فصل:
لا يصح شيء من الصيام الواجب إلا بنية من الليل (٢)
_________________
(١) الصيام في اللغة عبارة عن الإمساك قال الله تعالى ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ ويقال صامت الخيل إذا أمسكت عن السير، وصامت الريح إذا أمسكت عن الهبوب. وفي الشرع عبارة عن الإمساك عن أشياء مخصوصة في زمن مخصوص من شخص مخصوص بنية مخصوصة، انظر (المطلع ٢٤٥).
(٢) المستوعب ١/ ١٤٦، الروض المربع ١/ ٤١٩، شرح منتهى الإرادات ١/ ٤٤٥، المقنع ٣/ ١٨، المبدع ٣/ ١٨، المحرر ١/ ٢٢٨، المغني ٣/ ٨٣، الهداية لأبي الخطاب ٨٣/ ١ وذكر رواية أنَّه يجزيه نية واحدة لجميع الشهر، الكافي ١/ ٣٥٠ - ٣٥١ وذكر رواية في احزاء النية لها أول يوم من رمضان لجميعه وذكر أن المذهب النية من الليل لكل يوم لأن كل يوم عبادة منفردة لا يتصل بالآخر ولا يفسد أحدهما بفساد الآخر، الإفصاح ١/ ٢٣٤ وذكر عن أَحْمد روايتين أظهرها أنَّه يفتفر كل ليلة إلى نية هذا عند الحنابلة. وقد وافقهم الحنفية والشافعية في اعتبار النية لكل يوم، انظر (حاشية ابن عابدين ٢/ ٣٧٩، بدائع الصنائع ٢/ ٩٥٥، المجموع ٦/ ٢٨٩، الإفصاح ١/ ٢٣٤). أما المالكية فيقولون بأنه تجزئ نية واحدة لجميع الشهر ما لم يفسخها انظر (الكافي لابن عبد البر ١/ ٣٣٥).
[ ٢٥١ ]
ويصح صوم النفل بنيته من النهار قبل الزوال وبعده (١).
والفرق بينهما:
ما روى أبو داود والدارقطني (في سننهما) (٢) بإسنادهما عن النبي ﷺ أنَّه قال: (من لا يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له) (٣) فهذا عام في كل صوم.
_________________
(١) المستوعب ١/ ١٤٦ وذكر بأن القاضي قال لا يصح ما لم ينو قبل وقت الزوال. الهداية لأبي الخطاب ١/ ٨٣، الروض المربع ١/ ٤٢٠، زاد المستنقع ٦٧، شرح منتهى الإرادات ١/ ٤٤٧، المقنع ٣/ ١٢، المغني ٣/ ٨٨، المحرر ١/ ٢٢٨ وذكر في النية بعد الزوال روايتين، وقال القاضي في المجرد وتبعه ابن عقيل لا تجزئ بعد الزوال، انظر في ذلك المقنع ٣/ ٢١. هذا عند الحنابلة وقد وافقهم الحنفية والشافعية في صحة صيام النفل من النهار قبل الزوال. أما بعد الزوال فلا يصح عندهم، انظر (بدائع الصنائع ٢/ ٩٩٧، المجموع ٦/ ٣٠٢، الإفصاح ١/ ٢٣٤. أما المالكية فيقولون لا يصح إلا بنية من الليل. انظر (قوانين الأحكام الشرعية ١٣٥، المجموع ٦/ ٣٠٢، الإفصاح ١/ ٢٣٤).
(٢) ما بين القوسين في العباسية فقط.
(٣) سنن أبي داود ٢/ ٨٢٣ - ٨٢٤، الدارقطني ٢/ ١٧٢، الترمذي ٣/ ٩٩، النَّسائيّ ٤/ ١٩٦، ابن خزيمة ٣/ ٢١٢، تلخيص الحبير ٢/ ٢٠٠ وقال عنه الدكتور محمَّد مصطفى الأعظمي إسناده صحيح. انظر التعليق على ابن خزيمة ٣/ ٢١٢.
[ ٢٥٢ ]
وأما النفل فإنَّه خرج منه بدليل خصه وهو خبر عائشة ﵂ أن النَّبِيّ ﷺ كان يسأل (هل عندكم شيء) فإذا قلنا لا قال (فإنِّي إذًا صائم) (١).
فخرج النفل بهذا النص من عموم النص الأول وبقي ما عداه على عمومه ومن المعنى أن النفل قصد الشرع تكثيره وسهل طريقه بدليل أنَّه جوز صلاة التطوع على الراحلة (و) (٢) إلى غير جهة القبلة (٣) وجالسا في الحضر (٤) كل ذلك على خلاف الفرض فكذلك هذا (٥).
فصل:
إذا نوى ليلا الصيام ثم فعل ما ينافيه كالأكل والشرب لم تنفسخ بذلك نيته ما لم يفسخها بقلبه (٦)
ولو نوى صيام جيع الشهر وقلنا يصح صيام الشهر بنية
_________________
(١) مسلم ٢/ ٨٠٩، الترمذي ٣/ ١٠٢، ابن ماجة ١/ ٥٤٣، الدارقطني ٢/ ١٧٥، أبو داود ٢/ ٨٢٤.
(٢) ما بين القوسين في الظاهرية فقط.
(٣) المحرر ١/ ٤٩.
(٤) المحرر ١/ ٨٦.
(٥) في العباسية (هذان) بدلا من (هذا).
(٦) المستوعب ١/ ١٤٦، الروض المربع ١/ ٤١٩، شرح منتهى الإرادات ١/ ٤٤٥. الكافي لابن قدامة ١/ ٣٥١، المجموع ٦/ ٢٩١.
[ ٢٥٣ ]
واحدة ثم أفطر في بعض أيامه لعذر أو لغير عذر لم يصح له صيام باقية بتلك النية (١)
والفرق بينهما:
أن أكله وشربه في أثناء الليل لم يغير حكم نيته لأن حكمها صوم النهار وذلك موجود وإذا لم يتغير حكم نيته بقيت على صحتها كما لو لم يأكل بعدها.
وليس كذلك إذا أفطر في بعض أيام الشهر لأن فطره أبطل حكم نيته لأن حكمها صوم جيع أيام الشهر فإذا أفطر بعضها فقد بطل حكم نيته فيما أفطره وإذا بطل حكمها فيه لم يصح صيام ما بعده بنية قد بطل حكمها كما لو فسخ نية الصوم وإنما (لم) (٢) يبطل حكم نيته فيما صامه من الأيام بها قبل فطره لأن صيامها تم وكمل فلم يلحقه البطلان فإن قيل نيته لجميع الشهر كنيات متعددة بعد (٣) أيام الشهر فإذا أبطلت نيته لبعض الأيام بقيت نيته لبقية الأيام فيجب أن يصح كما لو نوى لكل يوم في ليلته نية مفردة.
قلنا هذا لا قائل به لأنه لا يصح أن ينوي صيام يوم من رمضان قبل ليلته بدليل أنَّه لو نوى آخر يوم من شعبان صيام أول (يوم) (٤) من رمضان لم يصح وكذلك لو نوى أول ليلة من رمضان صيام اليوم الثالث
_________________
(١) وهذا قول المالكية ورواية عند الحنابلة. انظر (قوانين الأحكام الشرعية ١٣٦، الكافي لابن عبد البر ١/ ٣٣٥، المستوعب ١/ ١٤٦، الهداية لأبي الخطاب ١/ ٨٣، الإفصاح ١/ ٢٣٤. أما الحنفية والشافعية فهم يقولون باعتبار النية لكل يوم، انظر (حاشية ابن عابدين ٢/ ٣٧٩، بدائع الصنائع ٢/ ٩٩٥، المجموع ٦/ ٢٨٩).
(٢) ما بين القوسين لها العباسية فقط.
(٣) في العباسية (بعدد) بدلا من (بعد).
(٤) ما بين القوسين في العباسية فقط.
[ ٢٥٤ ]
وما بعده أو نوى صيام نصف الشهر أو عشرين يومًا منه لم يصح صيامها بتلك النية وإنما صح صوم (جميع) (١) الشهر بنية واحدة لأنه عبادة واحدة فجعلت النية لصوم (٢) جميعه كالنية لصوم (يوم) (٣) واحد والله أعلم.
