فَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ قِسْمَيْ التَّوَاتُرِ وَهُوَ: مَا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ بِالِاسْتِدْلَالِ: فَإِنَّ أَبَا الْحَسَنِ - ﵀ -، كَانَ يَحْكِي عَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ نَسْخَ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ إنَّمَا يَجُوزُ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، الَّذِي يُوجِبُ الْعِلْمَ، كَخَبَرِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ قَوْلِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَرَى: أَنَّ مِنْ الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ مَا يُعْلَمُ صِحَّتُهَا بِالِاسْتِدْلَالِ، لِأَنَّ هَذِهِ صِفَةُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، إذْ لَا يُمْكِنُ أَحَدٌ أَنْ يَدَّعِيَ فِي ثُبُوتِهِ وَصِحَّتِهِ عِلْمَ اضْطِرَارٍ.
وَقَدْ حَكَيْنَا عَنْ عِيسَى بْنِ أَبَانَ - ﵀ - فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ: أَنَّ الْخَبَرَ الْمُتَوَاتِرَ عِنْدَهُ هُوَ الَّذِي يُوجِبُ عِلْمَ الضَّرُورَةِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ مَا لَيْسَتْ هَذِهِ مَنْزِلَتُهُ مِنْ خَبَرِ التَّوَاتُرِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ - ﵀ -: وَمِنْ نَظَائِرِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ مِنْ الْأَخْبَارِ: مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﵇ -: فِي تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِي الْأَصْنَافِ السِّتَّةِ، وَمَا رُوِيَ عَنْهُ - ﵇ -: مِنْ «إبَاحَتِهِ مُتْعَةَ النِّسَاءِ، ثُمَّ حَظْرِهَا بَعْدَ الْإِبَاحَةِ»، وَمِثْلُهُ أَخْبَارِ الرَّجْمِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِنْ الْأَخْبَارِ الَّتِي نَقَلَهَا عَنْ النَّبِيِّ - ﵇ - جَمَاعَةٌ يَمْتَنِعُ فِي مِثْلِهِمْ وُقُوعُ التَّوَاطُؤِ عَلَيْهِ، أَوْ وُقُوعُ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ فِيهِ، فَنَعْلَمُ بِتَأَمُّلِنَا حَالَهَا أَنَّهَا صَحِيحَةٌ، وَلَا تُوجِبُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ؛ لِأَنَّا لَمْ نَتَأَمَّلْ حَالَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ، وَلَمْ نَسْتَدِلَّ عَلَى صِحَّتِهَا، لِمَا وَقَعَ لَنَا الْعِلْمُ بِخَبَرِهَا.
وَقَدْ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُجِيزُ التَّفَاضُلَ فِي الْأَصْنَافِ السِّتَّةِ، وَيُعَارِضُ هَذَا الْخَبَرَ بِخَبَرِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: عَنْ النَّبِيِّ - ﵇ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا رِبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ» ثُمَّ لَمَّا تَأَمَّلَ وَتَوَاتَرَ عِنْدَهُ الْخَبَرُ بِهِ نَزَلَ عَنْ قَوْلِهِ، وَرَجَعَ إلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِيهَا. وَقَدْ قَالَ عِيسَى فِي كِتَابِهِ (فِي الرَّدِّ) عَلَى الْمَرِيسِيِّ لَا يَخْلُو الْحَدِيثُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: يَضِلُّ تَارِكُهُ، وَيَأْثَمُ، وَيُشْهَدُ عَلَيْهِ بِالْبِدْعَةِ وَالْخَطَأِ.
وَذَلِكَ مِثْلُ الرَّجْمِ يَرُدُّهُ قَوْمٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] قَالُوا: لِأَنَّهُ لَمْ يَتَوَاتَرْ بِهِ الْخَبَرُ كَمَا تَوَاتَرَ بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَلَا يَكْفُرُونَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَرُدُّوا عَلَى اللَّهِ وَلَا عَلَى رَسُولِهِ، وَإِنَّمَا خَالَفُوا النَّاقِلِينَ، فَأَخْطَئُوا فِي التَّأْوِيلِ، وَعَارَضُوا بِظَاهِرِ الْكِتَابِ.
قَالَ: وَالْوَجْهُ الثَّانِي: مِثْلُ خَبَرِ الصَّرْفِ، وَخَبَرِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، يُخَطَّأُ مُخَالِفُهُ،
[ ٣ / ٤٨ ]
وَيُخْشَى عَلَيْهِ الْإِثْمُ، وَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالضَّلَالِ، لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ عَارَضَ حَدِيثَ الصَّرْفِ بِخَبَرِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ «لَا رِبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ» وَالْخَوَارِجُ خَالَفَتْ الْإِجْمَاعَ، وَخَبَرُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ: رَوَاهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - وَخَالَفَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ. وَقَالُوا: إنَّ الْمَسْحَ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ، فَأَخْطَئُوا، وَلَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِمْ بِالضَّلَالِ، وَيُخْشَى عَلَيْهِمْ الْمَأْثَمُ، وَكَذَلِكَ خَبَرُ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، لِأَنَّ الْقَائِلَ بِهِ لَا يُدْرَى هُوَ ثَابِتُ الْحُكْمِ، أَمْ لَا، وَيُرَدُّ قَضَاءُ مَنْ قَضَى بِهِ (لِأَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يَرُدُّهُ) .
