فصل:
لا يجوز للمرأة أن تنشئ السفر للحج إلَّا ومعها ذو محرم فإن لم تجد محرمًا يحج معها لم يجب عليها الحج (٢) ويجوز لها أن تسافر مهاجرة بغير محرم (٣).
والفرق بينهما:
ما اتفق البُخَارِيّ ومسلم على صحته وأخرج في الصحاح كلها عن ابن عباس ﵄ أنَّه قال: سمعت رسول الله صلى الله
_________________
(١) الحج لغة القصد، وشرعًا قصد مكة لعمل مخصوص، في زمن مخصوص، (المطلع ١٦٠، المصباح المنير، ١/ ١٤٧، شرح منتهى الإرادات ١/ ٤٧٢).
(٢) المستوعب ١/ ١٦٠ - ١٦١ وبعد أن ذكر أن المحرم للمرأة شرط قال: (وإذا حجت المرأة حجة الفرض بغير محرم أجزأتها مع إثمها وعظم مصيبتها، المحرر ١/ ٢٣٣ وذكر روايتين قدم لزوم المحرم، المغني ٣/ ٢١٣ وذكر عن أَحْمد ثلاث روايات المذهب منها اشترط المحرم والثانية أن المحرم من شرائط لزوم السعي دون الوجوب والثالثة أن المحرم ليس بشرط في الحج الواجب، الشرح الكبير ٢/ ٩٩ وقال مثل ما قال صاحب المغني، المبدع ٣/ ٩٩ - ١٠٠ وقال وعنه لا يشترط في الحج الواجب، الإنصاف ٣/ ٤١٠ - ٤١١ وقال: إن هذا هو المذهب وعنه أن المحرم من شرائط لزوم الأداء) هذا عند الحنابلة وقد وافقهم الحنفية في اشتراط المحرم انظر (بدائع الصنائع ٣/ ١٠٨٩، النتف في الفتاوي ١/ ٢٠٣، المغني ٣/ ٢١٣، الإفصاح ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣) وأما مالك والشافعي فلا يشترطان وجود المحرم انظر (بداية المجتهد ١/ ٢٣٥، المجموع ٧/ ٨٦، المهذب ٧/ ٨٦، المغني ٣/ ٢١٣، بدائع الصنائع ٣/ ١٠٨٩، الإفصاح ١/ ٢٦٢ / ٢٦٣).
(٣) المبدع ٣/ ١٠٠، المغني ٣/ ٢١٤ حيث قال: وأما الأسرة إذا تخلصت من أيدي الكفار فإن سفرها ضرورة لا يقاس عليه حالة الاختيار ولذلك تخرج فيه وحدها ولأنها تدفع ضررًا متيقنًا بتحمل الضرر المتوهم فلا يلزم تحمل ذلك من غير ضرر أصلا، المجموع ٧/ ٨٧ - ٨٨، روضة الطالبين ٣/ ٩، شرح فتح القدير ٢/ ٣٣٠ - ٣٣٢.
[ ٢٨٥ ]
عليه وسلم وهو يخطب وهو يقول: (لا يخلون رجل بامرأة إلَّا ومعها ذو محرم ولا تسافر امرأة إلَّا ومعها ذو محرم) فقال رجل يرسول (١) الله إنِّي اكتتبت في غزوة كذا وانطلقت امرأتي حاجة فقال النَّبِيّ ﷺ (اخرج (٢) معها) (٣).
فمنه دليلان أحدهما نهيه أن تسافر إلَّا ومعها ذو محرم.
والثاني أنَّه أمره بترك الغزو واللحاق بزوجته يحج معها فلولا خوف (٤) ذلك لم يأمره بترك الجهاد لأجله ولأن سفر الحج لم يضطرها إليه الخوف على نفسها فلم يجز لها إنشاؤه بغير محرم كسفر التجارة والفرجة وزيارة الأهل.
وأما سفرها للهجرة فبالإجماع يجوز بغير محرم لأنها تخاف على نفسها ودينها في دار الحرب والنفس والدين لا عوض لهما فلا يجوز تضييعهما بخوف فرع من فروعهما بدليل أنَّه لو أكرهت على الزنا بالقتل من قادر عليه جاز لها المطاوعة (٥) وبدليل أنَّه يجوز لها المهاجرة بغير محرم وإن لم يصحبها امرأة بخلاف سفرها للحج.
_________________
(١) من الأولى أن تكون الكتابة (يَا رسول الله) بعد الياء.
(٢) في العباسية (انطلق فاحجج مع امرأتك) بدلا من اخرج معها وذلك قريب من رواية مسلم.
(٣) البُخَارِيّ ٧/ ٤٨، مسلم ٢/ ٩٧٨، ابن خزيمة ٤/ ١٣٧، شرح السنة ٧/ ١٨، مشكاة المصباح ٢/ ٧٧٣.
(٤) في العباسية (وجوب) بدلا من خوف وهو الأقرب لاستقامة المعنى.
(٥) المحرر ٢/ ١٥٤، شرح منتهى الإرادات ٣/ ٢٤٧.
[ ٢٨٦ ]
فصل:
إذا أرادت المرأة أن تخرج بحجة الإِسلام لم يكن لزوجها منعها (١) وإن أرادت الخروج بحجة نذر فله منعها في إحدى الروايتين (٢).
والفرق بينهما:
أن حجة الإِسلام آكد لأنها وجبت بإيجاب الله تعالى وهو (٣) أحد أركان الإِسلام الخمس ولا يؤدي أداؤها إلى دحض حق الزوج فلم يكن له منعها (منها) (٤) كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان.
وليس كذلك الحجة المنذورة لأنها ليست من أركان الإِسلام ولا وجبت ابتداء بالشرع وإنما وجبت بالنذر فلو لم يكن للزوج منعها منها أدى إلى دحض حقه لأنه (لا) (٥) يمكنها أن تنذر أن تحج كل سنة وأن تعتمر في السنة مرارًا فيفوت حق الزوج بالكلية والذرايع عندنا معتبرة (٦) فلذلك كان له منعها منها.
_________________
(١) المستوعب ١/ ١٩٦، الهداية ١/ ١٠٨، المحرر ١/ ٢٣٤، المغني ٣/ ٢١٦، الإنصاف وقال إن هذا الصحيح من المذهب، والإفصاح ١/ ٢٨٧، الشرح الكبير ٢/ ٨٨، هذا عند الحنابلة وقد وافقهم الحنفية انظر (بدائع الصنائع ٣/ ١٢٠٩، ١٠٩٠). وأما المالكية فقد جاء في قوانين الأحكام الشرعية لابن جزي (المرأة المستطيعة للحج ليس للزوج منعها على القول بالفور وأما على التراخي فقولان، ولو أحرمت بالفرض لم يكن له تحليلها إلَّا أن يضر ذلك به ١٦٠. أما الشافعية فلهم قولان في ذلك الصحيح المشهور منهما أنَّه له منعها انظر (المجموع ٨/ ٣٢٧ - ٣٢٨، روضة الطالبين ٣/ ١٧٩).
(٢) المستوعب ١/ ١٦٧، المحرر ١/ ٢٣٤ وقدم عدم المنع، المغني ٣/ ٢١٦ ولم يذكر إلَّا أنَّه ليس له منعها، الإنصاف ٣/ ٣٩٨، الشرح الكبير ٢/ ٨٨ ولم يقدم واحدة على الأخرى، المجموع ٨/ ٣٣٢.
(٣) في العباسية (وهي) بدلا من (وهو).
(٤) ما بين القوسين في العباسية فقط.
(٥) ما بين القوسين في الظاهرية فقط والأولى حذفها ليستقيم المعنى.
(٦) أعلام الموقعين ٣/ ١٧٥ - ٢٠٥.
[ ٢٨٧ ]
فصل:
إذا أحرم بحجتين أو بعمرتين انعقد إحرامه بأحدهما ولم يلزمه غيرها (١) ولو أحرم بحجة وعمرة صح إحرامه بهما ولزمتاه جميعًا (٢).
والفرق بينهما:
أن الحجتين والعمرتين عبادتان لا يصح المضى فيهما ولا في شيء عن أفعالهما معا بوجه من الوجوه، فلم يصح الإحرام بهما جميعًا كالصلاتين بخلاف الحج والعمرة فإنَّه يصح المضي (فيهما) (٣) في أكثر أفعالهما معا وهو الطواف والسعي والحلق فلهذا صح الإحرام بهما.
فصل:
يجوز إدخال الحج على العمرة وهو أن يحرم بالعمرة وحدها ثم يدخل الحج عليها (٤) قبل الطواف ويصير قارنا (٥).
ولا يجوز إدخال العمرة على الحج بحال نص عليهما (٦).
_________________
(١) هذا عند الحنابلة وبه قال مالك والشافعي انظر (المحرر ١/ ٢٣٦، الهداية ١/ ٩١، المغني ٣/ ٢٥٩، الشرح الكبير ٢/ ١٣٠، الإنصاف ٣/ ٤٥٠، روضة الطالين ٣/ ٥٩). أما أبو حنيفة فقال: إذا أحرم بحجتين معا أو بعمرتين معا لزمتاه جميعا لأنه أحرم بما يقدر عليه في وقتين فيصح إحرامه كما لو أحرم بحجة وعمرة معا انظر (بدائع الصنائع ٣/ ١١٩٤ - ١١٩٥).
(٢) المراد بذلك القرآن أو التمتع.
(٣) ما بين القوسين في الظاهرية فقط.
(٤) في العباسية قدم كلمة (عليها) على (الحج).
(٥) المستوعب ١/ ١٦٧، الهداية لأبي الخطاب ١/ ٩٠، المغني ٣/ ٢٥٨، المجموع ٧/ ١٧١، بدائع الصنائع ٣/ ١١٨٩.
(٦) الهداية لأبي الخطاب ١/ ٩٠، المحرر ١/ ٢٣٥، الاختيارات الفقهية ١١٧ وقال بأنه لم يجز على الصحيح، المغني ٣/ ٢٥٩، الإنصاف ٣/ ٤٣٨ وقال بأن هذا الصحيح من المذهب، وذكر رواية أنَّه يجوز إدخال العمرة على الحج ضرورة، هذا عند الحنابلة. أما الحنفية فقد أجازوا ذلك إلَّا أنَّهم قالوا بكراهته لأنه مخالف للسنة إذ السنة تقديم إحرام العمرة على إحرام الحج. انظر (بدائع الصنائع ٣/ ١١٨٩). وللشافعية قولان مشهوران القديم صحة إدخالها عليه ويصير قارنا والجديد لا يصح انظر (المجموع ٧/ ١٧٣، المهذب ٧/ ١٧٠ - ١٧١ وقد وصف صاحب المجموع عدم صحة إدخال العمرة على الحج بأنه هو الصحيح). أما مالك فقال في من أهل بالحج فأضاف إليه عمرة (لا ينبغي أن يفعل) وقال ابن القاسم حينما سئل عن قول مالك في من أضاف عمرة إلى الحج (بلغني عنه أنَّه قال لا تلزمه) انظر (المدونة ١/ ٣٧٠).