فصل:
يقبل في (رؤية) (٤) هلال شهر رمضان قول عدل واحد (٥).
_________________
(١) ما بين القوسين في الظاهرية فقط.
(٢) لو كانت (للصوم) لكان أحسن.
(٣) ما بين القوسين في العباسية فقط.
(٤) ما بين القوسين في الظاهرية فقط.
(٥) المستوعب ١/ ١٤٤ وقال بقبول الواحد سواء كان في السماء عله أو لم يكن وذكر رواية أخرى أنَّه لا بد من عدلين، الروض المربع ١/ ٤١٣ - ٤١٤، شرح منتهى الإرادات ١/ ٤٤٠، مسائل الإمام أَحْمد، رواية ابنه عبد الله ١٧٧، الهداية لأبي الخطاب ١/ ٨٢، المحرر ١/ ٢٢٨، المغني ٣/ ١٤٢ وقال إنه المشهور عن أَحْمد، المبدع ٣/ ٥٨ هذا عند الحنابلة. أما الحنفية فقد فرقوا بين الصحو والغيم فقالوا: إن كانت السماء مصحية فإنَّه لا يثبت إلَّا بشهادة جمع كثير يقع العلم بخبرهم وإن كانت السماء بها علة من غير قبل الإمام شهادة العدل الواحد. انظر (بدائع الصنائع ٢/ ٩٥٨، الإفصاح ١/ ٢٣٥). وأما مالك فلا يقبل إلَّا شهادة عدلين، انظر (الكافي لابن عبد البر ١/ ٣٣٤، قوانين الأحكام الشرعية ١٣٤، بداية المجتهد ١/ ٢٠٩، الإفصاح ١/ ٢٣٥. أما الشافعية فلهم في المسألة قولان أصحهما يثبت بعدل والثاني لا يثبت إلَّا بعدلين، انظر (المجموع ٦/ ٢٧٧، الإفصاح ١/ ٢٣٥، المغني ٣/ ١٤٢).
[ ٢٥٥ ]
ولا يقبل في سائر الشهور إلَّا عدلان (١).
والفرق بينهما:
ما روى عن ابن عباس أنَّه قال أن رسول لله ﷺ كان يأمرنا بالصوم بشهادة الواحد ولا يقبل في الفطر إلَّا اثنين (٢) ولأن الشهادة في غير شهر رمضان شهادة يلحق الشاهد فيها التهمة فكان من شرطها العدد كسائر الشهادات بخلاف الشهادة على هلال شهر رمضان لأنه لا يلحقه فيها التهمة وفرق آخر وهو أن المعنى الذي أوجب قبول قول الواحد في هلال شهر رمضان هو الذي أوجب أن لا يقبل في هلال شوال إلَّا عدلين وهو الاحتياط للعبادة.
فصل: (٣)
وإذا شهد عدلان برؤية هلال شهر رمضان فصام النَّاس ثلاثين يومًا فم يروا هلال شوال لأجل الغيم جاز لهم الفطر ووجب (٤) ولو عدموا
_________________
(١) المستوعب ١/ ١٤٤، الروض المربع ١/ ١٤٤، الهداية لأبي الخطاب ١/ ٨٢، المغني ٣/ ١٤٤، شرح منتهى الإرادات ١/ ٤٤٠ - ٤٤١، المقنع ٣/ ٨، المبدع ٣/ ٨، مسائل الإمام أَحْمد رواية ابنه عبد الله ١٧٧، هذا عند الحنابلة وقد وافقهم الحنفية والمالكية والشافعية. انظر (بداية المجتهد ١/ ٢٠٩، قوانين الأحكام الشرعية ١٣٤، المجموع ٦/ ٢٨٢، الإفصاح ١/ ٢٣٥، الفقه على المذاهب الأربعة ١/ ٥٥٢).
(٢) أبو داود ٢/ ٧٥٤، ابن خزيمة ٣/ ٢٠٨، النَّسائيّ ٤/ ١٣١ - ١٣٢، التِّرْمِذِيّ ٣/ ٦٥.
(٣) هذ الفصل لم أجده في العباسية.
(٤) المستوعب ١/ ١٤٥، الروض المربع ١/ ٤١٤، شرح منتهى الإرادات ١/ ٤٤١، المبدع ٣/ ٩، المجموع ٦/ ٢٧٩.
[ ٢٥٦ ]
الهلال مع الصحو لم يجز لهم الفطر (١).
والفرق بينهما:
أن شهادة العدلين يجب بها الصوم والفطر إذا شهدا برؤية هلال شوال فإذا صاموا ثلاثين يومًا فقد أكملوا العدة بشهادتهما ولم يوجد ما يقدح فيهما فوجب الفطر كما لو شهدا برؤية هلال شوال
_________________
(١) المؤلف هنا ذكر عدم جواز الفطر ولم يشر إلى أن هناك رواية أخرى إلَّا أن كثيرًا من الحنابلة قالوا بالفطر، انظر (الروض المربع ١/ ٤١٤، شرح منتهى الإرادات ١/ ١٤٤ وقال بالفطر حتَّى مع الصحو لأن شهادة العدلين يثبت بها الفطر ابتداء فتبعا لثبوت الصوم أولى ولأنهما أخبرا بالرؤية السابقة عن يقين ومشاهدة فلا يقابلها الأخبار بنفي وعدم لا يقين معه لاحتمال الرؤية بمكان آخر، الهداية ١/ ٨٢ وقد قال إذا صاموا ثلاثين يوما بشهادة اثنين أفطروا وجها واحدا، المبدع ٣/ ٩ وقال وقيل لا مع صحو لأن عدم الهلال يقين فيقدم على الظن وهي الشهادة. وقال ابن قدامة يفطر وجهًا واحدًا إذا صاموا ثلاثين برؤية اثنين ولم يروا هلال شوال، المغني ٣/ ١٤٤ هذا عند الحنابلة. أما الحنفية فقالوا بالفطر ولم يفرقوا بين الغيم أو الصحو انظر (حاشية ابن عابدين ٢/ ٣٩١). وأما المالكية فيقولون لا فطر ويكذب الشاهدان انظر (حاشية الدسوقي ١/ ٥١٠، شرح الدردير ١/ ٥١٠). وأما الشافعية فلهم طريقان الأول الإفطار قولا واحدًا وهو المشهور والثاني لا يفطر انظر (المجموع ٦/ ٢٧٩).
[ ٢٥٧ ]
وليس كذلك إذا عدموا الهلال مع الصحو لأن عدم الهلال مع الصحو يقين والحكم بالشهادة ظن واليقين مقدم على الظن وقد وجد ما يقدح في شهادتهما واتضح أن الذي شهدا به من رؤية هلال شهر رمضان كان خيالًا لا هلالًا لأنه لو كان رؤيته صحيحة لما تصور عدم هلال شوال بعد ثلاثين يومًا لا سيما وهذا يكون هلال تمام فيكون أكبر من الذي شهدا برؤيته لأنه هلال نقصان فعدم رؤية هلال التمام أوضح دليل على بقاء شهر رمضان فلذلك لم يجز الفطر لأن ذلك اليوم من شهر رمضان فلا يجوز فطره كبقية أيامه.
فصل:
إذا طلع الفجر وقد أولج في زوجته فنزع في الحال فعليه القضاء والكفارة (١)
_________________
(١) المستوعب ١/ ١٤٨ وذكر في الكفارة روايتين، الهداية لأبي الخطاب ١/ ٨٤، المغني ٣/ ١١٤ - ١١٥، الروض المربع ١/ ٤٢٩، حاشية العنقري على الروض المربع ١/ ٤٢٩، الإفصاح ١/ ٣٣٧ - ٣٣٨. وقال المجد: (وإن أدركه الفحر مجامعًا فاستدام لزمه أن يقضي ويكفر وإن نزع فكذلك عند القاضي وقيل لا شيء عليه ويتخرج إن قضى لا يكفر) انظر (المحرر ١/ ٢٣٠) هذا عند الحنابلة. أما أبو حنيفة فقال إن نزع في الحال صح صومه ولا شيء عليه وإن استدام فعليه القضاء دون الكفارة انظر (بدائع الصنائع ٢/ ١٠١٠، الإفصاح ١/ ٢٣٧ - ٢٣٨، المغني ٣/ ١١٤ - ١١٠). وكذلك قال الشافعية فيمن نزع في الحال (المجموع ٦/ ٣١١). أما الإمام مالك فلم يثبت على من نزع في الحال كفارة وفي القضاء عنده خلاف (قوانين الأحكام الشرعية ١٣٨).