قَالَ: وَمِمَّا يُخَافُ عَلَيْهِ الْإِثْمُ وَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالضَّلَالِ، مَنْ اسْتَحَقَّ دَمًا بِالْقَسَامَةِ مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّ الْمُخَالِفِينَ كَاذِبُونَ فِي حَلِفِهِمْ، وَأَنَّهُ خِلَافُ الْكِتَابِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] . وَأَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ، وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - وَكِبَارِ الصَّحَابَةِ خِلَافُهُ.
قَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ - ﵀ -: وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: مَا رُوِيَ فِي الْأَخْبَارِ الْمُخْتَلِفَةِ لَا نَعْلَمُ النَّاسِخَ مِنْهَا، وَاخْتَلَفَتْ الْأُمَّةُ فِي الْعَمَلِ بِهَا، مَعَ احْتِمَالِ التَّأْوِيلِ فِيهَا، كَاخْتِلَافِهِمْ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرِهِ، وَكَاخْتِلَافِهِمْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَكُونُ الْإِخْوَةُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: اثْنَانِ. وَكَاخْتِلَافِهِمْ فِي مِقْدَارِ السَّفَرِ فِيهِ، وَمَا أَشْبَهَهُ طَرِيقُهُ اجْتِهَادُ الرَّأْيِ، وَلَا يَأْثَمُ الْمُخْطِئُ، فِيهِ وَلَا يَضِلُّ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ - ﵀ -: وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ عِيسَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ تَقْسِيمِ مَنَازِلِ مُوجِبِ الْأَخْبَارِ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِمَا حَكَيْنَا عَنْهُ فِي خَبَرِ التَّوَاتُرِ، أَنَّهُ قِسْمٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الَّذِي يُوجِبُ عِلْمَ الِاضْطِرَارِ، لِأَنَّ خَبَرَ الرَّجْمِ إنَّمَا أَوْجَبَ الْعِلْمَ عِنْدَهُ لَا مِنْ طَرِيقِ التَّوَاتُرِ، لَكِنْ لِأَنَّ الْأُمَّةَ عَمِلَتْ بِهِ سَلَفُهَا وَخَلَفُهَا، وَلَا يُعَدُّ الْخَوَارِجُ خِلَافًا، فَإِنَّمَا يُوجَبُ الْعِلْمُ بِوُجُوبِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ لِمُسَاعَدَةِ إجْمَاعِ السَّلَفِ إيَّاهُ، وَجَعْلُ خَبَرِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَخَبَرِ الصَّرْفِ دُونَ ذَلِكَ، لِأَنَّ قَوْمًا مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ عَلَى السَّلَفِ قَدْ ذَهَبُوا إلَيْهِمَا، إلَّا أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِمْ الْمَصِيرُ إلَى مَا رَوَتْهُ الْجَمَاعَةُ، وَأَخْطَئُوا بِتَرْكِهِمْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَبْلُغُوا مَنْزِلَةَ الضَّلَالِ.
[ ٣ / ٤٩ ]
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إنَّ مِمَّا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ مِنْ الْأَخْبَارِ مِنْ جِهَةِ مَا لَا يَجُوزُ فِيهِ اتِّفَاقُ الْجَمَاعَةِ الْكَثِيرَةِ عَلَى اخْتِرَاعِ الْكَذِبِ فِيهِ، كَإِخْبَارِ أَهْلِ بَلَدٍ بِخَبَرِ كُلِّ وَاحِدٍ عَنْ نَفْسِهِ: أَنَّهُ يَعْتَقِدُ الْإِسْلَامَ، وَكَإِخْبَارِ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ بِخَبَرِ كُلٍّ عَنْ نَفْسِهِ: أَنَّهُ يَعْتَقِدُ النَّصْرَانِيَّةَ، فَإِنَّ هَذَا وَنَحْوَهُ (إذَا أَدْلَى) الْمُخْبِرُونَ بِهِ فَصَارُوا بِحَيْثُ لَا يَتَّفِقُ مِنْهُمْ كِتْمَانُ خِلَافِ مَا أَظْهَرُوهُ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى اشْتِمَالِ خَبَرِهِمْ عَلَى جَمَاعَةٍ قَدْ صَدَقُوا فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ. وَمِنْ نَحْوِ ذَلِكَ مَا رَوَتْهُ الرُّوَاةُ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ، كُلٌّ يُخْبِرُ بِخَبَرٍ غَيْرِ مَا يُخْبِرُ بِهِ الْآخَرُ، فَعُلِمَ أَنَّ جَمَاعَتَهُمْ غَيْرُ كَاذِبَةٍ، وَكُلُّ شَيْءٍ أَخْبَرَ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَنَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْجَمَاعَةَ قَدْ اشْتَمَلَتْ فِيمَا أَخْبَرَتْ بِهِ عَلَى صِدْقٍ، وَإِنْ لَمْ يَتَمَيَّزْ لَنَا صِدْقُ الصَّادِقِ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِهِ، فَهَذَا ضَرْبٌ مِنْ التَّوَاتُرِ الَّذِي يُعْلَمُ مُخْبَرُهُ بِالِاسْتِدْلَالِ، وَلَمْ يَجِدْ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ يَتَوَاتَرُ بِهِمْ الْخَبَرُ عَدَدًا.