[ ٢٨٨ ]
والفرق بينهما:
ما روي عن (١) عائشة (﵂ (٢) أنها أحرمت بالحج) (٣) فحاضت فدخل عليها رسول الله ﷺ وهي تبكي فقال لها النَّبِيّ ﷺ (مالك) قالت: لا أصلي فقال لها النَّبِيّ ﷺ (أهلي بالحج ومعناه لي بالحج واصنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت ولا تصلي حتَّى تطهري).
_________________
(١) في العباسية (أن) بدلا من عن.
(٢) ما بين القوسين في الظاهرية فقط وجاء في العباسية بدلا من ذلك (أحرمت بالعمرة).
(٣) في الظاهرية جاء أن إحرام عائشة بالحج وفي العباسية بالعمرة وما ورد في العباسية من أن عائشة أحرمت بالعمرة أصوب. انظر في ذلك (البُخَارِيّ ٢/ ١٦٤، مسلم ٢/ ٨٧٠ - ٨٧١، شرح السنة ٧/ ٨٠، حسن الأثر ٢٣٠). وقد ذكر ابن القيم كلامًا شافيا في الاختلاف في إحرام عائشة وذكر أن الصواب إحرامها بعمرة، انظر (زاد المعاد ١/ ١٩٨ - ٢٠٠).
[ ٢٨٩ ]
وفي لفظ آخر (انسكي المناسك كلها غير أن لا تطوفي بالبيت حتَّى تطهري) (١).
فدل على أنَّه يجوز إدخال الحج على العمرة و(أنَّه) (٢) يصير قارنا وروى أن رجلًا سأل عليًّا ﵁ (٣) فقال إنِّي أهللت بالحج فهل أستطيع أن أقرن فقال لا إنما ذلك لو كنت (محرما (٤) بالعمرة) (٥).
فدل على الفرق بينهما ولأن القارن يفعل ما يفعله المفرد على أصلنا (٦) فلا يستفيد بإدخال العمرة على الحج إلَّا ما قد استفاده بالعقد الأول فلا يصح كمن عقد الإجارة (٧) على منفعة مدة فإنَّه لا يجوز أن يعقد عليها إجارة أخرى لتلك المدة (٨) وعكسه إدخال الحج على العمرة لأنه يستفيد
_________________
(١) البُخَارِيّ ١/ ٨٠، ٨٣، ٢/ ١٦٤، ١٦٥، ١٦٦، ١٨٦، ومسلم ٢/ ٨٧٠ - ٨٧١، ٨٧٣ - ٨٧٤، ٨٨١، والتِّرمذيّ ٣/ ٢٧٢، والموطأ ٣٤١، وشرح السنة ٧/ ٨١، ٨٢، ٨٣ ومشكاة المصابيح ٢/ ٧٩١، وإرواء الغليل ١/ ٢٠٦.
(٢) ما بين القوسين في الظاهرية فقط.
(٣) في الأصل - ﵇ -.
(٤) ما بين القوسين في الظاهرية وجاء في العباسية بدلا من ذلك (بعمرة)
(٥) قال البيهقي ﵀ (ولو أهل بالحج ثم أراد أن يدخل عليه عمره فقد قال الشَّافعيّ ﵀ أكثر من لقيت وحفظت عنه يقول ليس ذلك له وقد روى بعض التابعين ولا أدري هل يثبت عن أصحاب النَّبِيّ ﷺ فيه شيء أم لا فإنه قد روى عن علي ﵁ وليس يثبت). ثم ذكر معنى ذلك وفي سنده أبو نصر وقال عنه (وأبو نصر هذا غير معروف) انظر (سنن البيهقي ٤/ ٣٤٨).
(٦) المحرر ١/ ٢٣٥ وذكر رواية أنَّه يلزمه طوافان وسعيان.
(٧) الإجارة لغة المجازاة يقال أجره الله على عمله إذا جازاه عليه وشرعًا عقد على منفعة مباحة معلومة مدة معلومة من عين معينة أو موصوفة في الذمة أو عمل معلوم، انظر (شرح منتهى الإرادات ٢/ ٣٥٠).
(٨) شرح منتهى الإرادات ٢/ ٣٧١.
[ ٢٩٠ ]
بذلك ما لا يستفيده بالعمرة من الوقوف والرمي وغير ذلك ولأن الحج أقوى والعمرة أضعف فكان في قوة الأقوى أن يدفع الضعيف ولا يمكنه من الدخول عليه ولم يكن في قوة الأضعف أن يدفع الأقوى من الدخول عليه.
فصل:
يحرم على المحرم قتل صيد البر (١).
ولا يحرم عليه قتل صيد البحر (٢).
والفرق بينهما:
قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيكُمْ صَيدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٣). فلهذا افترقا.
فصل:
إذا قتل المحرم البراغيث لم يلزمه شيء (٤).
ولو قتل قملة لزمه أن يتصدق بشيء مهما كان على إحدى الروايتين (٥).
_________________
(١) المستوعب ١/ ١٧٠، المحرر ١/ ٢٤١، المغني ٣/ ٣١٠، بدائع الصنائع ٣/ ١٢٥٥، قوانين الأحكام الشرعية ١٥٦.
(٢) المستوعب ١/ ١٧١، المغني ٣/ ٣١٠، ٣١١، ٤٥٤، والإنصاف ٣/ ٤٨٩، وقال الإمام مجد الدين في كتابه المحرر ويباح صيد السمك من الحرم وعنه يحرم، انظر (المحرر ١/ ٢٤٢) بدائع الصنائع ٣/ ١٢٥٤، قوانين الأحكام الشرعية ١٥٦.
(٣) سورة المائدة آية ٩٦.
(٤) المستوعب ١/ ١٧٢، الهداية لأبي الخطاب ١/ ٩٤، المغني ٣/ ٢٦٩.
(٥) المستوعب ١/ ١٧٢، الهداية لأبي الخطاب ١/ ٩٤، المحرر ١/ ٢٣٨ وذكر الروايتين، الإنصاف ٣/ ٤٨٦ وذكر الروايتين وقال إن المذهب لا جزاء عليه، المغني ٣/ ٢٦٩، ٤٥٣ وذكر روايتين إحداهما لا شيء عليه وقال بأن ذلك هو الصحيح لأنه غير مأكول ولا مثل له ولا قيمة، والثانية يتصدق بأي شيء مهما كان هذا عند الحنابلة. أما الحنفية فقالوا لا يقتل القملة لا لأنها صيد بل لما فيها من إزالة التفث لأنه متولد من البدن كالشعر والمحرم منهي عن إزالة التفث من بدنه فإن قتلها تصدق بشيء وكما لو أزال شعره وروى عن أبي حنيفة أنَّه قال: إذا قتل المحرم قملة أو ألقاها أطعم كسره وإن كانتا اثنتين أو ثلاثة أطعم قبضة من الطعام وإن كانت كبيرة أطعم نصف صاع انظر (بدائع الصنائع ٣/ ١٢٥٤) وقال مالك تصدق بحفنة من طعام انظر (الكافي لابن عبد البر ١/ ٣٨٨، المغني ٣/ ٢٦٩) وقال النووي ﵀ في روضة الطالبين (ولو ظهر القمل على بدن المحرم أو ثيابه لم يكره تنحيته ولو قتله لم يلزمه شيء ويكره له أن يفلي رأسه ولحيته فإن فعل وأخرج منها قملة وقتلها تصدق ولو بلقمه نص عليه الشَّافعيّ ﵀ قال الأكثرون هذا التصدق مستحب وقيل واحب لما فيه من إزالة الأذى عن الرأس (٣/ ١٤٦).
[ ٢٩١ ]
والفرق بينهما:
ما روى عن عائشة ﵂ أنها قالت يقتل المحرم الهوام كلها إلَّا القملة فإنَّها منه (١) ولأن البراغيث تتولد من الأرض فهي من هوام الأرض وهوام الأرض يجوز قتلها بغير ضمان كالعقرب (٢).
وأما القملة فإنَّها تتولد من البدن وفي إتلافها ترفه له وإزالة أذى فلزمه الضمان بذلك كما لو حلق الشعر وقلم الأظفار (٣).
_________________
(١) بحثت عن هذا الحديث في كثير من كتب الحديث فلم أجده.
(٢) شرح منتهى الإرادات ٢/ ٢٩.
(٣) المحرر ١/ ٢٣٨.
[ ٢٩٢ ]
فصل:
يحرم على المحرم عقد النكاح كما يحرم عليه الوطئ (١) ولا يحرم عليه شراء الإما (٢).
والفرق بينهما
أن عقد النكاح موضوع للاستمتاع بدليل أنَّه لا يصح على من لا تحل له كأخته من الرضاعة وإذا ثبت أنَّه موضوع للاستمتاع كان من دواعيه ودواعيه محرمة على المحرم كالقبلة واللمس والنظر بشهوة (٣) وكذلك عقد النكاح وأما شرى (٤) الإماء فليس بموضوع للاستمتاع بدليل أنَّه يصح شراء من هي محرمة عليه.
وإذا لم يكن موضوعًا للاستمتاع لم يحرم كشراء المماليك.
_________________
(١) المستوعب ١/ ١٧٢، الهداية لأبي الخطاب ١/ ٩٤ - ٩٥، الروايتين والوجهين ٥١، وذكر بطلان النكاح في حقه رواية واحدة وفي حق غيره كان يكون وكيلا على روايتين. الإنصاف ٣/ ٤١٢، المحرر ١/ ٢٣٨، المغني ٣/ ٢٩٩، مسائل الإمام أَحْمد بن حنبل، رواية ابنه عبد الله ٢٣٥، المجموع ٧/ ٢٩٠، بداية المجتهد ١/ ٢٤٢ وقال أبو حنيفة لا بأس بأن ينكح المحرم أو ينكح بداية المجتهد ١/ ٢٤٢.
(٢) المستوعب ١/ ١٧٢، مسائل الإمام أَحْمد، رواية ابنه عبد الله ٢٣٥، الإنصاف ٣/ ٤٩٤، قوانين الأحكام الشرعية ١٥٧.
(٣) المحرر ١/ ٢٣٧.
(٤) هكذا في المخطوطة وكان من الأولى أن تكتب كما في أول الفصل (شراء).
[ ٢٩٣ ]
فصل:
إذا قتل المحرم صيدًا بعد صيد لزمه الجزاء لكل واحد منهما سواء كان قد أخرج جزاء الأول قبل قتله للثاني أو لم يخرجه (١).
ولو كرر غيره من محظورات الإحرام مثل إن حلق ثم حلق أو وطئ ثم وطئ أو لبس ثم لبس أو تطيب ثم تطيب أجزأه كفارة واحدة ما لم يكفر عن الأولى قبل فعله للثاني (٢).
_________________
(١) المستوعب ١/ ١٧٦ وذكر رواية أنَّه يجزيه كفارة واحدة ما لم يكفر عن الأول، الهداية لأبي الخطاب ١/ ٩٣ - ٩٤ وذكر رواية أنَّه يجب كفارة واحدة، الإنصاف ٣/ ٢٥٦ وقال هذا المذهب وعنه الأصحاب ونقله الجماعة عن أَحْمد وقال وعنه عليه جزاء واحد سواء كفر عن الأولى أو لا. المغني ٣/ ٤٦٧ وذكر عن أَحْمد ثلاث روايات إحداهن أنَّه يجب في كل صيد جزاء وهذا ظاهر المذهب. والثانية لا يجب إلَّا في المرة الأولى. والثالثة إن كفر عن الأولى فعليه كفارة وإلا فلا شيء للثاني. وقد قال الحنفية والمالكية والشافعية بوجوب الجزاء عن كل صيد، انظر (بدائع الصنائع ٣/ ١٢٦٤ - ١٢٦٥، المجموع ٧/ ٣٢٣).
