َ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَوْلُ الْقَائِلِ لِمَنْ دُونَهُ: افْعَلْ إذَا أَرَادَ بِهِ الْإِيجَابَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ حِينَ قَسَّمُوا
[ ٢ / ٧٩ ]
الْكَلَامَ جَعَلُوا الْأَمْرَ أَحَدَ أَقْسَامِهِ، وَقَالُوا هُوَ قَوْلُ الْقَائِلِ افْعَلْ كَمَا (ذَكَرُوا الْخَبَرَ) وَالِاسْتِخْبَارَ وَالطَّلَبَ. وَقَوْلُ الْقَائِلِ افْعَلْ يُسْتَعْمَلُ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ: عَلَى جِهَةِ إيجَابِ الْفِعْلِ (وَإِلْزَامِهِ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٨٩] ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وَنَحْوِهَا، وَعَلَى النَّدْبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] وَقَوْلِهِ ﴿وَأَحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وَعَلَى الْإِرْشَادِ إلَى الْأَوْثَقِ وَالْأَحْوَطِ لَنَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، (وَقَوْلِهِ) ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقَوْله تَعَالَى ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وقَوْله تَعَالَى
[ ٢ / ٨٠ ]
فِي (شَأْنِ) الرَّجْعَةِ ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وَعَلَى الْإِبَاحَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] . وقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، وَعَلَى التَّقْرِيعِ وَالتَّعْجِيزِ كَقَوْلِهِ ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] وقَوْله تَعَالَى ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣] وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] . وَعَلَى الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] . وقَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِك﴾ [الإسراء: ٦٤] . وَهَذِهِ الْوُجُوهُ كُلُّهَا تَكُونُ خِطَابًا مِنْ الْقَائِلِ لِمَنْ دُونَهُ. وَتَكُونُ عَلَى وَجْهِ الْمَسْأَلَةِ وَالطَّلَبِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا لِمَنْ فَوْقَهُ كَقَوْلِنَا: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَلَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ اللُّغَةِ وَأَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيعِ أَوْ الْوَعِيدِ أَوْ الْمَسْأَلَةِ لَا يُسَمَّى أَمْرًا وَإِنْ كَانَتْ صُورَتُهُ صُورَةَ الْأَمْرِ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ: " افْعَلْ " إذَا كَانَ نَدْبًا أَوْ إبَاحَةً أَوْ إشَارَةً، هَلْ يُسَمَّى أَمْرًا، بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ إذَا أَرَادَ الْإِيجَابَ كَانَ أَمْرًا. فَقَالَ قَائِلُونَ: جَمِيعُ ذَلِكَ يُسَمَّى أَمْرًا وَلَيْسَ وُرُودُهُ مُطْلَقًا أَوْلَى بِأَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ مِنْهُ بِالْآخَرِ وَجَمِيعُهُ يُسَمَّى أَمْرًا.
وَقَالَ آخَرُونَ: حَقِيقَةُ الْأَمْرِ مَا كَانَ إيجَابًا وَمَا عَدَاهُ فَلَيْسَ بِأَمْرٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَإِنْ
[ ٢ / ٨١ ]
أُجْرِيَ عَلَيْهِ الِاسْمُ فِي حَالٍ كَانَ مَجَازًا، (وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُولُ أَبُو الْحَسَنِ - ﵀ - فِي ذَلِكَ، وَهَذَا) الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَكُونَ لِلْإِيجَابِ صِيغَةٌ فِي اللُّغَةِ تَخْتَصُّ بِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَالضَّرُورَةُ دَاعِيَةٌ لِأَهْلِ كُلِّ لُغَةٍ إلَى أَنْ (يَكُونَ) فِي لُغَتِهِمْ صِيغَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلْأَمْرِ الَّذِي هُوَ إيجَابٌ كَمَا أَنَّ بِهِمْ ضَرُورَةً إلَى أَنْ يَكُونَ مِنْهَا لَفْظٌ مَوْضُوعٌ لِلْخَبَرِ وَلَفْظٌ مَوْضُوعٌ لِلِاسْتِخْبَارِ وَلَفْظٌ مَوْضُوعٌ لِلْعُمُومِ وَكَمَا سَمَّى الْأَجْنَاسَ وَنَحْوَهَا.
فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي لُغَتِهِمْ لَفْظٌ مَوْضُوعٌ لِإِيجَابِ الْمَأْمُورِ بِهِ، فَثَبَتَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ لِمَنْ دُونَهُ افْعَلْ هُوَ: لَفْظُ الْأَمْرِ الْمَوْضُوعُ لِلْإِيجَابِ. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَقِيقَتَهُ الْإِيجَابُ: أَنَّ كُلَّ وَاجِبٍ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُهُ بِهَذَا اللَّفْظِ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ عِنْدَ الْجَمِيعِ، وَأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَنْتَفِيَ ذَلِكَ عَنْهُ، وَالنَّدْبُ وَالْإِبَاحَةُ قَدْ يَنْتَفِي عَنْهُمَا
[ ٢ / ٨٢ ]
ذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ وَصَوْمِ (شَهْرِ) رَمَضَانَ كَانَ صَادِقًا، وَلَوْ قَالَ: لَمْ يَأْمُرْنَا اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ كَانَ كَاذِبًا (خَارِجًا) مِنْ الْمِلَّةِ، وَ(لَوْ) قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَك فِي هَذَا الْوَقْتِ بِصَلَاةِ تَطَوُّعٍ أَوْ صَدَقَةِ نَفْلٍ أَوْ بِالِاصْطِيَادِ أَوْ بِالشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ لَمْ يَكُنْ مُصِيبًا فِي قَوْلِهِ، وَكَانَ وَاضِعًا لِلْأَمْرِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ. وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لَيْسَ عَلَيْهِ صَلَاةٌ وَلَا صَدَقَةٌ: مَا أَمَرَنِي اللَّهُ تَعَالَى بِفِعْلِ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ كَانَ مُصِيبًا فِي قَوْلِهِ، فَلَمَّا كَانَ إطْلَاقُ لَفْظِ الْأَمْرِ مُمْتَنِعًا فِي النَّوَافِلِ وَالْمُبَاحَاتِ عَلَى الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَا غَيْرَ مُنْتَفٍ عَنْ الْفُرُوضِ وَالْوَاجِبَاتِ بِحَالٍ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْأَمْرِ يَخْتَصُّ بِالْإِيجَابِ حَقِيقَةً، وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ أَمْرًا مَتَى لَمْ يُصَادِفْ وَاجِبًا. وَيَدُلُّ (عَلَى ذَلِكَ) أَيْضًا أَنَّ الْعَرَبِيَّ يُسَمِّي تَارِكَ الْأَمْرِ عَاصِيًا، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ مُوسَى - ﵇ - ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٣]، وَقَالَ تَعَالَى لِإِبْلِيسَ ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] وَمِنْهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ
أَمَرْتُهُمْ أَمْرِي بِمُنْعَرِجِ اللِّوَى فَلَمْ يَسْتَبِينُوا الرُّشْدَ إلَّا ضُحَى الْغَدِ
فَلَمَّا عَصَوْنِي كُنْتُ مِنْهُمْ وَقَدْ أَرَى غِوَايَتَهُمْ وَأَنَّنِي غَيْرُ مُهْتَدِي
فَسَمَّى تَارِكَ الْأَمْرِ عَاصِيًا وَسِمَةُ الْعِصْيَانِ لَا تَلْحَقُ إلَّا تَارِكَ الْوَاجِبَاتِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْأَمْرِ مُخْتَصٌّ بِالْإِيجَابِ.
[ ٢ / ٨٣ ]