وَكَذَلِكَ قَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ فِي ذَلِكَ، وَذُكِرَ أَنَّهُ إذَا نَقَلَهُ قَوْمٌ مُخْتَلِفُو الْآرَاءِ وَالْهِمَمِ، لَا يَجُوزُ عَلَى مِثْلِهِمْ التَّوَاطُؤُ فَهُوَ تَوَاتُرٌ. وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إنَّا قَدْ تَيَقَّنَّا: أَنَّ خَبَرَ الْأَرْبَعَةِ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِحَالٍ إذَا لَمْ تَقُمْ دَلَالَةٌ أُخْرَى مِنْ غَيْرِ الْخَبَرِ عَلَى صِدْقِهِمْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَعَبَّدَنَا فِي أَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا، أَنَّا مَتَى حَكَمْنَا بِشَهَادَتِهِمْ أَنْ لَا نَقْطَعَ عَلَى غَيْبِهِمْ، وَأَنْ يَجُوزَ عَلَيْهِمْ الْكَذِبُ، إذْ الْغَلَطُ وَالسَّهْوُ فِي شَهَادَتِهِمْ، وَأَنْ يَكِلَ أَمْرَهُمْ فِي مَغِيبِ شَهَادَتِهِمْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ أَمْضَيَا الْحُكْمَ بِهَا.
قَالُوا: وَهَذَا حُكْمٌ عَامٌّ فِي سَائِرِ الشَّهَادَاتِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَجْمَعَ عَلَيْنَا التَّعَبُّدَ بِمَا وَصَفْنَا، مَعَ وُقُوعِ الْعِلْمِ بِصِحَّةِ خَبَرِهِمْ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَضَادُّ وَيَتَنَافَى. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْأَرْبَعَةِ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِحَالٍ، وَمَا زَادَ عَلَى هَذَا خَبَرُهُمْ مِنْ الْأَحْوَالِ الْمُقَارِنَةِ لَهُ، حَتَّى إذَا كَثُرَ الْعَدَدُ فِي قَوْمٍ مُخْتَلِفِي الْآرَاءِ وَالْهِمَمِ لَا يَجُوزُ وُقُوعُ التَّوَاطُؤِ مِنْهُمْ، أَوْجَبَ الْعِلْمَ بِصِحَّةِ خَبَرِهِمْ لَا مَحَالَةَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ - ﵀ -: وَهُدَانَا عَلَى خِلَافِ مَا قَالُوهُ، وَذَلِكَ: أَنَّ الشُّهُودَ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالزِّنَا: شَرْطُ صِحَّةِ شَهَادَتِهِمْ أَنْ يَحْضُرُوا مُجْتَمِعِينَ، وَيَكُونُوا مُتَشَاعِرِينَ، يَجُوزُ عَلَى مِثْلِهِمْ التَّوَاطُؤُ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ، وَلَوْ كَانُوا عَشْرَةً أَوْ عِشْرِينَ جَاءُوا مُجْتَمِعِينَ
[ ٣ / ٥٠ ]
مُتَشَاعِرِينَ يُخْبِرُونَ بِخَبَرٍ وَاحِدٍ عَنْ أَمْرٍ شَاهَدُوهُ، لَمَا وَقَعَ لَنَا الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ، إذَا جَوَّزْنَا عَلَيْهِمْ التَّوَاطُؤَ، وَقَدْ رَأَيْنَا كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْأَسْوَاقِ هَاهُنَا بِبَغْدَادَ مُتَوَاطِئِينَ عَلَى تَعَارُضِ الشَّهَادَاتِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَرُبَّمَا حَضَرَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ رَجُلًا أَوْ أَكْثَرُ، يَشْهَدُونَ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ بِجِنَايَةٍ فِي نَفْسٍ، أَوْ عِرْضٍ، أَوْ مَالٍ، فَلَا يَقَعُ الْعِلْمُ بِصِحَّةِ خَبَرِهِمْ، لِجَوَازِ التَّوَاطُؤِ عَلَيْهِمْ. فَغَيْرُ جَائِزٍ إذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا: أَنْ يُسْتَدَلَّ بِامْتِنَاعِ وُقُوعِ الْعِلْمِ بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ جَاءُوا مُجْتَمِعِينَ: عَلَى أَنَّ كُلَّ عَدَدٍ مِنْ الْمُخْبِرِينَ هَذَا مِقْدَارُهُ لَا يَقَعُ لَنَا الْعِلْمُ بِصِحَّةِ خَبَرِهِمْ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا تَقُولُ إنْ جَاءَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ مُتَفَرِّقِينَ يَشْهَدُونَ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا.
قِيلَ لَهُ: نَحُدُّهُمْ جَمِيعًا، لِأَنَّ شَرْطَ قَبُولِ الشَّهَادَةِ عِنْدَنَا أَنْ يَحْضُرُوا جَمِيعًا، فَيَشْهَدُونَ مُجْتَمِعِينَ، وَإِلَّا كَانُوا قَذَفَةً.
وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّعْبِيُّ: لَوْ شَهِدَ عِنْدِي مِثْلُ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ مُتَفَرِّقِينَ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا لَحَدَدْتهمْ جَمِيعًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُ لَوْ شَهِدَ عَشَرَةٌ أَوْ أَكْثَرَ عَلَى إقْرَارِ رَجُلٍ بِحَقٍّ لِرَجُلٍ وَجَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ. هَلْ يَقَعُ لَك الْعِلْمُ بِصِحَّةِ خَبَرِهِمْ؟ وَهَلْ نَحْكُمُ بِشَهَادَتِهِمْ إذَا كَانُوا فُسَّاقًا، لِأَجْلِ مَا وَقَعَ مِنْ الْعِلْمِ بِصِحَّةِ شَهَادَتِهِمْ حَتَّى جَاءُوا غَيْرَ مُتَشَاعِرِينَ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى مِثْلِهِمْ التَّوَاطُؤُ فِيهِ؟ .