(٢) المستوعب ١/ ١٧٥، وقال القاضي أبو يعلى في كتابه الروايتين والوجهين لا تختلف الرواية أن كل واحد من هذه الأجناس إذا توالا في وقت واحد أن فيه كفارة واحدة وذكر روايتين فيما إذا كان على دفعات انظر ص ٥٠، المغني ٣/ ٤٤٤ وذكر روايتين عند أَحْمد. الرواية الأولى: ما لم يكفر عن الأولى فكفارة واحدة فإن كان كفر ثم أوقع فكفارة ثانية. الرواية الثَّانية: إن كان السبب واحدًا وجبت كفارة واحدة وإن كان السبب مختلفًا مثل إن لبس الغداه للبرد ووقت الظهر للحر لزمه كفارتان، الإفصاح ١/ ٢٨٥ وذكر روايتين أيضًا الإنصاف ٣/ ٥٢٦ وقال وهذا المذهب ثم قال وعنه أن لكل وطء كفارة وإن لم يكفر عن الأولى، وعنه إن تعدد سبب المحظور مثل إن لبس لشدة الحر ثم لبس لشدة البرد ثم للمرض فعليه كفارات وإلا فواحدة هذا عند الحنابلة. أما الحنفية فقالوا لو جامع ثم جامع فإن كان في مجلس لا يجب عليه إلَّا دم واحد استحسانا والقياس أن يجب عليه لكل واحد دم على حده لأن سبب الوجوب قد تكرر فتكرر الواجب إلَّا أنَّهم استحسنوا فما أوجبوا إلَّا دما واحدا؛ لأن أسباب الوجوب اجتمعت في مجلس واحد فيكتفي بكفارة واحدة لأن المجلس الواحد يجمع الأفعال المتفرقة كما يجمع الأقوال المتفرقة، هذا إذا كان في مجلس واحد. وإن كان في مجلسين مختلفين يجب دمان في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمَّد يجب دم واحد إلَّا إذا كان كفر للأول انظر (بدائع الصنائع ٣/ ١٣٠١ - ١٣٠٢). وأما مالك فقال ليس عليه إلَّا هدي واحد انظر (بداية المجتهد ١/ ٢٧١) وأما الشافعية فقالوا: (إن كان في مجلس واحد قبل أن يكفر لزمه كفارة واحدة سواء طال زمنه أو قصر، وإن كفر عن الأول في فعل الثاني لزمه أخرى بلا خلاف، وإن فعل ذلك في مجالس أو مجلسين وتخلله زمن طويل فإن كفر للأول قبل فعل الثاني لزمه الثاني بلا خلاف، وإن فعل الثاني قبل التكفير عن الأول فإن كان السبب واحدًا كمن لبس في المرتين أو المرات للحر فقولان مشهوران الأصح الجديد لا تتداخل فيجب لكل مرة فدية والثانية تتداخل ويكفر فدية عن الجميع. وإن تكرر الفعل لسببين أو أسباب مختلفة بأن لبس بكرة للبرد وعشية للحر فطريقان، =
[ ٢٩٤ ]
والفرق بينهما:
أن الواجب بقتل الصيد جزاء المتلف لا كفارة بدليل قوله تعالى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (١) وبدليل أنَّه لو اشترك جماعة في قتل صيد لم يلزمهم إلَّا جزاء واحد (٢) كما لو قتلوا عبدا ولو كان جزاء الفعل للزم كل واحد جزاء كما لو اشترك جماعة في قتل أدمي خطأ فإنه يلزم كل واحد كفارة (٣) لأنها جزاء الفعل وبدليل أنَّه يضمن ماله مثل بمثله
_________________
(١) = أحدهما تجب فديتان قطعًا ويجعل اختلاف السبب كاختلاف الجنس والثاني وهو المذهب فيه قولان كما لو تجدد السبب، انظر المجموع ٧/ ٣٧٩ - ٣٨٠).
(٢) سورة المائدة آية ٩٥.
(٣) انظر تفصيل ذلك في الفصل الذي بعد هذا صـ ٢٩٧.
(٤) شرح منتهى الإرادات ٣/ ٣٣١.
[ ٢٩٥ ]
من النعم ولا (١) مثل له بقيمته وهذا سبيل ضمان (٢) الأموال وإذا ثبت أنَّه مضمون ضمان المال وجب بكل صيد جزاؤه ولم يتداخل كما لو أتلف صيدًا أو غيره من الأموال على آدمي وإنما يسمى (٣) في القرآن كفارة لأنه مكفر للذنب لا أن حكمه حكم الكفارات في التداخل وأما غير الصيد من محظورات الإحرام فالواجب به جزاء الفعل لا قيمة المتلف بدليل أنَّه لا يعتبر ما زاد على ما يوجب الفدية من اللباس والطيب والحلق فيجب فيجب بحلق جميع الرأس ما يجب بحلق أربع شعرات ويجب بكثير الطيب واللباس ما يجب بقليله وإذا ثبت أنَّه جزاء الفعل فهو كفارة لأن حكمه حكم الكفارات لأن الكفارة لا تختلف في القتل سواء كان المقتول صغيرًا أو كبيرًا (أ) (٤) وشريفا أو عبدا.
والصيد بخلاف ذلك وإذا ثبت أنَّه جزاء الفعل وانه كفارة فما كان منه من جنس واحد تداخل كالحدود والكفارات فإن ما كان منها من جنس (واحد) (٥) يتداخل كذلك ها هنا.
فصل:
إذا اشترك جماعة في قتل صيد لم يلزمهم إلَّا جزاء واحد بينهم إذا كان مالا
_________________
(١) في العباسية (ومالا) بدلا من (ولا) وما في العباسية هو الصحيح.
(٢) في العباسية (لضمان) بزيادة حرف اللام عن الظاهرية.
(٣) في العباسية (سمى) بدلا من (يسمى).
(٤) ما بين القوسين في الظاهرية فقط.
(٥) ما بين القوسين في العباسية فقط.
[ ٢٩٦ ]
وإن كان صومًا لزم كل واحد منهم صوم كامل (١).
والفرق بينهما:
أن الجزاء بالمال بدل فهو كالبدل من سائر الأموال والصوم حق على البدن وفيه معنى العقوبة فكمل كالحد فإنَّه لو قذف جماعة واحدا لزم كل واحد منهم حد كامل (٢).
فصل:
لا يحرم خطبة المحرمة (٣).
ويحرم خطبة المعتدة (٤).
_________________
(١) المستوعب ١/ ١٧٨ وذكر رواية أخرى أن على كل واحد منهم حزاء كاملًا كما ذكر فيما إذا كفروا بالصوم أن على كل منهم صوم كامل، المحرر ١/ ٢٤٠ وذكر رواية أخرى أنَّه يلزمهم جزاءان، المغني ٣/ ٤٦٨ وذكر عن أَحْمد في هذه المسألة ثلاث روايات إحداهن أن الواحب جزاء واحد وهو الصحيح والثانية على كل واحد جزاء والثالثة إن كان صومًا صام كل واحد صومًا تامًّا وإن كان غير ذلك فجزاء واحد، الإنصاف ٣/ ٥٤٧ وذكر الروايتين وقال إن هذا هو المذهب. أما الحنفية فقد فرقوا بين المحرمين والمحلين يقتلونه في الحرم فأوجبوا على كل واحد من المشتركين جزاء إذا كانوا محرمين وعلى المحلين جزاء واحد انظر (بدائع الصنائع ٣/ ١٢٦٧ - ١٢٧٩، النتف في الفتاوي ١/ ٢١٩، وقال المالكية على كل واحد من المشتركين جزاء (بداية المجتهد ١/ ٢٦٢، الكافي لابن عبد البر ١/ ٣٩٣). وأما الشافعية فقالوا بأنه إذا اشترك جماعة فالواجب عليهم جزاء واحد انظر المجموع ٧/ ٤٣٩.
(٢) الكافي لابن قدامة ٤/ ٢٢٨.
(٣) المستوعب ١/ ١٧٢ وقال بكراهية دلك كراهة تنزيه لا كراهة تحريم، المغني ٣/ ٣٠١، الإنصاف ٣/ ٤٩٤، الكافي لابن قدامة ١/ ٤٠٢ وكلاهما قال بالكراهية، المجموع ٧/ ٢٨٤ - ٢٨٥ وقال بالكراهة.
(٤) المستوعب ١/ ٨٧٢ أعلام الموقعين ٣/ ١٨٢ وكذا قالت الحنفية والشافعية انظر (بداع الصنائع ٣/ ١٤١٠، المجموع ٧/ ٢٨٤ - ٢٨٥) وعند المالكية يحرم التصريح بالخطبة ويجوز التعريض وهو القول المفهم للمقصود من غير تنصيص انظر (قوانين الأحكام الشرعية ٢١٧، كفاية الطالب الرباني ٢/ ١١٨).
[ ٢٩٧ ]
والفرق بينهما:
أن المرجع في انقضاء العدة إلى المرأة إذا ادعت من ذلك ممكنا فلا تؤمن أن تخبر بانقضاء عدتها قبل انقضائها حرصا على الزوج ومبادرة إلى الجماع فلذلك حرمت خطبتها في عدتها.
وليس كذلك التحلل من الإحرام فإنَّه ليس المرجع فيه إليها وإنما المرجع فيه إلى زمان معلوم وفعل معلوم يشاهد منها وهو النحر والطواف فإذا طافت يوم النحر فقد حلت من كل شيء لهذا لم تحرم الخطبة في الإحرام.
فصل:
إذا خرج في عينيه شعر يؤلمه فازاله أو نزل شعره فغطى عينيه فقص منه ما نزل على عينيه فلا فدية عليه (١) ولو تأذى بهوام رأسه فحلق شعره فعليه الفدية (٢).
والفرق بينهما:
أن في المسألة الأولى (٣) ألجأه الشعر إلى القطع فهو كما لو صال عليه صيد فقتله (٤)، أو افترش الجراد في طريقه فقتله بالمشي عليه (٥).
وفي المسألة الثَّانية ألجأه إلى حلق الشعر غيره وهو التأذي بالهوام فهو
_________________
(١) المستوعب ١/ ١٦٩، الهداية لأبي الخطاب ١/ ٥٩٣، المحرر ١/ ٢٣٨، المغني ٣/ ٢٨٨، الإنصاف ٣/ ٤٥٩.
(٢) المغني ٣/ ٢٨٨، الإنصاف ٣/ ٤٥٩.
(٣) في العباسة (الأول) بدلا من الأولى.
(٤) المحرر ١/ ٢٤٠ وقال أَيضًا وقيل يضمنه.