[ ٢٥٨ ]
ولو حلف لا يلبس قميصًا وهو لابسه فخلعه في الحال أولًا يسكن دارًا وهو فيها فخرج منها في الحال لم يحنث (١).
والفرق بينهما:
أن النزع جماع لأن الجماع إيلاج ونزع بدليل أنَّه يلتذ به كما يلتذ بالإيلاج فكان حكمه حكم الإيلاج وليس كذلك خلع القميص والخروج من الدار لأن ذلك ليس بلبس ولا سكنى ولا فيه معنى ذلك فهذا (٢) لم يحنث، والنزع فيه معنى الجماع فلهذا تعلق به ما يتعلق بالإيلاج.
فصل:
قد بينا أنَّه إذا طلع عليه الفجر وهو مجامع فسد صومه لأن النزع فيه معنى الجماع (٣) فلو قال إن وطئتك فأنت طالق (٤) فأولج فيها طلقت فلو نزع (٥) لم يلزمه مهر ولا حد (٦).
_________________
(١) المغني ٣/ ١١٥، الكافي لابن عبد البر ١/ ٤٥١.
(٢) في العباسية (فلهذا) بدلا من (فهذا).
(٣) انظر الخلاف في ذلك في الفصل السابق صـ ٢٥٨.
(٤) لعل مراده ثلاثًا لأنه إذا لم يكن ثلاثًا فإن كان واحدة أو اثنتين فلا تصور أن يلزمه مهر أو حد لأنه بالوطء تقع الطلقة وبالاستدامة يقع رجعيًّا.
(٥) يستحسن إضافة (في الحال).
(٦) شرح منتهى الإرادات ٣/ ١٩٤.
[ ٢٥٩ ]
والفرق بينهما:
أن فساد الصوم أوسع من وجوب المهر والحد بدليل أنَّه لو وطئ زوجته في نهار رمضان فسد صومه ولا يلزمه حد ولا مهر ولذلك افترقا (١).
فصل:
إذا أكل شاكًّا في طلوع الفجر وبقى على شكه فلا قضاء عليه (٢) وإن أكل شاكا في غروب الشَّمس وبقى على شكه فعليه القضاء (٣)
_________________
(١) ومن الفروق أَيضًا أن الصوم فسد لثبوت الجماع في وقت الصيام وأن المهر والحد لم يلزما لأنه نزع في الحال وللتوضيح فقد قال البهوتي في بيان لزوم المهر أو الحد أو هما أو عدم لزومهما. "ومتى أولج حشفة في زوحة علق طلاقها الثلاث بوطئها وتم وطأه أو لبث وهو مولج لحقه نسبه أي ما ولدته من هذا الوطء ولزمه المهر ولا حد عليه للشبهة، وإن نزع في الحال فلا حد ولا مهر لأنه تارك وإن نزع ثم أولج فإن جهلا التحريم فالمهر والنسب ولا حد وإن علما التحريم فلا مهر ولا نسب وعليهما الحد الخ" شرح منتهى الإرادات ٣/ ١٩٤.
(٢) هذا قول الحنابلة وأصحاب الرأي والشافعية انظر (المستوعب ١/ ١٤٤، الروض المربع ١/ ٤٢٤، شرح منتهى الإرادات ١/ ٤٥٠، المبدع ٣/ ٢٩، الهداية لأبي الخطاب ١/ ٨٣، المغني ٣/ ١٢٣، المهذب ٦/ ٣٠٣). أما الإمام مالك فقال بوجوب القضاء لأن الأصل بقاء الصوم في ذمته فلا يسقط بالشك ولأنه أكل شاكًّا في النهار والليل فلزمه القضاء كما لو أكل شاكًّا في غروب الشَّمس، انظر (الكافي لابن عبد البر ١/ ٣٥١، المهذب ٦/ ٣٠٣).
(٣) الهداية لأبي الخطاب ١/ ٨٣، المغني ٣/ ١٢٤، المقنع ٣/ ٢٩، الروض المربع ١/ ٤٢٤، شرح منتهى الإرادات ١/ ٤٥٠.
[ ٢٦٠ ]
والفرق بينهما:
أن الأصل بقاء الليل فلا يزيله بالشك.
(والأصل بقاء النهار (١) فلا يزيله بالشك) فلهذا افترقا.
فصل:
إذا أكل معتقدًا أن الشَّمس لم تغلب فبان أنها قد غابت (فصومه صحيح) (٢) ولا قضاء عليه (٣).
وإن أكل معتقدًا أن الفجر قد طلع فبان أن أكله كان قبل طلوع الفجر لم يصح صومه (٤) وعليه القضاء (٥).
والفرق بينهما:
أنَّه إذا أكل بعد غروب الشَّمس معتقدا أنها لم تغرب فقد قصد إبطال الصوم بعد تمامه وكماله لأن بغروب الشَّمس قد انتهى صومه وتم
_________________
(١) ما بين القوسين في العباسية فقط وبه يكون تعرض لفرعي الفصل والفرق بينهما.
(٢) ما بين القوسين في الظاهرية فقط وفي العباسية أبدل الواو في (ولا) بفاء لتكون (فلا).
(٣) المستوعب ١/ ١٤٤، المبدع ٣/ ٢٩.
(٤) لو أضاف (ما لم يجدد نية الصوم قبل طلوع الفجر) لكان أولى.
(٥) المستوعب ١/ ١٤٤ حيث قال (وإن أكل معتقدًا أن الفجر قد طلع فبان أن أكله قبل طلوعه ثم أصبح قبل أن يجدد نية الصوم لم يصح صومه إن كان فرضًا)، الروض المربع ١/ ٤٢٥، المبدع ٣/ ٢٩ وقال بأنه يقضي إذا لم يجدد نية صومه الواجب. شرح منتهى الإرادات ١/ ٤٥٠ وقال (أو أكل في وقت يعتقده نهارًا فبان ليلا فلم يجدد نية لصوم واجب قضاه لانقطاع النية).
[ ٢٦١ ]
بدليل قول النَّبِيّ ﷺ (إذا غربت الشَّمس أفطر الصائم أكل أم لم يأكل) (١) وإذا انتهى صومه وكمل لم يلحقه الفساد بأكله ولا باعتقاده أنَّه يأكل فيه فلم يبطل كما لو نوى إبطال الصوم أو الصلاة بعد خروجه منهما وبعد كمالهما.
وأما إذا (كان) (٢) معتقدا أن الفجر قد طلع فقد قصد الإفطار بالنهار فزالت نية الصوم باعتقاده (و) (٣) إبطاله فلا يصح صومه بعد ذلك لعدم النية من الليل لأنه لم يجدد النية قبل طلوع الفجر وهذا في الصيام الواجب فأما النفل فإنَّه يصح مع (٤) نية الفطر فإن (٥) نوى الصيام في النهار صح صومه للحديث المنقول في ذلك وقد سبق (ذكره) (٦).
فصل:
إذا نوى الصائم الإفطار ثم بدا له فلم يفطر وعاد نوى إتمام صومه لم يصح صومه إن كان فرضًا (٧).
وإن كان نفلا صح (٨).
_________________
(١) البُخَارِيّ ٣/ ٤٤ - ٤٥، مسلم ٢/ ٨٧٢ - ٨٧٣، أبو داود ٢/ ٧٦٢ - ٧٦٣، شرح السنة ٦/ ٢٥٨ - ٢٥٩، التِّرْمِذِيّ ٣/ ٧٢، وكلها بدون (أكل أم لم يأكل) ومع اختلاف يسير في اللفظ واتفاق بالمعنى.