قِيلَ لَهُ: إنْ جَازَ وُقُوعُ مِثْلِ هَذَا فِي الْعَدَدِ الْكَثِيرِ مِنْ قَوْمٍ مُخْتَلِفِي الْهِمَمِ، لَا يَجُوزُ عَلَى مِثْلِهِمْ التَّوَاطُؤُ، فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَقَعَ الْعِلْمُ بِصِحَّةِ خَبَرِهِمْ، إلَّا أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ فِيهِ بِوُقُوعِ الْعِلْمِ حَتَّى يَكُونُوا عُدُولًا مَرْضِيِّينَ، إذْ قَدْ يَجُوزُ عِنْدَنَا أَنْ يَعْلَمَ الْحَاكِمُ حَقًّا لِإِنْسَانٍ عَلَى غَيْرِهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَهُ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْحُكْمَ، أَوْ يَعْلَمَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ حُكْمِهِ، ثُمَّ يَصِيرَ إلَى عِلْمِهِ، أَوْ يَعْلَمَ شَيْئًا مِمَّا يُوجِبُ حَدَّ الزِّنَا، أَوْ السَّرِقَةِ، أَوْ شُرْبِ الْخَمْرِ فِي عِلْمِهِ، أَوْ فِي مُخْبِرِ عِلْمِهِ، فَيَكُونُ كَوَاحِدٍ مِنْ الشُّهُودِ يَحْتَاجُ أَنْ يَشْهَدَ مَعَ غَيْرِهِ عِنْدَ حَاكِمٍ سِوَاهُ، حَتَّى يَحْكُمَ بِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا اعْتِبَارَ فِي إمْضَاءِ الْحُكْمِ بِوُقُوعِ الْعِلْمِ بِخَبَرِهِمْ إذَا لَمْ يَكُونُوا عُدُولًا.
وَأَيْضًا: فَإِنْ الِاثْنَيْنِ فَمَا فَوْقَهُمَا فِي الشَّهَادَةِ فِي الْحُقُوقِ سَوَاءٌ، وَالْأَرْبَعَةَ وَمَنْ فَوْقَهُمْ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا سَوَاءٌ، فَلَا اعْتِبَارَ إذًا فِيهَا بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ اعْتَبَرُوا فِي شَرْطِ التَّوَاتُرِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةٍ.
[ ٣ / ٥١ ]
فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ: إذَا أَخْبَرَ جَمَاعَةٌ عَدَدُهُمْ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةٍ فَوَقَعَ الْعِلْمُ بِصِحَّةِ خَبَرِهِمْ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ وَاقِعًا بِخَبَرِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةٍ هُمْ صَادِقُونَ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ، قَدْ عَلِمُوهُ اضْطِرَارًا، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أُوقِعَ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ فَكَذَبُوا فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ بِأَنْ لَمْ يَكُونُوا شَاهَدُوا ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي أَخْبَرُوا عَنْهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: لَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ وَاقِعًا عِنْدَ خَبَرِ الْخَمْسَةِ وَمَنْ فَوْقَهُمْ، بِخَبَرِ أَرْبَعَةٍ مِنْهُمْ فَمَنْ دُونَهُمْ، وَأَنْ يَكُونَ الصَّادِقُ فِي خَبَرِهِ وَاحِدًا مِنْهُمْ، وَالْبَاقُونَ أَخْبَرُوا عَنْ غَيْرِ يَقِينٍ، وَلَا مُشَاهَدَةٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَغَيْرُ جَائِزٍ وُقُوعُ الْعِلْمِ بِقَوْلِ ذَلِكَ الْوَاحِدِ لَوْ انْفَرَدَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَجْرَى الْعَادَةَ بِأَنْ يُجْعَلَ الْعِلْمُ فِي قُلُوبِنَا عِنْدَ إخْبَارِ الْجَمَاعَةِ الَّتِي وَصَفْنَا أَمْرَهَا، وَلَيْسَ الْمُخْبِرُ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْعِلْمِ بِخَبَرِهِ، فَيُعْتَبَرُ كَوْنُ الْجَمَاعَةِ صَادِقِينَ فِي خَبَرِهِمْ.
قَالُوا: وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ وُقُوعُ الْعِلْمِ بِمُخْبِرِ بَعْضِ الْجَمَاعَةِ الْمُخْبِرِينَ، وَإِنْ كَانُوا أَرْبَعَةً وَأَقَلَّ مِنْهُمْ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الْمُخْبِرُونَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةٍ.
