وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال عَلَى النَّاسِخِ مِنْ الْخَبَرَيْنِ بِالْقِيَاسِ وَالنَّظَرِ فَنَحْوُ مَا ذَكَرْنَا عَنْ عِيسَى بْنِ أَبَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﵇ - أَنَّهُ قَالَ: «تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ» .
وَرُوِيَ عَنْهُ «أَنَّهُ أَكَلَ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» .
وَرُوِيَ فِيهِ عَنْ السَّلَفِ اخْتِلَافٌ فَكَانَ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِنْهُ أَشْبَهَ بِالسُّنَّةِ، لِأَنَّا لَمْ نَرَ الْوُضُوءَ فِي السُّنَّةِ الْقَائِمَةِ إلَّا فِي الْأَنْجَاسِ الْخَارِجَةِ، وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ فِي الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ، وَقَدْ رُوِيَ فِيهِ أَنَّهُ لَا وُضُوءَ فِيهِ. وَوَجَدْنَا لِمَسِّ مَا هُوَ أَنَجَسُ مِنْ الذَّكَرِ فَلَا يَجِبُ فِيهِ الْوُضُوءُ فَكَانَ الْأَمْرُ (فِيهِ) عِنْدَنَا أَنْ لَا وُضُوءَ فِيهِ.
فَاسْتَدَلَّ عِيسَى بِشَهَادَةِ الْأُصُولِ لِأَحَدِ الْخَبَرَيْنِ وَمُعَاضَدَةِ الْقِيَامِ لَهُ عَلَى بَيَانِ حُكْمِهِ دُونَ الْآخَرِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ - ﵀ -: وَمِنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﵇ - «أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْ بِهِ نَاقَتُهُ: لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» وَرُوِيَ عَنْ
[ ٢ / ٣١٣ ]
ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «غَطُّوا رُءُوسَ مَوْتَاكُمْ وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ» .
وَرُوِيَ عَنْهُ - ﵇ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا مَاتَ الْمَرْءُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ وَعِلْمٍ يُعْمَلُ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَوَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»، فَكَانَ النَّظَرُ مُعَاضِدًا لِهَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ وَمُنَافِيًا لِخَبَرِ النَّهْيِ عَنْ تَغْطِيَةِ رَأْسِ الْمُحْرِمِ لِاتِّفَاقِ النَّاسِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مُحْرِمًا لَا يُوقَفُ بِهِ بِعَرَفَةَ وَلَا بِالْمُزْدَلِفَةِ وَلَا يُطَافُ بِهِ وَلَا يُفْعَلُ بِهِ سَائِرُ أَفْعَالِ الْمَنَاسِكِ، فَدَلَّ عَلَى انْقِطَاعِ إحْرَامِهِ، وَعَلَى أَنَّ خَبَرَ النَّهْيِ عَنْ تَخْمِيرِ رَأْسِهِ مَنْسُوخٌ بِالْخَبَرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا، وَكَذَلِكَ (مَا) رُوِيَ عَنْهُ - ﵇ - «أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ» وَرُوِيَ «أَنَّهَا تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» فَكَانَ الْخَبَرُ الَّذِي ذَكَرْنَا فِيهِ اعْتِبَارَ الْوَقْتِ أَوْلَى، مِنْ قِبَلِ أَنَّا قَدْ وَجَدْنَا فِي الْأُصُولِ طَهَارَةً مُقَدَّرَةً بِوَقْتٍ وَهُوَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَلَيْسَ مِنْهَا طَهَارَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ وَنَظِيرُهُ أَيْضًا: مَا رُوِيَ مِنْ الْأَخْبَارِ الْمُتَضَادَّةِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ، فَقُلْنَا: إنَّ خَبَرَنَا أَوْلَى لِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ لَيْسَ فِيهَا الْجَمْعُ بَيْنَ رُكُوعَيْنِ مِنْ غَيْرِ سُجُودٍ بَيْنَهُمَا، فَكَانَتْ الْأُصُولُ شَاهِدَةً بِخَبَرِنَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ نَاسِخٌ لِسَائِرِ الْأَخْبَارِ الَّتِي تُخَالِفُهُ وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وَفِيمَا ذَكَرْنَا تَنْبِيهٌ عَلَى مَا تَرَكْنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الدَّلَالَةِ (فِي مَوَاضِعَ) عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْأُصُولِ لِحُكْمِ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ يُوجِبُ كَوْنَهُ أَوْلَى مِمَّا تُنَافِيهِ الْأُصُولُ (فِي مَوَاضِعَ) فَكَرِهْنَا إعَادَتَهُ مَخَافَةَ التَّطْوِيلِ.
[ ٢ / ٣١٤ ]