(٢) ما بين القوسين في الظاهرية فقط وقد استبدلت بالعباسية بكلمة (أكل).
(٣) ما بين القوسين وهو حرف الراو في الظاهرية فقط.
(٤) في العباسية (لو أصبح بنية) بدلا من يصح مع نية).
(٥) في العباسية (ثم) بدلا من (فإن).
(٦) ما بين القوسين في العباسية فقط وهذا الحديث سبق ذكره صـ ٢٥٣.
(٧) المحرر ١/ ٢٢٨.
(٨) المحرر ١/ ٢٢٨.
[ ٢٦٢ ]
والفرق بينهما:
أن صوم الفرض يشترط لصحته النية (١) في جميع النهار على ما سبق بيانه فإذا نوى الإفطار في بعض النهار فقد عرى ذلك الزمان عن النية فبطل الصوم لعدم شرطه وهو النية.
فأما صوم النفل فلا يشترط لصحته النية في جميع النهار بدليل أنَّه إذا أصبح بنية الفطر ثم نوى الصيام صح صومه يدل عليه أن النَّبِيّ ﷺ كان يقول هل عندكم شيء يعني طعامًا (٢) يأكله فإذا قالوا لا قال (فإنِّي إذًا صائم) (٣) فدل على أنَّه قد (٤) كان نوى الإفطار وإذا ثبت هذا فلم يوجد منه إلَّا نية الإفطار وقد أبطلها بنية الصيام بعدها في وقت يصح الصوم بابتداء النية (فيه) (٥) فصح كما لو أصبح بنية الإفطار ثم نوى صوم التطوع.
فصل:
من دخل في صوم التطوع أو صلاة التطوع لم يلزمه إتمامها بل يستحب له ولو خرج منها لم يلزمه القضاء (٦).
_________________
(١) يستحسن إضافة (من الليل واستمرارها).
(٢) جملة (يعني طعامًا يأكله) ليست من الحديث.
(٣) مسلم ٢/ ٨٠٩، الترمذي ٣/ ١٠٢، ابن ماجه ١/ ٥٤٣، الدارقطني ٢/ ١٧٥، أبو داود ٢/ ٨٢٤ وبعضها ليس فيه (إذا).
(٤) في العباسية أخر كلمة (قد) بعد كلمة (كان).
(٥) ما بين القوسين في العباسية فقط.
(٦) المستوعب ١/ ٦٤، ١٥٤، الهداية لأبي الخطاب ١/ ٨٦، المحرر ١/ ٢٣١، المغني ٣/ ١٣٧، شرح منتهى الإرادات ١/ ٤٦١، المقنع ٣/ ٥٧، الروض المربع ١/ ٤٤٢، الإفصاح ١/ ٢٤٩، هذا عند الحنابلة وقد وافقهم الشافعية في عدم لزوم القضاء انظر (المجموع ٦/ ٣٩٣، الإفصاح ١/ ٢٤٩، المغني ٣/ ١٣٧. أما الحنفية فقالوا من شرع في صوم أو صلاة نفلا لم يجز له الخروج منه فإن أفسده فعليه القضاء انظر (بدائع الصنائع ٢/ ٩٧٨، ١٠٣٤ - ١٠٣٥، الإفصاح ١/ ٢٤٩، المغني ٣/ ١٣٧، المجموع ٦/ ٣٩٤). =
[ ٢٦٣ ]
ومن دخل في حج التطوع أو عمرة التطوع لزمه إتمامهما فإن أفسدهما أو فات وقت الحج لزمه القضاء في أصح الروايتين (١).
والفرق بينهما:
من حيث النص والمعنى:
أما النص فما رواه البُخَارِيّ (٢) في صحيحه عن جويرية (٣) بنت الحارث
_________________
(١) = أما المالكية فقالوا مثل الحنفية إلَّا أنَّهم اعتبروا العذر في الصيام فقالوا إن أفطر لعذر فلا قضاء عليه وإن كان لغير عذر وجب عليه القضاء انظر (الإفصاح ١/ ٢٤٩، المغني ٣/ ١٣٧، المجموع ٦/ ٣٩٤).
(٢) المستوعب ١/ ١٥٤، ١٩٤، الهداية لأبي الخطاب ٨٦/ ١ وقد ذكر الروايتين، المبدع ٣/ ٥٨ - ٥٩ وذكر الروايتين وقدم لزوم القضاء، المغني ٣/ ١٣٨، الروض المربع ١/ ٤٤١ - ٤٤٢، شرح منتهى الإرادات ١/ ٤٦١.
(٣) مُحَمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي أبو عبد الله البُخَارِيّ شيخ الإِسلام وإمام الحفاظ صاحب الصحيح والتصانيف كان رأسا في الذكاء رأسا في العلم رأسا في الورع والعبادة، حدث عنه خلق كثر وسمع من علماء كثيرين في بغداد والبصرة والكوفة والشام وغيرها وكتب عن أكثر من الف رجل وقال أحفظ مائة أَلْف حديث صحيح وأحفظ مائتي أَلْف حديث غير صحيح توفي سنة ست وخمسين ومائتين انظر (تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٥٥ - ٥٥٦، تقريب التهذيب ٢/ ١٤٤، الفهرست لابن النديم ٣٢١ - ٣٢٢).
(٤) في الظاهرية كتب تحت كلمة (جويرية) كلمة (زوحته) والظاهر أنها من الناسخ، وهي جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن عائذ بن مالك من بني المصطلق كان اسمها بره فغيرها ﷺ سباها ﷺ في غزوة بني المصطلق وتزوجها فعرف النَّاس ذلك فقالوا أصهار رسول الله فردوا ما في أيديهم من سبايا بني المصطلق قالت عائشة ما نعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها حفظت عنه ﷺ وروت عنه. توفيت سنة خمسين وقيل سنة ست وخمسين من الهجرة انظر (الاستيعاب ٤/ ٢٥٨ - ٢٦١، الإصابة ٤/ ٢٦٧ - ٢٦٨، تقريب التهذيب ٢/ ٧٩٣، الرياض المستطابه ٣١٤).
[ ٢٦٤ ]
أن النبي ﷺ دخل عليها يوم جمعة وهي صائمة فقال لها (أصمت أمس) قالت لا قال (أتريدين أن (١) تصومين (٢) غدًا) قالت لا (قال) (٣) (فافطري) (٤).
وهذا (٥) نص فإنَّه لو كان بالشروع قد لزمها الصوم وإتمامه لحرم عليها خروجها منه فكيف يأمر به.
وروى مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ أنها قالت كان رسول الله ﷺ يأتيني فيقول «أ) (٦) عندك غدا) فأقول لا فيقول (إنِّي صائم) (قالت) (٧) فأتاني يومًا فقلت يرسول (٨) الله إنه قد أهديت لنا هدية فقال (ما هي) قلت حيس (٩) فقال «أما) (١٠) إنِّي قد أصبحت صائمًا)
_________________
(١) في العباسية (أفتصومين غدًا) بدلا من (أتريدين أن تصومين غدًا) إلَّا أن الظاهرية أقرب إلى موافقة النص.
(٢) الصحيح (أن تصومي) بحذف النون بدلا من إثباتها.
(٣) ما بين القوسين في العباسية فقط وهو الموافق لنص الحديث.
(٤) البُخَارِيّ ٣/ ٥٢، سنن أبي داود ٢/ ٨٠٦، شرح السنة ٦/ ٣٥٩ وقال هذا حديث صحيح، موارد الظمأن ٢٣٨.
(٥) في العباسية (وهو) بدلا من (وهذا).
(٦) ما بين القوسين وهو حرف الهمزة في الظاهرية فقط.
(٧) ما بين القوسين في العباسية فقط.
(٨) من الأولى أن تكون كتابتها بعد الياء (يَا رسول الله).
(٩) الحيس تمر ينزع نواه ويدق مع أقط ويعجنا بالسمن ثم يدلك باليد حتَّى يبقى كالثريد انظر (المصباح المنير ١/ ١٩١ - ١٩٢).