[ ٣ / ٥٢ ]
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَيْسَ لِمَا يَقَعُ الْعِلْمُ بِهِ مِنْ الْأَخْبَارِ عَدَدٌ مَعْلُومٌ مِنْ الْمُخْبِرِينَ عِنْدَنَا، إلَّا أَنَّا قَدْ تَيَقَّنَّا: أَنَّ الْقَلِيلَ لَا يَقَعُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ، وَيَقَعُ بِخَبَرِ الْكَثِيرِ، إذَا جَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ، لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ التَّوَاطُؤُ فِي مَجْرَى الْعَادَةِ، وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَقَعَ الْعِلْمُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ بِخَبَرِ جَمَاعَةٍ، وَلَا يَقَعُ بِخَبَرِ مِثْلِهِمْ فِي حَالٍ أُخْرَى، حَتَّى يَكُونُوا أَكْثَرَ، عَلَى حَسَبِ مَا يُصَادِفُ خَبَرَهُمْ مِنْ الْأَحْوَالِ، وَقَدْ عَلِمْنَا يَقِينًا: أَنَّهُ لَا يَقَعُ الْعِلْمُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَنَحْوِهِمَا، إذَا لَمْ تَقُمْ الدَّلَالَةُ عَلَى صِدْقِهِمْ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ خَبَرِهِمْ، لِأَنَّا لَمَّا امْتَحَنَّا أَحْوَالَ النَّاسِ لَمْ نَرَ الْعَدَدَ الْقَلِيلَ يُوجِبُ خَبَرُهُمْ الْعِلْمَ، وَالْكَثِيرُ يُوجِبُهُ، إذَا كَانُوا بِالْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَمَا كَانَ مِنْ الْأُمُورِ مَحْمُولًا عَلَى الْعَادَةِ، فَلَا سَبِيلَ إلَى تَحْدِيدِهِ، وَإِيجَابُ الْفَصْلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا عَدَاهُ بِأَقَلِّ الْقَلِيلِ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُوجِبُ عِلْمَ الِاضْطِرَارِ، فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَقُولَ: إنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ لِسَامِعِهِ، إذَا كَانَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ بِاضْطِرَارٍ، مِنْ غَيْرِ مَعْنًى يُقَارِنُهُ، وَلَا يُوجِبُهُ إلَّا إذَا قَارَنَتْهُ أَسْبَابٌ تُوجِبُ الْعِلْمَ بِصِحَّةِ خَبَرِهِ.
فَإِنْ كَانَ خَبَرُ الْوَاحِدِ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِنَفْسِهِ إذَا كَانَ الْمُخْبِرُ قَدْ عَلِمَ مَا أَخْبَرَ عَنْهُ بِاضْطِرَارٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَعْلَمَ كُلُّ سَامِعٍ صِدْقَ كُلِّ مَنْ أَخْبَرَ عَنْ شَيْءٍ شَاهَدَهُ مِنْ كَذِبِهِ، وَأَنَّهُ يَحْكُمُ بِأَنَّ غَيْرَهُ كَاذِبٌ، إذَا لَمْ يَقَعْ لَهُ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِصِحَّةِ مَا أَخْبَرَ بِهِ، وَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ صِدْقُ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَمَتَى وَقَعَ لَنَا الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِصِحَّةِ دَعْوَاهُ حَكَمْنَا بِهَا، وَإِذَا لَمْ يَقَعْ لَنَا الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ لِمَا ادَّعَاهُ حَكَمْنَا بِبُطْلَانِ قَوْلِهِ، فَلَا يَحْتَاجُ الْمُدَّعِي إلَى بَيِّنَةٍ، وَلَا يَحْتَاجُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَى الْيَمِينِ، وَوَاجِبٌ أَنْ يُعْلَمَ كَذِبُ الزَّوْجِ أَوْ صِدْقُهُ إذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ، فَإِذَا لَمْ يَقَعْ لَنَا عِلْمُ الِاضْطِرَارِ بِصِدْقِهِ حَكَمْنَا بِكَذِبِهِ وَحَدَدْنَاهُ، وَلَا نُوجِبُ بَيْنَهُمَا لِعَانًا، وَقَدْ حَكَمَ اللَّهُ بِصِحَّةِ اللِّعَانِ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ كَانَ الْعِلْمُ كَافِيًا لَنَا بِقَوْلِ أَحَدِهِمَا مَا جَازَ أَنْ يُسْتَحْلَفَ الْآخَرُ عَلَى صِدْقِهِ، مَعَ وُقُوعِ الْعِلْمِ بِكَذِبِهِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَتَعَبَّدَنَا اللَّهُ بِأَنْ يَأْمُرَنَا بِالْإِخْبَارِ بِالْكَذِبِ وَالْحَلِفِ عَلَيْهِ، مَعَ عَلِمْنَا بِأَنَّهُ كَذِبٌ، وَهَذَا شَيْءٌ قَدْ عُلِمَ بُطْلَانُهُ.
وَأَوْجَبَ أَيْضًا: أَنْ لَا تُعْتَبَرَ عَدَالَةُ الشُّهُودِ إذَا شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ وَأَنَّ الْحُكْمَ بِشَهَادَتِهِمْ يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى مَا يَقَعُ لِلْحَاكِمِ مِنْ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِصِحَّةِ خَبَرِهِمْ، فَإِنْ وَقَعَ
[ ٣ / ٥٣ ]
لَهُ عِلْمُ الِاضْطِرَارِ بِذَلِكَ عُلِمَ صِدْقُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَقَعْ لَهُ ذَلِكَ حُكِمَ بِكَذِبِهِمْ، عُدُولًا كَانُوا أَوْ غَيْرَ عُدُولٍ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّمَا يَقَعُ الْعِلْمُ لِخَبَرِ بَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ، وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُتَوَلِّي لِإِحْدَاثِ الْعِلْمِ عِنْدَ خَبَرِ هَذَا السَّامِعِ، فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ.
