمتوفى عام ٥٥٠ هـ، انظر الذيل على طبقات الحنابلة، جـ ١ ص ٢٢٥ - ٢٢٨.
(٣) الذيل على طبقات الحنابلة، جـ ١ ص ٢٢٥ - ٢٢٩.
(٤) صدقة بن الحسين بن الحسين بن الحسن بن بختيار بن الحداد البغدادي المولود عام ٤٧٧ هـ والمتوفي عام ٥٧٣ هـ، انظر الذيل على طبقات الحنابلة، ص ١ ص ٣٣٩ - ٣٤٢.
[ ٤١ ]
والفلسفة، والحساب ومتعلقاته من الفرائض وغيرها، وكتب خطًّا حسنًا صحيحًا، وقال شعرًا مليحًا وأفتى وناظر، له مصنفات حسنة (١).
وهذا عبد الله بن أحمد بن الخشاب البغدادي، قرأ القرآن بالروايات له معرفة تامة بالحديث، قرأ الحساب والهندسة والفرائض، وشارك في أنواع العلوم، انتهى إليه معرفة النحو واللغة، كانت له معرفة بالحديث والمنطق والفلسفة، كان يكتب خطًّا حسنًا، ويضبط ضبطًا متقنًا، وما من علم من العلوم إلا كانت له فيه يد حسنة، له تآليف كثيرة (٢).
وهذا المبارك بن (٣) الحسن بن طراد الباماوردي المعروف بابن المقابلة، كان أعلم أهل زمانه بالفرائض والحساب والدور حسن العلم بالجبر والمقابلة، وغامض الوصيات والمناسخات (٤).
_________________
(١) الذيل على طبقات الحنابلة، جـ ١ ص ٣٣٩.
(٢) الذيل على طبقات الحنابلة، جـ ١ ص ٣١٦ - ٣١٧.
(٣) المبارك بن الحسن بن طراد الباماوردي المعروف بابن المقابلة، ولد عام ٥٠٥ تقريبًا وتوفي عام ٥٧١ هـ، الذيل على طبقات الحنابلة، جـ ١ ص ٣٣٤ - ٣٣٥.
(٤) نفس المرجع، جـ ١ ص ٣٣٤ - ٣٥.
[ ٤٢ ]
وهذا ابن الجوزي -﵀- حفظ القرآن وقرأ الحديث وتفقه وتعلم الفرائض والأدب، اجتمع فيه من العلوم ما لم يجتمع في غيره، صنف تصانيف عديدة في فنون العلم من التفاسير والفقه والحديث والوعظ والرقائق والتواريخ وغير ذلك، انتهت إليه معرفة الحديث وعلومه، له أشعار حسنة كثيرة تصانيفه أكثر من مائتي مصنف (١).
وهذا عبد الله بن الحسين العكبري، مقرئ مفسر فقيه فرضي لغوي نحوي، إمام في علوم القرآن والفقه واللغة والنحو والعروض والفرائض والحساب، وفي معرفة المذاهب والمسائل والنظريات وقد زادت مؤلفاته على الثلاثين. (٢)
وهذا عبيد (٣) الله بن علي البغدادي المعروف بابن المارستانية أديب فقيه محدث مؤرخ خطيب بليغ شاعر حافظ فصيح (٤).
_________________
(١) الذيل على طبقات الحنابلة جـ ١ ص ٣٩٩ - ٤٢٨.
(٢) نفس المرجع، جـ ٢ ص ١٠٩ - ١١٣.
(٣) عبيد الله بن علي بن نصر بن حمزة بن علي بن عبيد الله البغدادي التيمي المعروف بابن المارستانية، ولد سنة ٥٤١ هـ وتوفي عام ٥٩٩ هـ، الذيل على طبقات الحنابلة، جـ ١ ص ٤٤٢ - ٤٤٦.
(٤) نفس المرجع جـ ١ ص ٤٤٢ - ٤٤٦.
[ ٤٣ ]
وهذا عبد الغني بن (١) عبد الواحد بن علي الجماعيلي المقدسي، برع في الحديث ورجاله وصنف فيه تصانيف حسنة وكثيرة عدد منها صاحب الذيل على طبقات الحنابلة ما يزيد على الخمسة والأربعين مصنفًا (٢).
وهذا عبد الله بن أحمد بن قدامه، إمام من أئمة المسلمين وعلم من أعلام الدين في العلم والعمل، كان إمامًا في القرآن وتفسيره، إمامًا في الفرائض وأصول الفقه والنحو والحساب وفي النجوم السيارة والمنازل له تصانيف عديدة في الفروع والأصول تزيد على الثلاثين (٣) إمام المذهب في عصره لا يماثله في مذهب الحنابلة إلا القاضي أبي يعلى وابن تيمية (٤).
وليس المجال هنا مجال سرد لجميع العلماء في شتى الفنون، وإنما مجال ذكر نماذج وأدلة على بروز أهل ذلك العصر وتقدمهم في أنواع العلم ولذا فسأكتفي بما ذكرت.
_________________
(١) عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر الجماعيلي المقدسي ولد عام ٥٤١ هـ وتوفي عام ٦٠٠ هـ، الذيل على طبقات الحنابلة جـ ٢ ص ٥ - ٢٩.
(٢) نفس المرجع، جـ ٢ ص ٥ - ٢٩.
(٣) طبقات الحنابلة جـ ٢ ص ١٣٣ - ١٤٢.
(٤) هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي قاسم بن تيمية الحراني، الإمام الفقيه، المجتهد المحدث، الحافظ المفسر، الأصولي الزاهد، شيخ الإسلام وعلم الأعلام، ولد سنة ٦٦١ هـ بحران، له مصنفات كثيرة، منها الإيمان، ودرء تعارض العقل والنقل، والسياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، توفي رحمه الله تعالى سنه ثمان وعشرين وسبعمائة من الهجرة، (انظر: الذيل على طبقات الحنابلة ٢/ ٣٨٧ - ٤٠٥).
[ ٤٤ ]
والواقع أن بروز أهل ذلك العصر في الفنون المذكورة كان بروزًا علميًّا وعمليًّا علموا فعملوا.
إذ لم يكن الأمر قاصرًا على تقدمهم في العلوم فقط، فقد صاحب هذا العلم تقييد له بالتأليف، فقد تعددت المؤلفات في جيع هذه الأنواع فأفادتهم ومن في عصرهم، وسرت فائدتها إلى من بعدهم ومنذ ذلك الحين وضوء هذه المؤلفات ينير السبيل لمن وصل إليه من سكان المعمورة في شتى العلوم، ومنذ ذلك الوقت والناس عيال على مؤلفاتهم ومؤلفات من قبلهم.
[ ٤٥ ]