(٥) شرح منتهى الإرادات ٢/ ٢٩ حيث قال بضمانه لأنه أتلفه لنفعة نفسه اشبه ما لو اضطر إليه، المغىني ٣/ ٤٥٦. وذكر وجهين الضمان وعدمه.
[ ٢٩٨ ]
كما لو قتل صيدًا للمجاعة فإنَّه يضمنه (١) لأنه ألجأه إليه معنى في نفسه وهو الجوع دون الصيد.
فصل:
إذا حبس الحلال حمامة في الحل فماتت ومات فرخها في الحرم بسبب حبسها ضمن فرخها دونها (٢).
ولو حبس الحلال حمامة في الحرم فماتت ومات فرخها في الحل بسبب حبسها ضمنهما جميعا (٣).
والفرق بينهما:
أن في المسألة الأولى (٤) أتلف الأم في الحل فلم يضمنها كما لو قتلها ولا فرخ لها ويضمن فرخها لأنه تلف في الحرم بسبب من جهته فهو كما لو رمى سهما من الحل إلى الحرم فقتل صيدًا.
وفي المسألة الثَّانية أتلف الأم في الحرم فضمنها لذلك ويضمن الفرخ لأنه تلف بسبب صدر منه في الحرم (فهو) (٥) كما لو رمى سهما من الحرم إلى الحل فقتل صيدًا في الحل فإنَّه يضمنه كذلك ها هنا.
_________________
(١) المحرر ١/ ٢٤٠.
(٢) المغني ٣/ ٣١٢، الإنصاف ٣/ ٥٤٨ - ٥٤٩ وذكر روايتين المذهب منهما الضمان، المجموع ٧/ ٤٤٤.
(٣) المقنع مع الإنصاف ٣/ ٥٤٩ وذكر روايتين أصحهما عدم الضمان حيث قال أو أمسك حمامة في الحرم فهلك فراخها في الحل لم يضمن في أصح الروايتين، المغني ٣/ ٣١٢ - ٣١٣ حيث قال (أو أمسك حمامة في الحرم فهلك فراخها في الحل فلا ضمان عليه وحكى عنه رواية أخرى أنَّه يضمن) المجموع ٧/ ٤٤٤.
(٤) في العباسية (الأول) بدلا من الأولى.
(٥) ما بين القوسين في العباسية فقط.
[ ٢٩٩ ]
فصل:
إذا كان أصل الشجرة في الحرم ولها غصن في الحل فقطعه حلال (١) ضمنه (٢) ولو كان على هذا الغصن صيد فقتله حلال (٣) لم يضمنه في أصح الروايتين (٤).
والفرق بينهما:
أن الغصن معتبر بأصله بدليل أن بقاءه ببقائه وتلفه بتلفه والأصل مضمون لكونه في الحرم فكذلك الغصن.
وأما الطائر الذي على هذا الغصن فليس بمعتبر به بدليل أنه ليس تلفه بتلفه ولا بقاؤه ببقائه وإذا ثبت أنه غير معتبر به وهو يحملته في الحل لم يضمن كما لو كان على أرض الحل وكما لو كان أصل هذه في الحل وبعض أغصانها في الحرم وهذا الصيد على غصن منها في الحل فقتله حلال وأنه (٥) لا ضمان عليه كذلك ها هنا.
_________________
(١) في العباسية (محرم) بدلا من حلال إلا أن الظاهرية أصوب لاستقامة المعنى.
(٢) المستوعب ١/ ١٧٩، الهداية لأبي الخطاب ١/ ٩٨، المحرر ١/ ٢٤٢، المقنع مع الإنصاف ٣/ ٥٥٧، الإنصاف ٣/ ٥٥٧ وقال بلا نزاع، المجموع ٧/ ٤٤٤، المغني ٣/ ٣١٨.
(٣) في العباسية (محرم) بدلا من حلال إلا أن الظاهرية أصوب لاستقامة المعنى.
(٤) الهداية لأبي الخطاب ١/ ٩٨ وذكر الروايتين ولم يذكر أن أحدهما أصح من الأخرى، الإنصاف ٣/ ٥٤٩. وذكر أن أصح الروايتين عدم الضمان، المغني ٣/ ٣١٢، الأحكام السلطانية ١٩٤ ولم يقدم واحدة على الأخرى، المحموع ٧/ ٤٤٤، المهذب ٧/ ٤٤٤، بدائع الصنائع ٣/ ١٢٨٦.
(٥) في العباسية (فإنه) بدلا من (وأنه).
[ ٣٠٠ ]
فصل:
إذا قتل المحرم من (١) الحرم حمامًا مصوتا ضمنه غير مصوت.
ولو أتلف على آدمي حماما مصوتا ضمنه لصاحبه بقيمته مصوتًا (٢).
والفرق بينهما:
أن صيد الحرم يضمن لحق الله تعالى والتعليم لا يتقوم في حق الله تعالى بدليل أنه لو أتلف عبدا كاتبا عالما فإنه لا يضمن إلا كفارة قتل عبد غير كاتب ولا عالم (٣) كذلك ها هنا.
وأما إذا أتلف على آدمي حماما مصوتا فالواجب عليه قيمته مصوتا لأن التعليم يتقوم في حق الآدميين بدليل أنه لو أتلف عاجه عبدا كاتبا أو عالما فإنه يلزمه له (٤) قيمته كاتبا وعالما (٥) وكذلك لو قتل له بازيا معلما لزمته له قيمته معلما كذلك ها هنا.
_________________
(١) في العباسية (في) بدلا من (من).
(٢) يظهر أن مراد المؤلف ضمان الحمام بالقيمة إلا أن الواحب في الحمامه شاه جزاء لحق الله تعالى لا القيمة وهذا قول الحنابلة والشافعية انظر (المغني ٣/ ٤٦٣، الإنصاف ٣/ ٥٣٩ - ٥٤٠، شرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٢، ولم يفرق الجميع بين أنواع الحمام) وانظر للشافعية (المجموع ٧/ ٤٤٠، روضة الطالبين ٣/ ١٥٨). أما الحنفية فقالوا بضمان القيمة انظر (المغني ٣/ ٤٦٣) كما أن لهم روايتين في ضمان قيمتها مصوته انظر (بدائع الصنائع ٣/ ١٢٦٨) وقال مالك ﵀ لم أزل أسمع أن في حمام مكة شاه وحمام الحرم بمنزلة حمام مكة انظر المدونة ٣/ ٣٤٣.
(٣) شرح منتهى الإرادات ٣/ ٣٣١.
(٤) في العباسبة قدم كلمة (قيمته) على كلمة (له) حيث كانت (قيمته له).
(٥) شرح منتهى الإرادات ٣/ ٣٠٩.
[ ٣٠١ ]
فصل:
إذا قبل الشيخ المحرم زوجته لشهوة فلم ينزل أثم ولزمه دم شاه (١) ولو قبل الشيخ الصائم زوجته فلم ينزل لم يلزمه القضاء ولا غيره (٢).
والفرق بينهما:
أن التقبيل للشهوة من دواعي الجماع وذلك حرام على المحرم فإذا فعله لزم دم شاه كالتطيب.
وأما الصوم فلا تحرم فيه دواعي الوطء بدليل أنه لا يحرم فيه عقد النكاح ولا التطيب ولا التقبيل في حق من لا تحرك القبلة شهوته بدليل ما روى أحمد ﵀ في المسند عن عمرو (٣) بن العاص قال كنا عند النبي صلى
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية ابنه عبد الله ٢٠٥، المغني ٣/ ٣٠٥، المجموع ٧/ ٤٢١ وذكر الاتفاق، بدائع الصنائع ٣/ ١٢٥٢.
(٢) الكافي لابن قدامه ١/ ٣٥٤، المغني ٣/ ١٠١.
(٣) عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن لؤى القرشى يكنى أبا عبد الله وأبا محمد أسلم قبل الفتح سنة ثمان وقيل بين الحديبية وخيبر قربه ﷺ وأدناه اتصف بالمعرفة والشجاعة عده الشعبي من دهاة العرب روى عن النبي ﷺ أحاديث وروى عنه أناس كثير منهم ولداه عبد الله ومحمد. ولاه رسول الله غزاة ذات السلاسل وأمده بجيش منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، كما ولاه على عمان فلم يزل عليها حتى قبض رسول الله ﷺ، وعمل لعمر وعثمان ومعاوية، افتتح مصر في عهد عمر فلم يزل عليها في خلافة عمر وأربع سنين من خلافة عثمان، شهد صفين مع معاوية فولاه مصر فلم يزل عليها حتى مات بها سنة ثلاث وأربعين وقيل اثنتين وأربعين وقيل غير ذلك. انظر (الإصابة ٣/ ٢ - ٣، الاستيعاب ٢/ ٥٠٨ - ٥١٥).
[ ٣٠٢ ]
الله عليه وسلم فجاءه شاب وقال يا رسول الله أأقبل وأنا صائم فقال (لا) ثم جاء شيخ فقال يا رسول الله (١) أأقبل وأنا صائم فقال (نعم) فنظر بعضنا إلى بعض فقال رسول الله ﷺ (قد علمت نظر بعضكم إلى البعض إن الشيخ يملك نفسه) (٢).
وروي عن عائشة ﵂ قالت كان رسول لله ﷺ يقبل وهو صائم وكان أملككم لأربه (٣) (٤) وإذا ثبت أنه غير حرام في حق الشيخ لأنه لا يخاف الإنزال فما لم يتصل به الإنزال لا يأثم به ولا يبطل به الصوم كالمضمضة بالماء إذا لم يعبر منه شيء إلى حلقه.
_________________
(١) هكذا كتابة المخطوطة والأولى أن تكون (يا رسول الله) بمد الياء.
(٢) مسند الإمام أحمد ٢/ ١٨٥. البيهقي ٤/ ٢٣١ - ٢٣٢ مجمع الزوائد ٣/ ١٦٦ البيان والتعريف ١/ ٤٤٤ وفي سنده ابن لهيعة قال عنه ابن حجر (صدوق خلط بعد احتراق كتبه) انظر (تقريب التهذيب ١/ ٤٤٤). وقال الهيثمي في هذا الحديث (فيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه كلام) انظر (مجمع الزوائد ٣/ ١٦٦).
(٣) الإربَة والإربُ الحاجة، وفيه لغات: أربٌ واربَة وأَرَب ومأرُبه، وعائشة هنا تعني أنه ﷺ كان أغلبكم لهواه وحاجته أي كان يملك نفسه وهواه، وقال السلمي الإرب الفرج ها هنا، فال وهو غير معروف قال ابن الأثير أكثر المحدثين يروونه بفتح الهمزة والراء يعنون الحاجة، وبعضهم يرويه بكسر الهمزة وسكرن الراء، وله تأويلان: أحدهما أنه الحاجة، والثاني أرادت به العضو، وعنت به من الأعضاء الذكر خاصة. انظر (لسان العرب ١/ ٤٢).
(٤) البخاري ٣/ ٣٧، مسلم ٢/ ٧٧٦ - ٧٧٧، الترمذي ٣/ ٩٨ وقال حديث حسن صحيح. الدارقطني ٢/ ١٨١، ابن ماجة ١/ ٥٣٨، البيهقي ٤/ ٢٣٣، مسند أحمد ٦/ ٤٢. شرح السنة ٦/ ٢٧٥.