قِيلَ لَهُ: قَوْلُك إنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْمُتَوَلِّي لِإِحْدَاثِ الْعِلْمِ لِلسَّامِعِ عِنْدَ هَذَا الْخَبَرِ: هُوَ نَفْسُ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ، لِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ الْمُخْبِرِينَ يُحْدِثُ اللَّهُ عِنْدَ خَبَرِهِ لِلسَّامِعِ عِلْمًا، فَاقْتِصَارُك بِهِ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ لَا مَعْنَى لَهُ، وَعَلَى أَنَّ مَا أَلْزَمْنَاهُ قَائِمٌ عَلَيْهِ، لِأَنَّ كُلَّ سَامِعٍ فَإِنَّمَا يَكُونُ مَحْجُوجًا بِمَا أَحْدَثَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنْ الْعِلْمِ عِنْدَ الْخَبَرِ، وَإِنْ لَمْ يَحْدُثْ لَهُ عِلْمٌ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْخَبَرِ، وَإِنْ أَحْدَثَهُ حُكِمَ بِصِحَّتِهِ، فَلَا مَعْنَى إذًا لِلْكَلَامِ فِي تَبْيِينِهِ فِي نَظَرٍ وَحِجَاجٍ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا يُضْطَرُّ إلَى عِلْمِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا الْخَبَرِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ أَنْ يَكُونَ الْمُخْبِرُ قَدْ عَلِمَ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْهُ ضَرُورَةً أَوْ لَا يَعْلَمُهُ، لِأَنَّ الْعِلْمَ بِصِحَّةِ مُخْبَرِهِ مَوْقُوفٌ عَلَى مَا يُحْدِثُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ، وَعَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَمَرَنَا لِنَتَثَبَّتَ فِي سَائِرِ الشَّهَادَاتِ، وَأَنْ لَا نَقْطَعَ بِصِحَّتِهَا وَلَوْ كَانَ خَبَرُ الشُّهُودِ يُوجِبُ عِلْمَ الِاضْطِرَارِ بِحَالٍ، لَمَا جَازَ أَنْ نَكُونَ مَأْمُورِينَ فِي تِلْكَ الْحَالِ، بِأَنْ لَا نَقْطَعَ بِصِحَّةِ مَا عَلِمْنَاهُ ضَرُورَةً.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إنَّمَا يُوجِبُ عِلْمَ الِاضْطِرَارِ إذَا صَحِبَهُ أَسْبَابٌ، وَأَخْبَرَ بِهِ عَنْ مُشَاهَدَةٍ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُقَارِنُ الْخَبَرَ شَيْءٌ آكَدُ وَلَا أَثْبَتُ مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي (قَارَنَتْ أَخْبَارَ) النَّبِيِّ - ﵇ -، الْمُوجِبَةَ لِتَصْدِيقِهِ، ثُمَّ لَمْ نَعْلَمْ صِحَّةَ خَبَرِ الِاسْتِدْلَالِ، إذَا أَخْبَرَ عَنْ مُشَاهَدَةِ جِبْرِيلَ - ﵇ -، وَخِطَابِهِ إيَّاهُ، وَأَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَإِلَى السَّمَاءِ، وَلَوْ كَانَ فِي الدُّنْيَا خَبَرٌ وَاحِدٌ يُوجِبُ عِلْمَ الضَّرُورَةِ لَكَانَ خَبَرُ النَّبِيِّ - ﵇ - أَوْلَى الْأَخْبَارِ بِذَلِكَ. فَلَمَّا عَدِمْنَا ذَلِكَ فِي أَخْبَارِ النَّبِيِّ - ﵇ -، عَلِمْنَا بُطْلَانَ قَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ.
[ ٣ / ٥٤ ]
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ يُرَى الرَّجُلُ يَمُرُّ بِبَابِ دَارِ الرَّجُلِ فَيَرَى جِنَازَةً مَنْصُوبَةً وَمُغَسَّلًا مَوْضُوعًا، وَيَسْمَعُ صُرَاخًا فِي الدَّارِ، فَيَسْأَلُ عَجُوزًا خَرَجَتْ مِنْ الدَّارِ عَنْ ذَلِكَ، فَتَقُولُ مَاتَ فُلَانٌ، فَلَا يَرْتَابُ السَّامِعُ بِخَبَرِهَا، وَلَا يَشُكُّ فِي قَوْلِهَا. وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ رَجُلٌ مَجْلِسًا حَافِلًا وَرَأَى رَجُلًا فِي الصَّدْرِ عَلَيْهِ قَلَنْسُوَةٌ طَوِيلَةٌ، فَيَسْأَلُ رَجُلًا مِنْ الْحَاضِرِينَ عَنْ الْجَالِسِ فِي الصَّدْرِ فَيَقُولُ: فُلَانٌ الْقَاضِي، فَلَا يَرْتَابُ السَّامِعُ بِخَبَرِهِ، وَلَا يَشُكُّ فِي قَوْلِهِ، فَعَلِمْنَا أَنَّ خَبَرَ هَؤُلَاءِ أَوْجَبَ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِصِحَّةِ مُخْبَرِهِمْ.
قِيلَ لَهُ: لَيْسَ هَذَا كَمَا ظَنَنْت، وَذَلِكَ لِأَنَّك لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ سُكُونِ النَّفْسِ إلَى الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِهِ وَلَا يَقِينِ الْعِلْمِ، وَقَدْ تَسْكُنُ نَفْسُ الْإِنْسَانِ إلَى الْأَشْيَاءِ ثُمَّ يَتَعَقَّبُهَا، فَيَجِدُهَا بِخِلَافِ مَا اعْتَقَدَ فِيهَا.