(١٠) ما بين القوسين في العباسية فقط.
[ ٢٦٥ ]
قالت ثم أكل.
وفي لفظ:
«قال) (١) هاتيه فأكل ثم قال إنِّي كنت قد أصبحت صائمًا) (٢).
وهو نص في جواز الخروج من التطوع وقد رواه أبو داود في سننه (٣) أَيضًا وروى أَحْمد وأبو داود رحمهما الله بإسنادهما عن أم هانئ (٤) أنها قالت لما كان يوم فتح مكة جاءت فاطمة (٥) فقعدت عن يسار النَّبِيّ صلى الله
_________________
(١) ما بين القوسين في الظاهرية فقط.
(٢) مسلم ٢/ ٨٠٨ - ٨٠٩، سنن الترمذي ٣/ ١٠٢ وقال هذا حديث حسن، صحح ابن خزيمة ٣/ ٣٠٨، الدارقطني ٢/ ١٧٦ - ١٧٧ وقال هذا إسناد صحيح، النَّسائيّ ٤/ ١٩٣ - ١٩٦، أبو داود ٢/ ٨٢٤ - ٨٢٥، البيهقي ٤/ ٢٧٥.
(٣) انظر (سنن أبي داود ٢/ ٨٢٤ - ٨٢٥).
(٤) في الظاهرية تحت لفظة أم هانئ دون ما يلي (اسمها فاختة وهو أخت على ابن أبي طالب) والظاهر أن هذا التوضيح من الناسخ. وأم هانئ هي بنت أبي طالب بن عبد المطَّلب بن هاشم الهاشمية ابنة عم النبي ﷺ قيل إن اسمها فاختة وقيل فاطمة وقيل هند زوجها أبوها هبيرة بن أبي وهب فلما فتحت مكة أسلمت وهرب زوحها روت عن النبي ﷺ أحاديث في الكتب الستة وغيرها روى عنها أناس كثير عاشت بعد على وقيل إنها ماتت في خلافة معاوية، انظر الإصابة ٤/ ٥٠٣، الاستيعاب ٤/ ٥٠٣ - ٥٠٤، تقريب التهذيب ٢/ ٦٢٥، الرياض المستطابه ٣٢٥).
(٥) هي فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ سيدة نساء العالمين قال ﷺ (خير نساء العالمين أربع مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد) زوجة علي بن أبي طالب وأم الحسن والحسين ماتت سنة إحدى عشرة من الهجرة، انظر) الإصابة ٤/ ٣٧٧ - ٣٨٠، الاستيعاب ٤/ ٣٧٣ - ٣٨١، تقريب التهذيب ٢/ ٦٠٩).
[ ٢٦٦ ]
عليه وسلم وجاءت أم هانئ فقعدت عن يمينه وجاءت الوليدة بإناء فيه شراب فشرب منه ثم ناوله أم هانئ فشربت منه ثم قالت يَا رسول الله لقد أفطرت كنت صائمة فقال لها (أكنت تقضين شيئًا) قالت لا قال (فلا يضرك إن كان تطوعًا) (١).
وفي لفظ آخر رواه أَحْمد ﵀ أنَّه قال لها (الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر) (٢).
وفي لفظ آخر كنت صائمة فكرهت أن أرد سؤرك فقال (إن كان قضاء من شهر رمضان فاقض يومًا مكانه وإن كان تطوعًا فإن شئت فاقضي وإن شئت فلا (٣) تقضي) (٤).
ونقله الدارقطني (٥) بهذا اللفظ وهو نص فإن طعن علي هذا الحديث
_________________
(١) أبو داود ٢/ ٨٢٥ - ٨٢٦، الدَّارميّ ٢/ ١٦، ومسند أَحْمد ١/ ٣٤٢ مع اختلاف يسير، التِّرْمِذِيّ ٣/ ١٠٠ - ١٠١ وقال في إسناده مقال والعمل عليه عند بعض أهل العلم. الدارقطني ٢/ ١٧٤ وقال صاحب التعليق المغني (فيه خالد بن يوسف السمتي البَصْرِيّ ضعيف الحديث انظر (الدارقطني ٢/ ١٧٥).
(٢) الدارقطني ٢/ ١٧٥، وقال صاحب التعليق المغني على الدارقطني عن هذا الحديث (في سنده ولفظه اختلاف) الدارقطني ٢/ ١٧٥ نصب الراية ٢/ ٤٦٩ وقال في سنده اختلاف وفي لفظه اختلاف مسند أَحْمد ٦/ ٣٤٠.
(٣) في العباسية (لا) بدلا من (فلا).
(٤) الدارقطني ٢/ ١٧٤ - ١٧٥، مسند أَحْمد ٦/ ٣٤٤. البيهقي ٤/ ٢٧٨ وقال ابن التركماني هذا الحديث اضطرب متنا وسندا وبين اضطرابه في متنه وسنده (الجوهر النقي مع البيهقي ٤/ ٢٧٨).
(٥) الدارقطني ٢/ ١٧٤ - ١٧٥.
[ ٢٦٧ ]
بأن فتح مكة كان في شهر رمضان فكيف تكون صائمة قضا أو تطوعًا.
فالجواب أن النبي ﷺ أقام بمكة ثمانية عشر يومًا حتَّى دخل شوال وكان جميع تلك الأيام تسمى أيام الفتح وكان (في) (١) بعض أيام شوال فكيف يطعن فيه وقد رواه الأئمة المذكورون ولم يقدح أحد في إسناده (٢).
وأما الحج والعمرة فأمر الله ﷿ (٣) بإتمامهما بقوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٤) ولم يفرق بين الفرض والنفل والأمر يقتضي الوجوب وقال النَّبِيّ ﷺ (من كسر أو عرج فقد حل وليحج من قابل) (٥) ولم يفرق أَيضًا ولو كان الحكم يختلف لبينه لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وأما من حيث المعنى فإن الصوم والصلاة يخرج منهما بالفساد فلا يلزمه
_________________
(١) ما بين القوسين وهو حرف (في) في العباسية فقط.
(٢) انظر ما قاله ابن التركماني في كتابه الجوهر النقي مع البيهقي ٤/ ٢٧٨ حيث أوضح اضطراب سنده.
(٣) في العباسية (تعالى) بدلا من (﷿).
(٤) سورة البقرة آية ١٩٦.
(٥) المستدرك ١/ ٤٨٣ وقال هذا حديث صحيح على شرط البُخَارِيّ ولم يخرجاه، تلخيص المستدرك ١/ ٤٨٣، التِّرْمِذِيّ ٣/ ٢٦٨ وقال هذا حدث حسن صحيح، أبو داود ٢/ ٣٣ - ٤٣٤، النَّسائيّ ٥/ ١٩٨ - ١٩٩، ابن ماجة ٢/ ١٠٢٨، البيهقي ٥/ ٢٢٠، شرح السنة ٧/ ٢٨٨.
[ ٢٦٨ ]
إتمام نفلهما بالشروع فيهما ولا قضاء فيهما (١) بالخروج منهما كالاعتكاف وكما لو دخل في صوم يظنه عليه ثم بان (له) (٢) أنَّه ليس عليه، وكالطهارة.
وتحقيق هذا الكلام أن الملتزم لهذه العبادة متطوع قبل الشروع ولم يتجدد إلا الشروع وهو عبارة عن ملابسة الشيء على ما هو عليه وهذا لا يوجب تغيير وصفه وهذه قاعدة الشرع يوضح هذا أن المتطوع قبل الشروع مخير في جميع أجزاء المتطوع به فبعد الشروع لا يصير (مجبرًا على بعض (٣) أجزائه لأنه يصير) مجبرا على فعل التبرع وذلك لا يجوز كمن أخرج درهمين ليتصدق بهما فتصدق بأحدهما وامتنع من التصدق بالآخر لا يلزمه شيء (٤).