[ ٣٠٣ ]
فصل:
إذا أرسل الحلال (١) كلبه على صيد في الحل فطرد (هـ) (٢) الكلب حتى قتله في الحرم فلا ضمان عليه (٣).
ولو رمى سهمه إلى صيد في الحل فدخل السهم إلى الحرم فقتل ذلك الصيد أو غيره من الصيود فِي الحرم لزمه جزاؤه (٤).
والفرق بينهما:
أن الرمي فعل مباشرة بدليل أنه تتصل قوته به فتختلف قوته) باختلاف (٥) قوته).
ولو رمى إنسانًا فمات لزمه القصاص فصار كما لو باشر القتل بيديه.
_________________
(١) في العباسية المحل بدلا من الحلال.
(٢) في العباسية (فطرد) بدون الضمير إلا أن الظاهرية أصوب.
(٣) المستوعب ١/ ١٧٩، الهداية لأبي الخطاب ١/ ٩٨، المحرر ١/ ٢٤١، الإنصاف ٣/ ٥٥١ وذكر وجهين المذهب منهما عدم الضمان، المهذب ٧/ ٤٤٢، بدائع الصنائع ٣/ ١٢٨٣. وقال مالك (لا جزاء عليه إلا أن يكون أرسله بقرب الحرم) انظر (الكافي لابن عبد البر ١/ ٣٩٢، المنتقى ٢/ ٢٥١)
(٤) المستوعب ١/ ١٧٩، الهداية لأبي الخطاب ١/ ٩٨، المغني ٣/ ٣١٣، الإنصاف ٣/ ٥٥٢ وقال (وإن قتل صيدًا غير الذي قصده بأن شطح السهم فدخل الحرم فقتله فالصحيح من المذهب أن حكمه حكم الكلب، وأما إذا رمي صيدًا في الحل فقتله بعينه في الحرم فهذه نادرة الوقوع وظاهر كلام كثير من الأصحاب يضمنه، المهذب ٧/ ٤٤٢، بدائع الصنائع ٣/ ١٢٨٣.
(٥) ما بين القوسين في الظاهرية فقط.
[ ٣٠٤ ]
وليس كذلك إرسال الكلب لأن الكلب له اختيار وفعله ليس بمباشرة من مرسله بدليل أنه لو أرسل كلبا على إنسان فقتله لا يجعل كالقاتل مباشرة ولا يجب عليه بذلك القصاص وإنما هو سبب لم يتعد فيه لأن إرساله في الحل على صيد (في الحل) (١) يجوز وإذا لم يكن متعديًا فيه لم يلزمه به ضمان كما لو حفر بئرًا فإنه إن كان متعديًا في حفرها ضمن ما تلف بها وإن لم يكن متعديا في حفرها لم يضمن (٢).
فصل:
إذا تحلل من عمرته ووطئ ثم أحرم بالحج وأكمله ووطئ ثم ذكر أنه طاف أحد الطوافين بغير طهارة ولم يعلم أي الطوافين هو فإن كان حجته (٣) وعمرته واجبتين لم يجزه واحد منهما وعليه فعلهما (٤).
وإن كان (٥) تطوعًا لم يلزمه قضاؤهما كما يلزمه لو تحقق بطلانهما ذكره القاضي في المجرد (٦).
_________________
(١) ما بين القوسين في العباسية فقط.
(٢) الإنصاف ٦/ ٢٢٥.
(٣) في العباسية (حجة) بدلا من (حجته).
(٤) كشاف القناع ٢/ ٤٨٤ - ٤٨٥، المجموع ٧/ ٢٣٩ - ٢٤٠.
(٥) في العباسية (كانا).
(٦) جاء في الهداية لأبي الخطاب أن من أفسد نفل الحج أو العمره أو فات وقت الحج ففيه روايتان في لزوم القضاء ١/ ٨٦ وذكر ابن مفلح في كتابه المبدع مثل ذلك إلا أنه أطلق الحج والعمرة ولم يصفهما بالتطوع ٣/ ٥٩.
[ ٣٠٥ ]
والفرق بينهما أنه يحتمل أن يكون النسكان صحيحين فيجزيا عما في ذمته ويحتمل أن يكونا باطلين فلا يجزيا عنه والأصل بقاء ما في ذمته فلا يسقط بالشك.
وإن كانا عن تطوع فيحتمل أن يكونا صحيحين فلا يلزمه قضاؤهما ويحتمل أن يكونا باطلين فيلزمه قضاؤهما.
والأصل براءة ذمته من القضاء فلا يجب بالشك وبيان احتمال صحتهما بأن يكون طواف العمرة بطهارة وطواف الحج بغير طهارة فقد صحت العمرة وصحت حجته (إذا) (١) أعاد لأن (٢) طوافه وسعيه معا فعلى هذا يصح (منه) (٣) النسكان وعليه دم التمتع ودم لوطئه في الحج قبل الطواف (٤).
واحتمال بطلانهما بأن يكون طواف العمرة بغير طهارة فلا يعتد به ويكون قد حلق فيها فعليه دم وقد وطئ قبل التحلل منها فأفسدها فعليه دم ثم قد أحرم بالحج على عمرة فاسدة فلم ينعقد إحرامه بالحج وإنما هو ماض في عمرة فاسدة فسقط وقوفه بعرفة وتوابعه من أفعال الحج كلها
_________________
(١) ما بين القوسين في العباسية فقط.
(٢) في العباسية (إلا أن) بدلا من (لأن) ويظهر أن الأقرب لاستقامة المعنى حذفها لتكون العبارة (وصحت حجته إذا أعاد طوافه وسعيه معًا).
(٣) ما بين القوسين في العباسية فقط.
(٤) كشاف القناع ٢/ ٤٨٤ - ٤٨٥.
[ ٣٠٦ ]
ويقع طوافه وسعيه للحج عن العمرة الفاسدة.
ويتحلل منها فعلى هذا قد أفسد العمرة وعليه دم الحلاق فيها ودم لإفسادها وعليه قضاؤها ويبقى الحج كأنه لم يوجد إحرامه به فعلى هذا ما صح له حج ولا عمرة وعليه دمان هما شاتان بكل حال (١) لأنه لا ينفك من وجوبهما عليه لأنه (و) (٢) إن كان طواف العمرة بغير طهارة فعليه دم الحلاق فيها (ودم) (٣) لفسادها وإن كان طواف الحج بغير طهارة فعليه دم التمتع (٤) ودم الوطئ في الحج قبل طوافه فلهذا لزمه شاتان (٥).
فصل:
قد ذكرنا أنه إذا (ذكر أنه) (٦) طاف طواف أحد النسكين ولم يعلم أيهما هو بغير طهارة لا يجزئه شيء منهما عن الفرض وعليه إعادتهما (٧).
ولو فرغ من أحد النسكين ثم شك بعد ذلك هل طاف فيه أم لا أجزأه فرضا كان أو نفلا (٨).
_________________
(١) قوله بكل حال فيه نظر إذ لا يلزم بالحلق في العمرة دم خاصة وإنما عليه واحد من ثلاثة دم أو صيام أو صدقة كما قال تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
(٢) حرف الواو الذي بين القوسين في الظاهرية فقط.
(٣) ما بين القوسين في العباسية فقط.
(٤) في ذلك نظر لأنه يجوز الصيام عند عجزه عن الدم.
(٥) كشاف القناع ٢/ ٤٨٤ - ٤٨٥.
(٦) ما بين القوسين في الظاهرية فقط.
(٧) كشاف القناع ٢/ ٤٨٤ - ٤٨٥، المجموع ٧/ ٢٣٩ - ٢٤٠.
(٨) كشاف القناع ٢/ ٤٨٣ حيث ذكر أن الشك في الصلاة وغيرهما بعد الفراغ لا يضر.
[ ٣٠٧ ]
والفرق بينهما:
أن بالفراغ من النسك قد حكمنا بصحته وتمامه ولا يزول ذلك بالشك ولا يلزمه بالشك شيء كما لو شك بعد الفراغ هل صلى ثلاثًا أو أربعا أوشك بعد الفراغ من الطهارة هل أخل بغسل شيء من أعضاء الوضوء أم لا فإنه لا يلتفت إلى الشك نص عليه لأنه شك بعد الفراغ وبعد الحكم بصحة العبادة في ترك بعضها ولم يقطع على تركه فلم يبطل الحكم بصحتها بالشك.
وليس كذلك إذا ذكر بعد الفراغ من النسكين أنه طاف أحد طوافيهما إلى غير طهارة لأنه قد تيقن قطعًا بطلان أحد الطوافين بكونه على غير طهارة وإنما شك في عينه فلزمه أغلظ الأمرين كما لو تحقق أن عليه صلاة من صلوات يوم لا يعلم عينها فإنه يلزمه أن يصلى جميع صلوات اليوم ليحصل له تأدية فرضه بيقين كذلك ها هنا.
فصل:
إذا حج عن نفسه ثم أراد أن يعتمر عن غيره أو حج عن غيره ثم أراد أن يعتمر عن نفسه لزمه أن يحرم بالعمرة من الميقات فإن أحرم بها من أدنى الحل لزمه دم وكذلك إن اعتمر عن نفسه ثم أراد أن يحج أو يعتمر عن نفسه (١) (أو اعتمر عن غيره ثم أراد أن يحج أو يعتمر عن نفسه) (٢) متى كان النسكان عن اثنين لزمه أن يحرم بالثاني حجا كان أو عمرة من الميقات نص عليه فإن أحرم بالحج من مكة أو بالعمرة من أدنى الحل لزمه
_________________
(١) من الأولى أن تكون (غيره) بدلا من (نفسه).
(٢) ما بين القوسين في العباسية فقط.
[ ٣٠٨ ]
دم ومتى كان النسكان عن واحد مثل إن حج أو اعتمر عن نفسه فإنه يجوز له أن يعتمر بعد ذلك عن نفسه مرارا من أدنى الحل ولا دم عليه وكذلك إن حج أو اعتمر عن غيره فله أن يعتمر عن ذلك الغير مرارا من أدنى الحل ولا دم عليه.
وكذلك إن اعتمر عن غيره فله أن يحرم بالحج عن ذلك الغير من مكة ولا دم عليه كما لو كان الحج والعمرة جميعا عن نفسه (١).