أَلَا تَرَى أَنَّ أَكْثَرَ الْمُبْطِلِينَ وَالْمُقَلِّدِينَ نُفُوسُهُمْ سَاكِنَةٌ إلَى اعْتِقَادَاتِهِمْ، وَلَيْسُوا عَلَى عِلْمٍ وَلَا يَقِينٍ، بَلْ عَلَى جَهْلٍ وَكُفْرٍ، ثُمَّ إذَا تَعَقَّبُوا اعْتِقَادَاتِهِمْ، وَنَظَرُوا فِيهَا مِنْ وَجْهِ النَّظَرِ، وَنَبَّهَهُمْ عَلَيْهِ مُنَبِّهٌ، عَلِمُوا فَسَادَ مَا هُمْ عَلَيْهِ، وَقَدْ يَسْهُو الرَّجُلُ فَيُصَلِّي الظُّهْرَ ثَلَاثًا وَيُسَلِّمُ، وَلَا يَشُكُّ أَنَّهُ قَدْ صَلَّاهَا أَرْبَعًا.
فَإِنْ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: إنَّمَا صَلَّيْت ثَلَاثًا، شَكَّ فِيمَا كَانَتْ نَفْسُهُ سَاكِنَةً إلَيْهِ، فَلَا اعْتِبَارَ إذًا بِسُكُونِ النَّفْسِ إلَى الشَّيْءِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ عِلْمًا لِلْيَقِينِ. وَعَلَى أَنَّا قَدْ نَرَى كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَتَعَمَّدُونَ هَذِهِ الْأَسْبَابَ الَّتِي ذَكَرْت أَنَّهَا إذَا قَارَبَتْ الْخَبَرَ أَوْ أَوْجَبَتْ عِلْمَ الِاضْطِرَارِ بِمُخْبَرِهِ وَيَكُونُ لَهُمْ فِيهَا أَغْرَاضٌ مَقْصُودَةٌ مِنْ خَوْفٍ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ مُجُونٍ وَخَلَاعَةٍ.
وَقَدْ بَلَغَنَا: أَنَّ أَبَا الْعِيرِ فِي أَيَّامِ الْمُتَوَكِّلِ قَدْ كَانَ يَتَعَمَّدُ بِكَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى
[ ٣ / ٥٥ ]
وَجْهِ الْمُجُونِ وَالْخَلَاعَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ إنْسَانًا لَوْ قَالَ لِهَذَا السَّائِلِ (عَنْ) الْعَجُوزِ الْخَارِجَةِ مِنْ الدَّارِ: إنَّ هَذِهِ الْعَجُوزَ قَدْ غَلِطَتْ أَوْ كَذَبَتْ، وَإِنَّمَا ظَنُّوا أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ مَاتَ فَأَحْضَرُوا الْجِنَازَةَ وَالْمُغْتَسَلَ، ثُمَّ تَبَيَّنُوهُ حَيًّا، أَوْ قَالَ هُوَ مَيْئُوسٌ مِنْهُ، وَلَمْ يَمُتْ، لِشَكِّ السَّائِلِ فِي خَبَرِهَا، وَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ يَقِينًا وَعِلْمًا ضَرُورِيًّا لَمَا جَازَ أَنْ يَتَعَقَّبَهُ بِضِدِّهِ، وَلَمَا جَازَ أَنْ يُوجَدَ أَمْرُهُ عَلَى خِلَافِ مَا اعْتَقَدَهُ.
فَإِنْ قَالَ: لِمَ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ إذَا أَخْبَرَتْ بِشَيْءٍ شَاهَدَتْهُ وَعَلِمَتْهُ ضَرُورَةً إنَّمَا يَقَعُ الْعِلْمُ لِسَامِعِهِ عِنْدَ قَوْلِ الْوَاحِدِ دُونَ جَمَاعَتِهِمْ، فَمَا أَنْكَرْت أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ مَتَى أَخْبَرَ أَوْجَبَ الْعِلْمَ بِقَوْلِهِ.
قِيلَ لَهُ: إنَّ الْجَمَاعَةَ إذَا أَخْبَرَتْ فَلَيْسَتْ تَخْلُو مِنْ أَنْ يَقَعَ لِلسَّامِعِ بِقَوْلِهَا عِلْمُ الِاضْطِرَارِ بِصِحَّةِ مُخْبَرِهَا، أَوْ عِلْمُ اكْتِسَابٍ، فَإِنْ أَوْجَبَ خَبَرُهَا عِلْمًا مُكْتَسَبًا فَلَيْسَ هَذَا الْعِلْمُ جَارِيًا بِقَوْلِ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ دُونَ الْجَمَاعَةِ.