وكذلك من نوى أن يصلي أربع ركعات وشرع فيهما فصلى ركعتين ثم سلم لم يلزمه فعل الركعتين الأخريين ولو لزمه بالشروع لم يجز تغييرها كما في النذر وإذا ثبت أنَّه لا يجب عليه الإتمام لم يلزمه القضاء. وأما إذا شرع في حج تطوع أو عمرة تطوع فإنَّه كان مخيرًا فيه قبل الشروع ثم إذا دخل فيه لا يلزمه بالمباشرة فعل ما لم يباشره وإنما يلزمه فعل ما يخرج به من الإحرام فإن الإحرام لا ينعقد في الشرع إلَّا لازما وباب الخروج لا يحصل إلَّا بالتحلل المشروع من الطواف والحلاق حتَّى لو أفسده لم يخرج منه بالفساد بخلاف الصوم والصلاة فإنَّه يخرج منهما بالفساد، وكذلك يخرج بكل ما ينافيه وأما قضاء الحج والعمرة فإن قلنا يجب فلأن الشرع خصهما
_________________
(١) في العباسية (قضاؤهما) بدلا من (قضاء فيهما).
(٢) ما بين القوسين في العباسية فقط.
(٣) ما بين القوسين في العباسية فقط.
(٤) الإنصاف ٣/ ٢٥٣.
[ ٢٦٩ ]
عن بقية العبادات بأحكام لم يشرعها في غيرهما بدليل أن نفل الحج كفرضه في جيع اللوازم والكفارات.
وبدليل أنَّه لا يخرج منه بالفساد وبدليل أنَّه لو شرع في حج يظن أنَّه عليه ثم بأن أنَّه ليس عليه لزمه المضي فيه بخلاف سائر العبادات فلذلك افترقا في وجوب القضاء.
فصل:
الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفًا على أنفسهما فعليهما القضاء بلا كفارة (١) وإن أفطرتا خوفًا على ولديهما جاز وعليهما مع القضاء كفارة وهي أن يطعما عن كل يوم مسكينًا (٢).
_________________
(١) الهداية لأبي الخطاب ١/ ٨٢، المحرر ١/ ٢٢٨، المغى ٣/ ١٢٦، المقنع ٣/ ١٦، المبدع ٣/ ١٦، الروض المربع ١/ ٤١٧، شرح منتهى الإرادات ١/ ٤٤٤.
(٢) المستوعب ١/ ١٤٣ وقال بأن لا فدية عليهما، الهداية لأبي الخطاب ١/ ٨٢ - ٨٣، المحرر ١/ ٢٢٨، المغني ٣/ ١٢٦، المبدع ٣/ ١٦، هذا عند الحنابلة. أما الحنفية فيقولون بالقضاء ولا فدية، انظر (بدائع الصنائع ٢/ ١٠٢٣، المغني ٣/ ١٢٦، المجموع ٦/ ٢٦٩) وأما مالك فقال الحامل تفطر وتقضى ولا فدية والمرضع تفطر وتقضي وتفدي انظر (قوانين الأحكام الشرعية ١٤١ - ١٤٢، الكافي لابن عبد البر ١/ ٣٤٠، المجموع ٦/ ٢٦٩). وأما الشافعية فقالوا بالقضاء وأما الفدية فلهم أقوال ثلاثة أصحها وجوبها والثاني استحبابها والثالث وجوبها على المرضع دون الحامل، انظر (المهذب ٦/ ٢٦٧، المجموع ٦/ ٢٦٧).
[ ٢٧٠ ]
والفرق بينهما:
أن خوفهما على أنفسهما يخصهما فلا يجب بالفطر لأجله إلَّا القضاء كالمرض (١) وأما إذا أفطرتا خوفًا على ولديهما فعليهما الكفارة لقوله تعالى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٢) قال ابن عباس (﵄) (٣) نسخت هذه الآية وبقيت الرخصة للشيخ الكبير والعجوز والحامل والمرضع إذا خافتًا أفطرتا وأطعمتا (مكان) (٤) كل يوم مسكينًا (٥).
فصل: (٦)
إذا صام المسافر ثم جامع ولم ينو بجماعه الفطر لزمه الكفارة (٧) وإن نوى
_________________
(١) المغني ٣/ ١٢٦.
(٢) سورة البقرة آية ١٨٤.
(٣) ما بين القوسين في الظاهرية فقط.
(٤) ما بين القوسين في العباسية فقط.
(٥) ورد هذا الحديث في سنن أبي داود (حَدَّثَنَا ابن المثنَّى، حَدَّثَنَا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن عروة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينًا، والحبلى والمرضع إذا خافتا، قال أبو داود: يعني على أولادهما (افطرتا واطعمتا) سنن أبي داود ٢/ ٧٣٨ - ٧٣٩.
(٦) هذا الفصل لم أجده في العباسية.
(٧) المقنع ٣/ ٣٦ وذكر أنَّه لا كفارة عليه ثم قال وعنه عليه الكفارة وقد ذكر صاحب المبدع مثل ذلك وزاد (وعنه لا يجوز له الفطر بالجماع لأنه لا يقوى على السفر ٣/ ٣٦. وقال أبو الخطاب (إذا نوى الصيام في سفره ثم جامع ففي الكفارة روايتان الهداية ١/ ٨٤، وقال المجد (وإذا شرع المسافر في الصوم فله إبطاله بما شاء وعنه لا يجوز له الجماع فإن خالف ووطئ ففي الكفارة روايتان المحرر ١/ ٢٣٠ هذا عند الحنابلة. وقال أبو حنيفة والشافعي في المسافر إذا أنشأ الصوم في شهر رمضان ثم جامع أنَّه لا يجب عليه كفارة انظر الإفصاح ١/ ٢٧٤. أما مالك فعنه روايتان إحداهما الوجوب والأخرى الإسقاط (انظر الإفصاح ١/ ٢٤٧).
[ ٢٧١ ]
به الفطر فقياس المذهب أنَّه لا كفارة عليه (١).
والفرق بينهما:
أنَّه إذا لم يقصد الفطر فقد صادف وطئه شهر رمضان وتمحص هتكا من غير شبهة فلزمته الكفارة بذلك كالمقيم
وليس كذلك إذا قصد به الإفطار لأنه قد قصد رخصة مباحة وله الترخص بها كماله الترخص بالأكل فلذلك لم يلزمه كفارة.
فصل:
إذا كان على الميت صوم شهر رمضان وقد آخره لغير عذر أطعم عنه كل يوم مسكين ولا يصام عنه (٢) وإن كان عليه صوم
_________________
(١) شرح منتهى الإرادات ١/ ٤٥٣ ولم يتعرض للنية.
(٢) المستوعب ١/ ١٥١، مسائل الإمام أَحْمد، رواية ابنه عبد الله ١٨٦، المغني ٣/ ١٢٩ - ١٣١، الروض المربع ١/ ٤٣٥. وقد فرق صاحبا المقنع والمبدع بين من مات قبل إدراك رمضان آخر ومن مات بعد إدارك رمضان آخر فقالا بإطعام مسكين عن كل يوم لمن آخره بلا عذر ومات قبل إدراك رمضان آخر، أما من مات بعد إدراك رمضان آخر فذكرا وجهين في ذلك الأول يطعم عن كل يوم مسكين والثاني يطعم مسكينين وقد ذكر صاحب المبدع أن إطعام المسكين هو المذهب انظر (المقنع ٣/ ٤٧، المبدع ٣/ ٤٧) وقولهما هذا موافق لما قاله أبو الخطاب والمجد انظر الهداية لأبي الخطاب ١/ ٨٥، المحرر ١/ ٢٣١، وقال العنقري في حاشيته على الروض المربع وعند بعض الفقهاء يصام عنه، هذا عند الحنابلة ١/ ٤٣٥. أما أبو حنيفة فقال يطعم عنه إذا أوصى بذلك وإذا لم يوصى فلا يلزم الورثة إطعام إلَّا إن تبرعوا بذلك. انظر (بدائع الصنائع ٢/ ١٠٣٧ - ١٠٣٩، الإفصاح ١/ ٢٤٨). أما مالك فقال لا يصام عنه ولا يطعم إلَّا أن يوصي به والوصية بذلك عليه واجبه انظر (الكافي لابن عبد البر ١/ ٣٣٨ - ٣٣٩، الإفصاح ١/ ٢٤٨). أما الشَّافعي فله قولان الجديد منهما يطعم عنه والقديم يصام عنه انظر (المجموع ٦/ ٣٦٨، الإفصاح ١/ ٢٤٨).
