كانوا يحبون العلماء ويكثرون من مجالستهم رغبة في العلم وحبًّا لأهله، كانوا يقدرونهم ويكرمونهم وينزلونهم المنزلة اللائقة بهم.
كانوا يستشيرونهم ويعملون بآرائهم، كانوا يولونهم المناصب الحساسة التي تليق بهم والتي لا يقوم بها قيامًا مرضيًّا غيرهم، كان وزراؤهم من العلماء الموثوق بهم، كانوا يزورونهم في مساجدهم وفي بيوتهم، كانوا يستمعون لمواعظهم ويقرؤون عليهم.
فقد كان الخليفتان المقتفى والمستنجد يستشيران وزيرهما القاضي بن هبيرة ويأخذان بآرائه.
وقد زار المقتفي أحمد بن مهلهل (١) بن عبد الله بن أحمد البرداني في مسجده (٢)، كما أنه قد قرأ على موهوب (٣) بن أحمد الجواليقي (٤)، وحينما دعاه ليجعله إمامًا يصلي
_________________
(١) أحمد بن مهلهل بن عبد الله بن أحمد البرداني توفي عام ٥٥٤ هـ الذيل على طبقات الحنابلة جـ ١ ص ٢٣٦ - ٢٣٧.
(٢) الذيل على طبقات الحنابلة، جـ ١ ص ٢٣٧.
(٣) موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضير بن الحسن بن محمد الجواليقي ولد عام ٤٦٥ هـ وتوفي عام ٥٤٠ الذيل على طبقات الحنابلة، جـ ١ ص ٢٠٤ - ٢٠٦.
(٤) الذيل على طبقات الحنابلة: جـ ١ ص ٢٠٥.
[ ٢٨ ]
به الصلوات الخمس فحينما دخل ما زاد على أن قال: السلام على أمير المؤمنين فقال ابن التلميذ (١) النصراني: -وكان قائما- ما هكذا يسلم على أمير المؤمنين يا شيخ، فلم يلتفت إليه ابن الجواليقي وقال: يا أمير المؤمنين، سلامي هو ما جاءت به السنة النبوية، وروى الحديث (٢)، ثم قال يا أمير المؤمنين، لو حلف حالف أن نصرانيًّا أو يهوديًّا لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه المرضي لما لزمته كفارة، لأن الله ختم على قلوبهم ولن يفك ختم الله إلا الإيمان.
فقال: صدقت وأحسنت، وكأنما ألجم ابن التلميذ بحجر، مع فضله وغزارة أدبه (٣).
_________________
(١) هبة الله بن صاعد بن هبة الله بن إبراهيم بن علي البغدادي النصراني، ولد عام ٤٦٦ هـ وتوفي عام ٥٦٠ هـ شذرات الذهب، جـ ٤ ص ١٩١ معجم المؤلفين، جـ ١٣ ص ١٣٨.
(٢) يظهر أن المراد بالحديث هر الحديث المتفق عليه والذي رواه أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: (خلق الله آدم على صورته ستون ذراعا، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك النفر، وهم نفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فذهب فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، إلى آخر الحديث مشكاة المصابيح، التبريزي، جـ ٣ ص ١٣١٥.
(٣) الذيل على طبقات الحنابلة، جـ ١ ص ٢٠٦ سمط النجوم العوالي، جـ ٣ ص ٣٧٤، ٣٧٥.
[ ٢٩ ]
وقد فرق المستضيئ أموالا عظيمة على المدارس والعلماء (١)، كما قد جعل للشيخ أبي الفتح حلقة بالجامع، ثم بعد مدة أمر ببناء دكة في جامع القصر (٢).
وقد رفع الناصر منزلة العالم علي بن (٣) رشيد بن أحمد بن محمد بن حسينا الحربوي الذي توكل له (٤).
كل هذه أدلة قاطعة على ما يكنه هؤلاء الخلفاء للعلم والعلماء من محبة وتقدير واحترام وتشجيع.
_________________
(١) تاريخ الخلفاء، السيوطي، ص ٧٠٧.
(٢) الذيل على طبقات الحنابلة جـ ١ ص ٣٦٢.
(٣) علي بن رشيد بن أحمد بن محمد بن حسينا الحربوي توفي عام ٦٠٥ هـ الذيل على طبقات الحنابلة جـ ٢ ص ٤٧ - ٤٨.
(٤) الذيل على طبقات الحنابلة جـ ٢ ص ٤٨.
[ ٣٠ ]