وَقَوْلُ الْقَائِلِ فِي هَذَا الْقِسْمِ: إنَّ الْعِلْمَ حَادِثٌ مِنْ قَوْلِ الْوَاحِدِ خَطَأٌ، لِأَنَّ السَّامِعَ إنَّمَا اسْتَدَلَّ بِخَبَرِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صِحَّةِ الْخَبَرِ، فَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ جَارِيًا بِقَوْلِ الْوَاحِدِ، وَأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ أَوْجَبَ عِلْمَ الِاضْطِرَارِ، فَإِنْ كَانُوا يُخْبِرُونَ بِذَلِكَ مُجْتَمِعِينَ وَكَانُوا مِمَّنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ التَّوَاطُؤُ، فَالْعِلْمُ حَادِثٌ أَيْضًا عِنْدَ قَوْلِ جَمَاعَتِهِمْ، دُونَ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ، إذَا كَانُوا قَدْ عَلِمُوا مَا أَخْبَرُوا بِهِ ضَرُورَةً، وَإِنْ كَانُوا أَخْبَرُوا بِهِ مُتَفَرِّقِينَ، فَإِنْ أَحْدَثَ اللَّهُ بِهِ الْعِلْمَ عِنْدَ قَوْلِ أَحَدِهِمْ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ عَلَى هَذَا: جَوَّزُوا إحْدَاثَ اللَّهِ لَهُ الْعِلْمَ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ، إذَا انْفَرَدَ بِخَبَرِهِ دُونَ الْجَمَاعَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْهُ فِي الْأَخْبَارِ عَنْهُ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَجْرَى الْعَادَةَ بِإِحْدَاثِ الْعِلْمِ عِنْدَ خَبَرِ هَذَا الْوَاحِدِ إذَا تَقَدَّمَتْهُ جَمَاعَةٌ تُخْبِرُ بِمِثْلِ خَبَرِهِ، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِإِحْدَاثِ الْعِلْمِ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ مَتَى وُجِدَتْ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ أَوْجَبَ خَبَرُهَا الْعِلْمَ بِصِحَّةِ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ، وَأَنَّ الْوَاحِدَ الْمُنْفَرِدَ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِحُدُوثِ الْعِلْمِ بِخَبَرِهِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ (لَوْ) كَانَ يُوجِبُ عِلْمَ الضَّرُورَةِ عِنْدَ مُقَارَنَةِ الْأَسْبَابِ، لَجَازَ أَنْ تُخْبِرَ الْجَمَاعَةُ الْعَظِيمَةُ بِخَبَرٍ، فَلَا يَقَعُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ، إذَا لَمْ يُقَارِنْ خَبَرَهُمْ أَسْبَابٌ
[ ٣ / ٥٦ ]
تَقْتَضِي إيجَابَ الْعِلْمِ بِصِحَّتِهِ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَمَا أَمِنَّا أَنْ يَكُونَ بِبَغْدَادَ مَنْ قَدْ نَشَأَ فِيهَا، وَأَتَى عَلَيْهِ خَمْسُونَ سَنَةً، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ فِي الدُّنْيَا مَكَّةَ، وَالْمَدِينَةَ، وَالشَّامَ، وَمِصْرَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُقَارِنْ مَا سَمِعَهُ مِنْ الْأَخْبَارِ عَنْ هَذِهِ الْمَوَاضِيعِ أَسْبَابٌ تُوجِبُ لَهُ الْعِلْمَ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، وَهَذَا فَاسِدٌ قَدْ عُلِمَ بُطْلَانُهُ ضَرُورَةً، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ الَّتِي وَصَفْنَا حَالَهَا إنَّمَا يَقَعُ الْعِلْمُ عِنْدَ خَبَرِهَا بِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِأَنَّ مِثْلَهَا لَا يَجُوزُ وُجُودُ الْإِخْبَارِ مِنْهَا عَلَى أَمْرٍ شَاهَدَتْهُ وَعَرَفَتْهُ ضَرُورَةً، ثُمَّ لَا يَقَعُ لِسَمَاعِهِ ضَرُورَةُ الْعِلْمِ بِخَبَرِهَا.
وَجَرَيَانُ الْعَادَةِ أَيْضًا بِأَنَّ الْوَاحِدَ لَا يُوجِبُ ضَرُورَةَ الْعِلْمِ بِخَبَرِهِ بِحَالٍ، فَكَانَ أَمْرُ الْخَبَرَيْنِ جَمِيعًا مَحْمُولًا عَلَى مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ، وَعُرِفَ بِامْتِحَانِ أَحْوَالِ الْأَخْبَارِ وَالْمُخْبِرِينَ.
وَأَمَّا اعْتِبَارُ الِاثْنَيْ عَشْرَ، وَالْعِشْرِينَ، وَالسَّبْعِينَ، فَشَيْءٌ لَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعَارَضَ قَوْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَوْلِ الْآخَرِ، وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ أَيْضًا أَنْ يَعْتَبِرَ عَدَدًا أَقَلَّ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، أَوْ أَكْثَرَ فَلَا يُمْكِنُ لِقَائِلِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ الِانْفِصَالُ مِنْهُ، إذْ لَيْسَ فِي اقْتِصَارِهِ بِالْبَقَاءِ بِهِ عَلَى الِاثْنَيْ عَشْرَ، وَأَمْرِ الْعِشْرِينَ بِالْجِهَادِ، وَاخْتِيَارِ السَّبْعِينَ لِحُضُورِهِمْ مَعَ مُوسَى مَا يُوجِبُ تَعَلُّقَهُ بِالْأَخْبَارِ، إذْ لَيْسَ هُنَاكَ خَبَرٌ أُمِرُوا بِنَقْلِهِ دُونَ مَنْ أَقَلُّ مِنْهُمْ عَدَدًا، وَقَدْ يَلْزَمُ الْجِهَادُ الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ، وَجَازَ كَوْنُ النَّقِيبِ وَاحِدًا لِجَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ.
[ ٣ / ٥٧ ]