[ ٢٧٢ ]
منذور جاز أن يصومه عنه وليه (١).
نص عليه
والفرق بينهما:
ما روى أبو بكر بإسناده عن ميمون بن (٢) مهران أن ابن عباس سال (٣) عن رجل مات وعليه نذر صوم شهر وعليه صوم شهر رمضان فقال أما رمضان فيطعم عنه وأما النذر فيصام عنه (٤).
_________________
(١) المستوعب ١/ ١٥٣، مسائل الإمام أَحْمد، رواية ابنه عبد الله ١٨٦، الهداية لأبي الخطاب ١/ ٨٥، المحرر ١/ ٢٣١، المغني ٣/ ١٣٠، الروض المربع ١/ ٤٣٦، شرح منتهى الإرادات ١/ ٤٠٧، المقنع ٣/ ٤٨، المبدع ٣/ ٤٨ وقال هذا كله فيمن أمكنه صوم نذره فلم يصمه، فلو أمكنه صوم بعضه قضى عنه ما أمكنه صومه فقط هذا عند الحنابلة. أما أبو حنيفة فقال يلزمه أن يوصي بالفدية ولا يصام عنه، انظر (بدائع الصنائع ٢/ ١٠٣٧ - ١٠٤١، المجموع ٦/ ٣٧٣). وأما مالك فقال ليس على الولي صيام، انظر (الكافي لابن عبد البر ١/ ٣٣٩). وأما الشافعي فله في ذلك قولان الجديد منهما يطعم عنه والقديم يصام عنه، انظر (المجموع ٦/ ٣٦٨، الإفصاح ١/ ٢٤٨).
(٢) هو ميمون بن مهران الجزري أبو أَيُّوب ثقة فقيه روى عن كثير من الصَّحَابَة استعمله عمر بن عبد العزيز على خراج الجزيرة وقضائها تُوفِّي سنة سبع عشرة ومائة. انظر تقريب التهذيب ٢/ ٢٩٢، تذكرة الحفاظ ١/ ٩٨ - ٩٩).
(٣) من الأولى أن تكون كتابتها (سئل).
(٤) انظر (سنن البيهقي ٤/ ٢٥٤، أبو داود ٢/ ٧٩٢، مؤلفات الشيخ محمَّد بن عبد الوهَّاب قسم الحديث ٢/ ٥٥٠).
[ ٢٧٣ ]
وروى الأثرم (١) وعبد العزيز بإسنادهما عن ابن عمر قال سئل النَّبِيّ ﷺ عن رجل مات وعليه صوم شهر رمضان قال (يطعم عنه كل يوم مسكين) (٢). ولم يأمر بالصيام عنه وروى ابن عباس ﵄ قال جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت إن أختي ماتت وعليها صيام شهرين متتابعين قال (أرأيت لو كان على أختك دين أكنت قاضيته) (٣) قالت نعم قال (فحق الله أحق) (٤).
قال أبو عيسى التِّرْمِذِيّ حديث ابن عباس حديث صحيح (٥) ولأن صوم شهر رمضان لزمه بأصل الشرع فانتقل عند العجز عن صومه إلى الفدية كالشيخ الفاني.
_________________
(١) أَحْمد بن محمَّد بن هانئ أبو بكر الأثرم إمام جليل ثِقَة حافظ أحد الناقلين روايات الإمام أَحْمد صنف التصانيف حدث عنه كثيرون له كتاب العلل تُوفِّي سنة ثلاث وسبعين ومائتين، انظر (تقريب التهذيب ١/ ٢٥، المدخل ٢٠٥، الفهرست لابن النديم ٣٢٠ - ٣٢١).
(٢) سنن الترمذي ٣/ ٨٧، ابن خزيمة ٣/ ٢٧٣.
(٣) في العباسية (تقضينه) بدلا من قاضيته.
(٤) الترمذي ٣/ ٨٦ - ٨٧ وقال حديث ابن عباس حديث حسن صحيح. صحيح ابن خزيمة ٣/ ٢٧٢، البيهقي ٤/ ٢٥٥، شرح السنة ٦/ ٣٢٥، الدارقطني ٢/ ١٩٧ - ١٩٨. وقد جاء بروايات مختلفة في بعضها صيام شهر وبعضها نصف شهر وفي بعضها جاء رجل وبعضها إن أمي بدلا من إن أختي. انظر في ذلك كله البخاري ٣/ ٤٤، مسلم ٢/ ٨٠٤.
(٥) الترمذي ٣/ ٨٦ - ٨٧.
[ ٢٧٤ ]
وأما النذر فهو أوجبه على نفسه فوجب أن يؤدى عنه ما أوجبه كالديون وهذا لأن ما وجب بأصل الشرع آكد مما أوجبه على نفسه بدليل أنَّه يقتل بترك الصلاة المفروضة ولا يقتل بترك الصلاة المنذورة وكذلك إذا نذر صيام الدهر ثم سافر فأفطر في شهر رمضان فلا وقت للقضاء غير زمان النذر فيقضى ما عليه ويترك النذر لأن النذر وجب بإيجابه على نفسه والقضاء وجب ابتداء من عند الله تعالى فكان أقوى مما وجب بقوله فإذا ثبت ذلك فالنيابة إنما تدخل في العبادة على حسب خفتها ولهذا قالوا الصلاة لا تدخلها النيابة لأنه لا مدخل للمال فيها وتدخل في الحج لأن للمال مدخلا فيه.
فصل:
يجوز للمسافر التطوع بالصلاة من غير كراهة مع استحباب قصر الصلاة (١) (له) (٢) ولا يجوز له التطوع بالصوم في شهر رمضان مع استحباب الفطر له (٣).
_________________
(١) المستوعب ١/ ٨٤، الاختيارات الفقهية ٧٣، مسائل الإمام أَحْمد، رواية إسحاق النيسابوري ١/ ٨٢.
(٢) ما بين القوسين في العباسية فقط.
(٣) المستوعب ١/ ١٤٣، المغني ٣/ ٩٣، الإفصاح ١/ ٢٥٠، الروض المربع ١/ ٤١٩، الهداية لأبي الخطاب ١/ ٨٢، شرح منتهى الإرادات ١/ ٤٤٥، وقال المجد لا يجوز نفل الصوم ممن عليه فرضه وعنه يجوز المحرر ١/ ٢٣١، وقال صاحب الإنصاف استحباب الفطر هو المذهب وهو من المفردات ٣/ ٣٨٧ هذا عند الحنابلة. أما أبو حنيفة فقال إن صام عن فرض في ذمته جاز، وإن صام نفلا وقع عن رمضان (حاشية ابن عابدين ٢/ ٣٧٨، الإفصاح ١/ ٢٥٠، وذكر في بدائع الصنائع روايتين أحدهما يقع عن التطوع والثانية عن رمضان ٢/ ٩٩٤ والصيام أفضل من الفطر عند أبي حنيفة بداية المجتهد ١/ ٣١٦. وأما مالك فقال بعدم جواز التطوع للمسافر بالصيام في شهر رمضان وقال إن الصيام أفضل من الفطر (الكافي لابن عبد البر ١/ ٣٣٦، قوانين الأحكام الشرعية ١٣٨، الإفصاح ١/ ٢٥٠). وأما الشَّافعيّ فقال بعدم جواز التطوع في الصيام في رمضان للمسافر وقال إن الفطر أفضل من الصيام، انظر (المجموع ٦/ ٢٦٣، الإفصاح ١/ ٢٥٠، قوانين الأحكام الشرعية ١٣٨).
[ ٢٧٥ ]
والفرق بينهما:
أن نهار شهر رمضان زمان متعين للفرض فلا يصح (منه) (١) أن يصوم (فيه) (٢) تطوعًا كما في الحضر.