_________________
(١) المستوعب ١/ ١٦٣. مسائل الإمام أحمد، رواية ابنه عبد الله ٢٢٣ وحاء فيها (وإذا اعتمر عن غيره ثم أراد الحج لنفسه خرج إلى الميقات، أو اعتمر عن نفسه وأراد الحج لغيره يخرج إلى الميقات) المغني ٣/ ٢١١ وقال: (إذا أمره بحج فتمتع أو اعتمر لنفسه من الميقات ثم حج نظرت فإن خرج إلى الميقات فأحرم منه حاز ولا شيء عليه نص عليه أحمد وهو مذهب الشافعي وإن أحرم بالحج من مكة فعليه دم لترك ميقاته). الكافي ١/ ٣٨٨ وذكر أن قول القاضي فيمن دخل مكة محرما عن غيره بحج أو عمرة ثم أراد أن يحج عن نفسه أو دخل مكة محرما لنفسه ثم أراد أن يحرم عن غيره بحج أو عمرة أنه يلزمه الإحرام من الميقات فإن لم يفعل فعليه دم لأنه جاوز الميقات مريدا للنسك لنفسه وأحرم دونه فلزمه دم كما لو تجاوزه غير محرم وقال صاحب الكافي ولنا الخبر وإن كان ميقات لمن أتى عليه فكذلك مكة ولأن هذا حصل بمكة حلالا على وجه مباح فكان له الاحرام منها بلا دم كما لو كان الإحرامان لشخص واحد) الإنصاف ٣/ ٤٢٦ - ٤٢٧ وقال: (وعن أحمد المحرم من الميقات عن غيره إذا قضى نسكه ثم أراد أن يحرم عن نفسه واجبا أو نفلا، أو أحرم عن نفسه ثم أراد أن يحرم عن غيره، أو عن إنسان ثم عن آخر يحرم من الميقات وإلا لزمه دم اختاره القاضي وجماعة وقال في الترغيب لا خلاف فيه قال في الفروع كذا قال واختاره المصنف والشارح وغيرهما قال الزركشي وهو المشهور بخلاف ما جزم به القاضي وغيره وروى: هو ظاهر كلام الخرقي والإمام أحمد لكن بعضهم تأوله. الشرح الكبير ٢/ ١٠٦، المبدع ٣/ ١١٠. هذا عند الحنابلة وكذلك قال الشافعية. انظر المجموع (٧/ ١٢٩، ١٨٠) وقد ورد أن أبا حنيفة لم يوجب الدم على من أحرم من الميقات عن نفسه واعتمر لغيره من الحل أو العكس انظر المجموع ٧/ ١٨٠). وجاء في المدونة: قال ابن القاسم في رجل اعتمر عن نفسه ثم حج عن ميت فعليه الهدى) انظر المدونة ١/ ٢٩٤.
[ ٣٠٩ ]
والفرق بينهما:
أن الواجب أن يحرم بالإنساك من مواقيتها المشروعة فمتى أحرم بها دونها لزمه دم فإذا اتفق النسكان عن واحد فالإحرام بالأول من الميقات حجا كان أو عمره يقع له فإذا أحرم بعد ذلك بالحج من مكة وبالعمرة من أدنى الحل فقد فعل المشروع لأن تلك المواقيت المشروعة في حقه لأن ما بعد النسك الأول يكون كالتبع له فلذلك لم يلزمه دم.
فأما إذا كان النسكان عن الاثنين فالإحرام من الميقات بالنسك الأول يحصل لمن ذلك النسك له فلو جوزنا أن يفعل نسكا آخر عن غيره من غير الميقات المشروع في حق هذا الثاني أدى إلى أن يحرم به دون ميقاته وذلك لا يجوز فإذا خالف وفعل لزمه الدم لإحرامه بالنسك دون ميقاته المشروع في حقه.
[ ٣١٠ ]
فصل:
إذا أبهم إحرامه في أشهر الحج بأن نوى إحراما مطلقا ولم يعين حجا ولا عمرة ولا قرانا انعقد إحرامه صحيحا وله صرفه إلى ما شاء من حج أو عمره أو قران (١).
ولو أحرم بصلاة أو صيام مبهما لم يصح حتى يعين ما أحرم به حال إحرامه (٢).
والفرق بينهما:
أن الحج والعمرة ليس من شرط صحة الإحرام بهما التعيين بدليل ما روى عن علي بن أبي طالب وأبي موسى (٣) الأشعري أنهما أحرما باليمن
_________________
(١) المستوعب ١/ ١٦٦، المحرر ١/ ٢٣٦، المغني ٣/ ٢٥٧ وقال بأن هذا المذهب الكافي لابن قدامة ١/ ٣٩٣، الشرح الكبير ٢/ ١٢٩، المبدع ٣/ ١٣٠، كشاف القناع ٢/ ٤١٦ - ٤١٧، الإنصاف ٣/ ٤٤٩ وقال بأن هذا المذهب، المحموع ٧/ ٢٢٦، وهذا كله قبل الشروع في الطواف وأما إذا استمر الإبهام إلى ما بعد الطواف فلا يجوز صرفه إلا إلى العمرة انظر تفصيل ذلك في المغني ٣/ ٢٥٧.
(٢) زاد المستنقع ٣١، ٦٦، ٦٧، الكافي لابن قدامه ١/ ٣٥١ وذكر رواية أخرى في الصوم أنه لا يجب التعيين إلا أنه قال بأن الأولى أصح، المجموع ٧/ ١٤٣.
(٣) هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب هاجر إلى النبي ﷺ مع جعفر زمن فتح خيبر كان عالما عاملا صالحا تاليا لكتاب الله تسمع قراءته ﷺ وقال: (لقد أوتي مزمارا من مزامير أل داود) استعمله ﷺ مع معاذ على اليمن ثم ولى لعمر الكوفة والبصرة توفي سنة أربع وأربعين وقل أكثر وقيل أقل. انظر (الاستيعاب ٤/ ١٧٣ - ١٧٥، تذكرة الحفاظ ١/ ٢٣ - ٢٤).
[ ٣١١ ]
فقالا إهلال كإهلال النبي (١) ﷺ فأقرهما النبي ﷺ على ذلك (٢).
وبدليل أنه يجوز ويستحب للقارن والمفرد اللذان لا هدي معهما أن يفسخا نيتهما لما أحرما به قبل وقوفهما بعرفة وينويا إحرامهما ذلك لعمرة مفردة فإذا فرغا منها وتحللا أحرما بالحج ليصيرا متمتعين ويجوز لمن أحرم بالعمرة مفردة أن يدخل عليهما الحج قبل الطواف فإذا جاز صرف الإحرام المعين لنسك إلى نسك غيره فأولى أن يجوز صرف إحرام مبهم لم يعين لنسك بعينه فلذلك جاز الاحرام مبهما.
وليس كذلك الصلاة والصيام لأن من شرط صحة الإحرام بهما التعيين بدليل أنه لا يصح إلا تعيين النية فإذا عين بالنية شيئًا لم يجز تغييره ولا قلب النية إلى غيره (٣) ولم يرد في ذلك مثل ما ورد في الاحرام فافترقا.
فصل:
إذا أحرم مبهما نظرنا فإن كان في أشهر الحج فله صرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة أو قران والأفضل صرفه إلى التمتع (٤) وإن كان في غير أشهر
_________________
(١) في العباسية (رسول الله) بدلا من النبي.
(٢) البخاري ٢/ ١٦٤ - ١٦٥، مسلم ٢/ ٩١٤، ابن خزيمة ٤/ ١٧١، مسند الإمام الشافعي ١١١ - ١١٢، شرح السنة ٧/ ٦٠، البيهقي ٥/ ٤١.
(٣) في ذلك نظر حيث ورد جواز نقل النية من الفرض إلى النفل لفرض صحيح كمن أحرم بها منفردا فحضرت جماعة فجعلها نفلا ليصلي فرضه في جماعة انظر (المغني ١/ ٤١١).
(٤) المستوعب ١/ ١٦٦، الشرح الكبير ٢/ ١٢٩، المغني ٣/ ٢٥٧، الكافي لابن قدامة ١/ ٣٩٣، المبدع ٣/ ١٣٠، كشاف القناع ٢/ ١١٦، ٤١٦، ٤١٧، الإنصاف ٣/ ٤٤٩، المجموع ٧/ ٢٢٦.
[ ٣١٢ ]
الحج انعقد إحرامه بعمرة (١).
والفرق بينهما:
أن الإحرام بالحج في غير أشهره مكروه فلهذا لم يقع موقعا موقوفًا وانصرف إلى غير المكروه.
ويفارق إذا كان (ذلك) (٢) في أشهر الحج لأنه وقت للإحرام بالحج فلهذا وقع موقوفًا.
الطهارة شرط في صحة الطواف (٣).
وليست (٤) شرط في السعي ولا واجبه بل مستحبة (٥).
_________________
(١) المستوعب ١/ ١٦٦، الشرح الكبير ٢/ ١٢٩، المغني ٣/ ٢٥٧، كشاف القناع ٢/ ٤٠٥، الإنصاف ٣/ ٤٤٩، المبدع ٣/ ١٣٠، المجموع ٧/ ١٤٣.
(٢) ما بين القوسين في الظاهرية فقط.
(٣) المحرر ١/ ٢٤٣، المغني ٣/ ٣٣٩ - ٣٤٠ وذكر أن المشهور عن أحمد اشتراط الطهارة كما ذكر عنه أن الطهارة ليست بشرط، هذا عند الحنابلة وبذلك قال مالك والشافعي انظر (بداية المجتهد ١/ ٣٧، المجموع ٨/ ١٧، المغني ٣/ ٣٣٩ - ٣٤٠). أما الحنفية فقالوا بأن الطهارة عن الحدث والجنابة ليست بشرط لجواز الطواف انظر (بدائع الصنائع ٣/ ١١٠٢).
(٤) يظهر أن الأصح شرطا لا شرط.
(٥) المغني ٣/ ٣٥٤ - ٣٥٥ وذكر أن بعض الأصحاب ذكروا رواية عن أحمد أن الطهارة في السعي كالطهارة في الطواف إلا أنه قال ولا يعول عليه، الإنصاف ٤/ ٢١ حيث قال إن الطهارة منه على الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب ثم قال وقيل هي في السعي كالطواف، المجموع ٨/ ٧٤، ٧٩.
[ ٣١٣ ]
والفرق بينهما:
أن الطواف بالبيت صلاة بدليل قوله ﷺ (الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله تعالى أحل لكم فيه النطق فمن نطق فلا ينطق إلا بخير) (١) وقوله صلاة أي مثل الصلاة كقوله تعالى ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (٢) أي مثل أمهاتهم وإذا كان كذلك وجب أن يكون حكمه حكم الصلاة في جميع أحكامها إلا فيما استثناه وهو إباحة النطق ولأنها عبادة تتعلق بالكعبة تجب لها الطهارة فكانت الطهارة شرطا في صحتها كالصلاة وأما السعي فقد روى أن النبي صلى الله علي قال لعائشة ﵂ لما حاضت (اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت) (٣) ولأنه نسك لا يتعلق بالبيت فلم يشترط له الطهارة كالوقوف.
فصل:
الصبي المميز لا يصح إحرامه بالحج إلا بإذن وليه (٤) وينعقد إحرامه
_________________
(١) الترمذي ٣/ ٢٨٤ وقال: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم)، المستدرك ١/ ٤٥٩ وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقد أوقفه جماعة، الدارمي ١/ ٣٧٤، موارد الظمآن ٢٤٧، البيهقي ٥/ ٨٥، وقد صححه ابن السكن وابن خزيمة وابن حبان، وقال الحافظ الذهبي عنه صحيح وقفه جماعة انظر (تلخيص الحبر ١/ ١٣٨، ٤٥٩، إرواء الغليل ١/ ١٥٤).
(٢) سورة الأحزاب آية ٦.
(٣) انظر إلى التخريج في أول كتاب الحج ص ٢٩٠.