وليس كذلك وقت الصلاة فإنَّه ليس جميعه متعين للفرض بدليل أنَّه يجوز التطوع بالصلاة فيه قبل (فعل) (٣) الفرض وبعده سفرًا وحضرا فلذلك جاز فعل النوافل فيه فإن تضايق وقت الصلاة فلم يبق منه إلا قدر ما يفعلها تعين ذلك للفرض ولم يجز الاشتغال بغيره من النوافل (والله أعلم) (٤).
فصل: (٥)
إذا نوى الصيام ليلا ثم أغمي عليه جميع النهار لم يصح صومه (٦)
_________________
(١) ما بين القوسين في الظاهرية فقط.
(٢) ما بين القوسين في العباسية فقط.
(٣) ما بين القوسين في الظاهرية فقط.
(٤) ما بين القوسين في العباسية فقط.
(٥) هذا الفصل لم أجده في العباسية.
(٦) الهداية لأبي الخطاب ١/ ٨٣، المحرر ١/ ٢٢٨، الإفصاح ٢٥٠١، المغني ٣/ ٩٠، الروض الربع ١/ ٤١٩، شرح منتهى الإرادات ١/ ٤٤٦، المبدع ٣/ ١٧ هذا عند الحنابلة. ويمثل ما قال الحنابلة قال مالك والشافعي، انظر (الكافي لابن عبد البر ١/ ٣٤٠، المهذب ٦/ ٣٤٥، الإفصاح ١/ ٢٥٠، المغني ٣/ ٩٠). أما أبو حنيفة فقال بأن صيامه يصح، انظر (بدائع الصنائع ٢/ ٩٩٢، الإفصاح ١/ ٢٥٠، المغني ٣/ ٩٠).
[ ٢٧٦ ]
ولو نام جميع النهار فصومه صحيح (١).
والفرق بينهما: (٢)
أن حكم النائم حكم المستيقظ في كثير من الأحكام منها صحة صلاته (٣) (٤) وضمانه (٥) لما يتلفه من الأموال في حال نومه.
وإذا صحت صلاته صح صومه لأن النائم متى أوقظ استيقظ.
وليس كذلك الإغماء لأنه يزيل العقل ولا يمكن الإيقاظ منه كما يوقظ
_________________
(١) الروض المربع ١/ ٤١٩، الهداية لأبي الخطاب ١/ ٨٣، المقنع ٣/ ١٨، المجموع ٦/ ٣٤٦، شرح منتهى الإرادات ١/ ٤٤٦.
(٢) يمكن أن يقال في الفرق. لأن الإغماء يزيل العقل والنوم لا يزيله بالكلية، والاغماء لا يمكن التأكد من إزالته والنوم يمكن التأكد من إزالته بإيقاظ النائم.
(٣) لو قال صحة حجة لكان أقرب إذ يصح الوقوف بعرفة من النائم ولا يصح من المغمى عليه والمجنون، انظر (كشاف القناع ٢/ ٤٩٤).
(٤) لعل المؤلف يرجح الرواية الأخرى في النوم وهي أنَّه لا ينقض مطلقًا رغم أن الصحيح من المذهب أن النوم ينقض بشرطه، أو أراد صحة صلاته بلا غسل حيث الغسل مشروع للمغمى عليه إذا أفاق، انظر (الإنصاف ١/ ٢٧١).
(٥) أما الضمان فيستوي فيه النائم والمغمي عليه والمستيقظ، انظر (شرح منتهى الإرادات ٣/ ٢٧٢).
[ ٢٧٧ ]
النائم فألحق بالجنون يؤكد ذلك أنهما استويا في شروع الغسل في حقهما إذا أفاقا من غير احتلام (١) بخلاف النائم.
فصل:
إذا اشتبهت الأشهر على الأسير فتحرى وصام شهرًا فوافق شهر رمضان أو ما بعده أجزأه فإن وافق ما قبله لم يجزه (٢).
ولو اشتبه عليه وقت الوقوف بعرفة فوقف بالاجتهاد فبان أنَّه وقف قبل وقت الوقوف أجزأه (٣).
والفرق بينهما:
أن الصوم يمكنه أداؤه بيقين بأن يؤخر فإما أن يصادف وقته أو ما بعده فأما إذا لم يؤخره فقد فرط بتقديمه فلم يجزه كما لو قدر على وقته من غير اشتباه وليس كذلك الوقوف بعرفة لأنه لا يمكنه أداؤه بيقين لأنه لو أخر الوقوف لم يأمن الفوات فلهذا لم يلزمه الإعادة بخلاف الصوم.
_________________
(١) انظر في استحباب الغسل للمجنون والمغمي عليه إذا أفاقا من غير احتلام (المحرر ١/ ٢٠، المغني ١/ ١٩٦، الإنصاف ١/ ٢٤٨).
(٢) المستوعب ١/ ١٤٥، الهداية لأبي الخطاب ١/ ٨٢، المحرر ١/ ٢٢٨، الإفصاح ١/ ٢٥٠، المغني ٣/ ١٤٦، شرح منتهى الإرادات ١/ ٤٤٢، المبدع ٣/ ١٠ - ١١، الروض المربع ١/ ٤١٥، حاشية العنقري على الروض المربع ١/ ٤١٥ هذا عند الحنابلة. وكذلك قال الحنفية والماليكة والشافعية إلَّا أن لدى الشافعية وجه أنَّه يجزيه إذا كان قبل الوقت والوجه الصحيح لا يجزيه انظر (بدائع الصنائع ٢/ ٩٩٩، قوانين الأحكام الشرعية ١٣٦، المجموع ٦/ ٢٨٤ - ٢٨٧، الإفصاح ١/ ٢٥٠، المغني ٣/ ١٤٦).
(٣) المستوعب ١/ ١٩٥، فتاوي شيخ الإِسلام ابن تيمية ٢٥/ ٢٠٢ - ٢٠٣ حيث قال (فإن النَّاس لو وقفوا بعرفة في اليوم العاشر خطأ أجزاهم الوقوف بالاتفاق وكان ذلك اليوم يوم عرفة في حقهم ولو وقفوا الثامن خطأ ففي الإجزاء نزاع والأظهر صحة الوقوف أَيضًا وهو أحد القولين في مذهب مالك ومذهب أَحْمد وغيرهم، المهذب ٦/ ٨٤.
[ ٢٧٨ ]
فصل:
إذا نذر أن يصوم يوم الخميس أو يصلي فيه لم يجزه الصوم والصلاة قبله (١).
ولو نذر أن يتصدق بدرهم يوم الخميس فتصدق به قبله أجزأه (٢).
والفرق بينهما:
أن الصدقة يجوز تعجيلها قبل وقت وجوبها بدليل (جواز) (٣)
_________________
(١) المستوعب ١/ ١٥١. وقال أبو الخطاب فيمن نذر صيام شهر بعينه (فإن صام قبل الشهر الذي عينه لم يجزه) انظر الهداية لأبي الخطاب ١/ ٨٥. وقال صاحب الإنصاف (وإن نذر صوم شهر معين، فلم يصمه لغير عذر فعليه القضا مع الكفارة إلى أن قال وإن صام قبله لم يجزه بلا نزاع كالصلاة) الإنصاف ١١/ ١٤٠ - ١٤١.
(٢) المستوعب ١/ ١٠١، الإنصاف ١١/ ١٤١ وقال بعد إيضاحه أن من نذر صوم أو صلاة شهر معين لا يجزيه ذلك قبله (لكن لو كان نذره بصدقة جاز إخراجها قبل الوقت الذي عينه للنفع كالزكاة قال الأصحاب).
(٣) ما بين القوسين في العباسية فقط.
[ ٢٧٩ ]
تعجيل الزكاة (١)
وليس كذلك الصلاة والصيام فإنَّه لا يجوز تعجيلها قبل وقت وجوبها بدليل أنَّه لا يجوز تعجيل الصلاة المفروضة ولا الصوم المفروض قبل وقت وجوبهما فلذلك افترقا.
* * *
_________________
(١) المحرر ١/ ٢٢٥.
[ ٢٨٠ ]