(٤) الهداية لأبي الخطاب ١/ ٨٨، المحرر ١/ ٢٣٤ وذكرا وجها في صحة إحرام المميز بدون إذن وليه، المغني ٣/ ٢٢٧، الإنصاف ٣/ ٣٩٠ ووصفه بأنه الصحيح من المذهب وذكر قولا آخر يصح إحرامه بدون إذن وليه، الكافي لابن قدامه ١/ ٣٨٢ وقال لا يصح من غير إذنه لأنه عقد يؤدي إلى لزوم مال فلم ينعقد بنفسه كالبيع، وقال مالك مثل ذلك انظر (المغني ٣/ ٢٢٧) وللشافعية في إحرام المميز بغير إذن وليه وجهان أحدهما يصح كما يصح إحرامه بالصلاة، والثاني لا يصخ لأنه يفتقر في أدائه إلى المال فلم يصح بغير إذن الولي بخلاف الصلاة، وقد ذكر صاحب المجموع أن أصح الوجهين عدم صحة الإحرام انظر (المجموع ٧/ ٢٢). أما الحنفية فيقولون ليس على الصبي جزاء بارتكاب المحظور لأن إحرامه للتخلق والاعتياد وإنما يمنعه أبوه من ارتكاب المحظورات للتخلق والاعتياد، ولو وجب عليه الجزاء لم يكن للأب عليه ولاية الإلزام فيما يضره أو فيما لا منفعة له فيه عاجلا ولم يكن تصرف الأب في الاحرام واقعا بصفة النظر، (انظر المبسوط ٤/ ٦٩، ١٣٠).
[ ٣١٤ ]
بالصلاة بغير إذنه (١).
والفرق بينهما:
أن الصلاة لا يفتقر إتمامها إلى إنفاق مال فلا يكون بالإحرام بها متصرفا في مال فانعقدت بغير إذن الولي كالصيام بخلاف الحج لأن في انعقاده إنفاق مال فيفضي إلى تصرفه في المال وذلك لا يجوز فلهذا لم ينعقد كالبيع وعقد النكاح.
فصل:
إذا أفسد العبد حجه بالوطء ثم أعتق قبل فوات وقت الوقوف أجزأه قضاؤه من قابل عن حجة الإسلام (٢) ولو كان عتقه بعد فوات وقت الوقوف في الفاسدة لم يجزه قضاؤها من قابل عن حجة الإسلام ويلزمه القضاء وحجة الإسلام (٣).
_________________
(١) المجموع ٧/ ٢٢، المهذب ٧/ ٢١.
(٢) المغني ٣/ ٢٢٧، الإنصاف ٣/ ٣٩٧، ٤٩٨، المجموع ٧/ ٥٣.
(٣) المغني ٣/ ٢٢٧، الإنصاف ٣/ ٣٩٧، المجموع ٧/ ٥٣.
[ ٣١٥ ]
والفرق بينهما:
أنه إذا اعتقه قبل فوات وقت الوقوف كانت هذه الحجة تجزيه عن حجة الإسلام لو سلمت من الفساد فيكون قد أفسد حجة الإسلام لأنه إذا كان عتقه قبل فوات (وقت) (١) الوقوف يمكنه أن يقف فتجزئه عن حجة الإسلام فيصير كأنه أفسد حجة الإسلام فيجزئه (٢) القضاء عن حجة الإسلام وليس كذلك إذا كان عتقه بعد فوات وقت الوقوف في الفاسدة فهذه الفاسدة لو سلمت من الفساد لم تجزه عن حجة الإسلام فيكون القضاء عن غير حجة الإسلام بل عما أحرم به فلا تجزيه عن حجة الإسلام كما لو كانت واجبه عليه بالنذر (٣) ولا يجوز أن يتقدم القضاء على حجة (٤) الإسلام (لأن حجة الإسلام) (٥) وجبت ابتداء بأصل الشرع والقضاء وجب بسبب من جهته فهو كما لو التزمها بالنذر.
قال القاضي في المجرد وكذلك حكم الصبي إذا أفسد حجه (بوطئه) (٦) فيه ثم بلغ إن كان بلوغه قبل فوات وقت الوقوف أجزأه القضاء عن حجة الإسلام.
وإن كان بلوغه بعد فوات وقت الوقوف لم يجزه القضاء عن حجة الإسلام والفرق بينهما ما ذكرناه.
_________________
(١) ما بين القوسين في العباسية فقط.
(٢) في العباسية (فلذلك أجزأه) بدلا من (فتجزئه).
(٣) المغني ٣/ ٢٢٦.
(٤) شرح منتهى الإرادات ٢/ ٣١.
(٥) ما بين القوسين في العباسية فقط وهو الأولى لإتمامه المعنى.
(٦) ما بين القوسين في العباسية فقط.
[ ٣١٦ ]
فصل:
إذا استنيب في حجه عن غيره فبدأ فاعتمر عن نفسه ثم حج عن ذلك الغير ضمن جميع ما أنفق لأنه صرف سفره إلى نسك عن نفسه لا إلى ما أمر به فلهذا ضمن فإذا ثبت ذلك فإن كان المنوب عنه ميتا وقعت الحجة عنه وإن كان حيا وقعت الحجة عن النائب وهو فاعلها دون النوب عنه (١).
_________________
(١) المستوعب ١/ ١٩٩. الشرح الكبير ٢/ ٩٥ وجاء فيه (إذا أمره بحج فتمتع أو اعتمر لنفسه من الميقات ثم حج نظرت فإن خرج إلى الميقات فأحرم منه بالحج جاز ولا شيء عليه نص عليه أحمد وهو مذهب الشافعي، وإن أحرم من مكة فعليه دم لترك ميقاته ويرد من النفقة بقدر ما ترك من أحرام الحج فيما بين الميقات ومكه وقال القاضي لا يقع فعله عن الآمر ويرد جميع النفقة لأنه أتى بغير ما أمر به وهو مذهب أبي حنيفة. ولنا أنه أحرم بالحج من الميقات فقد أتى بالحج صحيحا من ميقاته أشبه ما لو لم يحرم بالعمرة وإن أحرم من مكة فما أخل إلا بما يجبره الدم فلم تسقط نفقته كما لو تجاوز الميقات غير محرم فأحرم دونه، انظر في ذلك كله المغني ٣/ ٢١١. وقال في الإنصاف (ومن أمر بحج فاعتمر لنفسه ثم حج عن غيره فقال القاضي يرد كل النفقة لأنه لم يؤمر به وجزم به في الحاوي الكبير. ونص أحمد واختاره المصنف وغيره: - إن أحرم من ميقات فلا ومن مكة يرد من النفقة ما بينهما) انظر الإنصاف ٣/ ٤٢٢. وقال: أحمد عساف في كتابه الأحكام الفقهية في المذاهب الإسلامية (فلو أمره بالحج فاعتمر أو بالعكس فلا يجوز ولا يجزئ عن الآمر ويجب على المأمور أن يرد إليه ما أخذه وهذا بالنسبة للحي أما الميت فيقع عنه ما فعله النائب حجا كان أو عمره). انظر ص ٣٩٤، ٣٩٥.
[ ٣١٧ ]
والفرق بينهما:
أن الميت إذا أعزى إليه عبادة وقعت عنه سواء كان قد أذن فيها أو لم يأذن لأنه معدوم الإذن عاجز عن اكتساب الثواب فيصير كأنه أهدى إليه ثوابا (١).
وأما الحي فبخلافه (لأنه) (٢) قادر على الاكتساب صحيح الإذن ولم يوجد منه إذن في ذلك وإذنه الأول بطل حكمه لأنه لما صرف النائب سفره إلى نسك عن نفسه لا إلى ما أمر به المنوب عنه صار النائب مخالفا فيما يفعله بعد ذلك فلهذا لم يقع عن المنوب عنه.
فصل:
إذا أتلف صيدا ما خضا (٣) ضمنه. ممثله ما خضا من النعم ولا يخرجه بل يقومه ما خضا ثم يشتري بالقيمة طعاما ويتصدق به على المساكين (٤) ذكره القاضي في المجرد
_________________
(١) في العباسية (ثوابها) بدلا من ثوابا.
(٢) ما بين القوسين في العباسية ففط.
(٣) الماخض الحامل التي دنا وقتها، انظر (المطلع ١٨٢).
(٤) المحرر ١/ ٢٤١ وذكر أنه يضمن الماخض بمثله أو بقيمة المثل في الحرم، الإنصاف ٣/ ٥٤١ وقال إن فدية الماخض بقيمة مثلها أحد الوجهين وذكر قولا لأبي الخطاب أنه تجب فيها مثلها وقال إنه هر المذهب ثم ذكر قولا بأنها تضمن بقيمة مثلها أو بحائل، المغني ٣/ ٤٥٩ وقال إذا قتل ما خضا. فقال القاضي يضمنها بقيمة مثلها، الهداية ١/ ٩٦ وقال بضمان الماخض بمثله فإن لم يكن له مثل ضمنه بقيمة مثله ماخضا، المجموع ٧/ ٤٣٣، روضة الطالبين ٣/ ١٦٠.
[ ٣١٨ ]
ولو تبرع رب المال بإخراج الماخض في الزكاة جاز وكان أفضل من الحايل (١).
والفرق بينهما:
أن المقصود من جزاء الصيد اللحم. والحمل ينقص اللحم ويقلله فالحائل أنفع للفقراء (من الماخض) (٢).
وليس كذلك في الزكاة لأنه ليس المقصود منهما اللحم بل الدر والنسل (وهي أنفس (٣) قيمة) بدليل أنه لا يخرج إلا الأنثى والماخض أقرب إلى الدر والنسل وهي أنفس قيمة من الحايل فكانت أفضل.
فصل:
إذا قتل الذمي (٤) صيدا في الحرم لزمه ضمانه (٥)
ولو أحرم وقتل صيدا (٦) لم يلزمه ضمانه (٧)
والفرق بينهما:
أن صيد الحرم يضمن لأجل حرمة الحرم وحرمة الحرم قائمة في حق الذمي كما هي في حق المسلم فاستويا في ضمان الجزاء كما لو أتلف على آدمي مالا فإنه يضمنه كما يضمنه المسلم لو أتلفه لانهما سواء في ضمانه لأن
_________________
(١) الكافي لابن قدامة ١/ ٢٩٤.
(٢) ما بين القوسين في الظاهرية فقط.
(٣) ما بين القوسين في العباسية فقط.
(٤) أهل الذمة هم اليهود والنصارى، انظر (المطلع ٢٢١).
(٥) المستوعب ١/ ١٧٨، المغني ٣/ ٣١١، الكافي لابن قدامة ١/ ٤٢٤، الإنصاف ٣/ ٥٤٨، المجموع ٧/ ٤٤٦.
(٦) لو قال في الحل لكان حسنا.
(٧) المجموع ٧/ ٤٤٦.
[ ٣١٩ ]
ضمانه لحق مالكه وليس كذلك الصيد في الإحرام لأنه مضمون لأجل حرمة الإحرام ولا يصح الإحرام من الذمي فلم يوجد سبب الضمان في حقه فلذلك لم يضمنه.
فصل:
إذا أحصر (١) المحرم بعدو جاز له التحلل (٢).
وإن أحصر بمرض لم يجز له التحلل إلا أن يكون قد شرط في ابتداء إحرامه أنه إذا مرض تحلل (٣).
_________________
(١) الإحصار مصدر أحصره إذا حبسه، انظر (المطلع ٢٠٤).
(٢) المستوعب ١/ ١٩٦، الهداية لأبي الخطاب ١/ ١٠٧، المحرر ١/ ٢٤٢، الإنصاف ٣/ ٥١٧، المغني ٣/ ٣٢١.
(٣) إذا أحصر بمرض مع عدم الشرط فعند الحنابلة روايتان إحداهما أنه لا يجوز له التحلل وهو المذهب والأخرى له التحلل، انظر (الهداية لأبي الخطاب ١/ ١٠٧، المحرر ١/ ٢٤٢، المغني ٣/ ٣٢٧، الاختيارات الفقهية ١١٩). أما عند الحنفية واختيار علماء المالكية فإن المحصر بمرض لا يجوز له التحلل، انظر (المجموع ٨/ ٣٥٥، أحكام القرآن لابن العربي ١/ ١١٩، المنتقى ٢/ ٢٧٦، بدائع الصنائع ٣/ ١٢٠٦ - ١٢٠٨، النتف في الفتاوى ١/ ٢١٤. أما عند الحنفية المرض يبيح التحلل، انظر (بدائع الصنائع ٣/ ١٢٠٦ - ١٢٠٨، الإفصاح ٢/ ٣٠٠). وأما الإحصار بالمرض مع الشرط فيفيد الشرط التحلل عند الحنابلة والشافعية انظر (المستوعب ١/ ١٩٦ الإفصاح ١/ ٢٩٩). أما مالك فقال وجود الشرط كعدمه ولا يفيد شيئًا، انظر المنتقى ٢/ ٢٧٦، الإفصاح ١/ ٢٩٩). وجاء في تفسير أن جرير الطبر عن مالك ﵀ قال: والأمر عندنا فيمن أحصر بغير عدو، بمرض أو ما أشبهه أن يتداوى بمالا بد منه ويفتدي، انظر تفسير الطبري ٤/ ٢٥.
[ ٣٢٠ ]
والفرق بينهما:
قوله تعالى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١) حكى عن أبي عبيد (٢) وثعلب (٣) أنهما قالا: يقال أحصره العدو وحضره المرض فلإحصار العدو بألف قبل الحاء وحصر المرض بغير ألف.
وروى عن ابن عمر وابن عباس (﵄) (٤) وهو ترجمان القرآن أنهما قالا لا إحصار إلا من عدو (٥) وروي عن ابن عمر وابن عباس وابن الزبير (٦)
_________________
(١) سورة البقرة آية ٩٦.
(٢) أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادي إمام مشهور ثقة فاضل مصنف بارع في علوم كثيرة منها التفسير والقراءات والحديث والفقه واللغة والنحو والتاريخ توفي بمكة سنة أربع وعثمرين ومائتين وقيل ثلاثة وعشرين. انظر (تهذيب الأسماء واللغات، الجزء الثاني من القسم الأول ٢٥٧ - ٢٥٨، تقريب التهذيب ٢/ ١١٧).
(٣) العلامة المحدث شيخ اللغة والعربية أبو العباس أحمد بن يحيى بن يزيد الشيباني مولاهم البغدادي المقدم في الكوفيين كان حجة دينا وصالحا مشهورا بالحفظ له تصانيف كثيرة. ولد سنة مائتين انظر (تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٦٦ - ٦٦٧).
(٤) ما بين القوسين في الظاهرية فقط.
(٥) سنن البيهقي ٥/ ٢١٩، مسند الإمام الشافعي ٣٦٧. وقال ابن حجر حديث ابن عباس لا حصر إلا حصر العدو، الشافعي بإسناده صحيح، انظر تلخيص الحبير ٢/ ٣٠٩.
(٦) عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي قيل إنه أول مولود ولد في الإسلام من المهاجرين إلى المدينة كان ﵀ كثر الصلاة والصيام حدث عن الرسول ﷺ بجملة أحاديث، بويع بالخلافة بعد موت معاوية سنة أربع وقيل خمس وستين، وقتل ﵀ في أيام عبد الملك سنة ثلاث وسبعين. انظر (الإصابة ٢/ ٣٠٩ - ٣١١، الاستيعاب ٢/ ٣٠٠ - ٣٠٣).
[ ٣٢١ ]
ومروان بن الحكم (١) أنهم سئلوا عن رجل صرع ببعض الطريق فقالوا يتداوى مما لا بد له منه ويفتدي فإذا صح اعتمر وتحلل من إحرامه ثم عليه الحج من قابل (٢) فلو أبيح له التحلل بالمرض لم يخف عن هولاء الأعلام من علماء الصحابة (ثم قرائن الآية) (٣) وسببها يدل على أنها واردة في حصر (٤) العدو بدليل أنها نزلت في عام الحديبية (٥) في إحصار
_________________
(١) مروان بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن عم عثمان بن عفان ولد على عهد رسول الله ﷺ سنة ثنتين من الهجرة وقيل يو أحد وقيل يرم الخندق استعمله معاوية على المدينة ومكه والطائف ثم عزله ولما مات معاوية بن يزيد بن معاوية ولم يعهد إلى أحد بايعه بعض الناس بالشام وبايع الضحاك بن قيس الفهري بالشام لعبد الله بن الزبير فالتقيا واقتتلا فقتل الضحاك واستقام الأمر لمروان بالشام ومصر كانت ولايته عشرة أشهر توفي سنة خمس وستين. انظر (تهذيب الأسماء واللغات الجزء الثاني من القسم الأول ص ٨٧ - ٨٨).
(٢) الموطأ ٣٠٢، مسند الإمام الشافعي ١٢٤، البيهقي ٥/ ٢٢٠ ولم يرد ذكر ابن عباس في الجميع.
(٣) ما بين القوسين في العباسية فقط وهو متمم للمعنى.
(٤) لو قال إحصار لكان أولى حسب ما قرره سابقًا ص ٣٢١.
(٥) عام الحديبية هو العام السادس من الهجرة خرج ﷺ في آخره معتمرا لا يريد حربا فتصالح مع قريش أن يرجع هذا العام ويعود من العام القابل فتخرج قريش ويدخلها ﷺ بأصحابه مع سلاح الراكب السيوف والقرب لا يدخلها بغيرها ويقيم بها ثلاث. والحديبية قرية ليست بالكبيرة سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة وهي على نحو مرحلة من مكة. انظر (السيرة النبوية، لابن هشام ٣/ ٧٧٤ - ٧٨٢، مختصر سيرة الرسول لابن عبد الوهاب ١٣١ - ١٣٧، خلاصة السيرة المحمدية، لمحمد رشيد رضا ٥٣، تهذيب الأسماء واللغات، الجزء الأول من القسم الثاني ٨١).
[ ٣٢٢ ]
المشركين لرسول الله ﷺ وصدهم عن الاعتمار (و) (١) بدليل أنه قابل الإحصار بالأمن فقال ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ (إلى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾) (٢) (٣).
ولا يكون الأمن إلا في مقابلة الخوف فأما المرض فيقابل بالشفاء والعافية والبرء (والنقه) (٤) والإبلال ونحو ذلك وبدليل أنه ابتدأ بذكر حكم المرض بعد ذكر الحصار (٥)، فقال تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية) (٦).
ولو كان المراد بالأول المرض لم يستأنف (٧) ذكره ثانيا وكان ترتيب الأحكام عليه أولًا بدليل أنه خاطب الجماعة بالإحصار والذي يحصل به حصر (٨) الجماعة في حالة واحدة هو العدو فأما المرض فيبعد أن يعم الجماعة ولهذا لم يخاطبهم به بلفظ الجمع بل قال فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه.
فثبت أن الآية إنما أريد بها الإحصار بالعدو دون المرض وإن حكم المرض يخالف ذلك لأنه استأنف ذكره لأن المحصور بالعدو إذا صده عن مكة
_________________
(١) ما بين القوسين في العباسية فقط.
(٢) ما بين القوسين في الظاهرية فقط.
(٣) سورة البقرة آية ١٩٦.
(٤) ما بين القوسين في العباسية فقط.
(٥) في العباسية (الإحصار) بدلا من (الحصار).
(٦) البقرة آية ١٩٦.
(٧) لا ينبغي مثل هذا لأن الله أعلم بمراده ولو أعاده بحكم لزمنا التسليم والانقياد.
(٨) لو قال إحصار لكان أنسب حسب ما قرره سابقًا ص ٣٢١.
[ ٣٢٣ ]
يستفيد بالتحلل الإعراض عن جهة مكة والرجوع إلى أهله والخلاص بالكلية لأنه إن قلنا له أقم على ذلك (١) مصابرا للعدو أو أهجم عليه كان في ذلك من الضرر ما لا خفاء به وفي (التحلل و) (٢) الرجوع إلى أهله والتصرف في بقية جهات الدنيا تخلص من ذلك فلهذا جاز له التحلل وليس كذلك المحصور بالمرض لأنه لا يتخلص بتحلله عن الضرر والأذى الذي وقع فيه فلم يجز له التحلل كمن أخطأ الطريق وضل فلم يقدر على الوصول إلى مكة ولا إلى عرفه فإنه لا يجوز له التحلل كذلك هذا وذلك لأن المريض قال استفيد الرجوع إلى أهلي فحركته في رجوعه كحركته في مضيه إلى مكة فيمضي ولا يبطل عمله وإن أراد المقام فسواء عليه كونه محرما أو متحللا لأن مرضه لا يزول بالتحلل ولا يستفيد به فائدة فهو كالضال لما لم يستفد بتحلله فائدة ولا خلاصا مما وقع فيه من الحيرة قيل له كن على إحرامك لا فائدة لك في التحلل فإن قيل المريض يستفيد بالتحلل لبس المخيط والطيب والحلاق قلنا جميع ذلك يباح له لأجل الحاجة بالمرض وأكثر ما فيه لزوم الفدية وذلك لا يبيح له التحلل ألا ترى أن من دعته الحاجة إلى اللبس لحر أو برد وإلى الحلاق لأذى يباح له ذلك وتلزمه الفدية ولا يجوز له التحلل وكذلك من أخطأ الطريق وضل إذا شق عليه العرى وطول الشعر أبحنا له اللبس والحلق وعليه الفدية ولا يباح له التحلل (٣) كذلك ها هنا (٤) والله أعلم.
_________________
(١) في العباسيه (حالك) بدلا من (ذلك).
(٢) ما بين القوسين في الظاهرية فقط.
(٣) انظر فيما سبق (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ١/ ٢٢ - ١٣٢).
(٤) ما بعد ذلك كله من الظاهرية فقط ولا يوجد في العباسية.
[ ٣٢٤ ]
تم ربع العبادات وهو آخر الجزء الأول من كتاب الفروق والحمد لله رب العالمين على سوابغ نعمه وصلواته على خيرته من خلقه سيدنا محمد النبي وآله الطيبين الطاهرين.
ووافق الفراغ منه تسعة عشر شهر الله الشهر المحرم سنة ست وحمسين وثمانمائة من الهجرة النبوية يتلوه في الجزء الثاني كتاب البيوع.
[ ٣٢٥ ]