قَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَانَ أَبُو الْحَسَنِ - ﵀ - يَقُولُ الْمُحْكَمُ (مَا) لَا يَحْتَمِلُ إلَّا وَجْهًا وَاحِدًا وَالْمُتَشَابِهُ مَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُمَا.
[ ١ / ٣٧٣ ]
وَسَبِيلُ الْمُتَشَابِهِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمُحْكَمِ وَيُرَدَّ إلَيْهِ وَذَلِكَ فِي الْفِقْهِ كَثِيرٌ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ وَبِالتَّشْدِيدِ.، فَمَنْ قَرَأَ بِالتَّخْفِيفِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ عَقْدَ الْيَمِينِ وَاحْتَمَلَ أَنْ يُرِيدَ بِهِ اعْتِقَادَ الْقَلْبِ بِأَنْ يَكُونَ قَاصِدًا إلَى الْيَمِينِ فَيَكُونَ تَقْدِيرُهُ لِمَا قَصَدْتُمُوهُ مِنْ الْأَيْمَانِ. وَتَقْدِيرُ الْأَوَّلِ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِالْيَمِينِ الْمَعْقُودَةِ، هِيَ الَّتِي تُعْقَدُ عَلَى حَالٍ مُسْتَقْبَلَةٍ فَقِرَاءَةُ التَّشْدِيدِ لَا تَحْتَمِلُ إلَّا وَجْهًا وَاحِدًا وَقِرَاءَةُ التَّخْفِيفِ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ. فَوَجَبَ حَمْلُ مَا احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ عَلَى مَا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا وَجْهًا وَاحِدًا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْك الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] فَجَعَلَ الْمُحْكَمَ أُمًّا لِلْمُتَشَابِهِ وَأُمُّ الشَّيْءِ هِيَ مِنْهَا ابْتِدَاؤُهُ وَإِلَيْهَا مَرْجِعُهُ. قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ:
[ ١ / ٣٧٤ ]
الْأَرْضُ مَعْقِلُنَا وَكَانَتْ أُمَّنَا فِيهَا مَقَابِرُنَا وَفِيهَا نُوأَدُ
فَسَمَّاهَا أُمًّا لَنَا مِنْ حَيْثُ كَانَ مِنْهَا ابْتِدَاءُ خَلْقِنَا وَإِلَيْهَا مَرْجِعُنَا.
وَنَظِيرُهُ أَيْضًا قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ فَمَنْ قَرَأَهَا بِالتَّخْفِيفِ أَرَادَ انْقِطَاعَ الدَّمِ لَا يَحْتَمِلُ اللَّفْظُ غَيْرَهُ وَمَنْ قَرَأَهَا بِالتَّشْدِيدِ كَانَ مُحْتَمِلًا لِانْقِطَاعِ الدَّمِ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ طَهُرَتْ الْمَرْأَةُ وَتَطَهَّرَتْ بِمَعْنًى وَاحِدٍ فَاحْتَمَلَ أَيْضًا الِاغْتِسَالَ فَلَمَّا احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى مَا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا وَجْهًا وَاحِدًا وَهُوَ انْقِطَاعُ الدَّمِ.
وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ - ﵀ - يَقُولُ أَيْضًا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] إنَّ قِرَاءَةَ النَّصْبِ لَا تَحْتَمِلُ إلَّا عَطْفَهَا عَلَى الْغَسْلِ وَقِرَاءَةَ الْخَفْضِ تَحْتَمِلُ عَطْفَهَا عَلَى الْغَسْلِ وَتَكُونُ مَخْفُوضَةً بِالْمُجَاوَرَةِ وَيُحْتَمَلُ (عَطْفُهَا) عَلَى الْمَسْحِ.
[ ١ / ٣٧٥ ]
فَلَمَّا احْتَمَلَتْ قِرَاءَةُ الْخَفْضِ وَجْهَيْنِ وَلَمْ تَحْتَمِلْ قِرَاءَةُ النَّصْبِ إلَّا وَجْهًا وَاحِدًا وَجَبَ أَنْ تَكُونَ قِرَاءَةُ مَعْنَى الْخَفْضِ مَحْمُولَةً عَلَى قِرَاءَةِ النَّصْبِ فَتَكُونُ الرِّجْلُ مَغْسُولَةً.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: ذَكَرْت أَنَّ الْمُتَشَابِهَ مَا يَحْتَمِلُ الْوُجُوهَ وَالْمُحْكَمَ مَا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا وَجْهًا وَاحِدًا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] فَسَمَّى الْجَمِيعَ مُتَشَابِهًا وَلَيْسَ الْجَمِيعُ مُحْتَمِلًا لِلْوُجُوهِ.
قِيلَ لَهُ: قَدْ بَيَّنَ فِي آيَةٍ أُخْرَى أَنَّ بَعْضَهُ مُتَشَابِهٌ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] فَجَعَلَ الْبَعْضَ مُتَشَابِهًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] أَنَّ بَعْضَهُ مُتَشَابِهٌ كَمَا قَالَ مَثَانِيَ وَإِنَّمَا بَعْضُهُ مَثَانِي لَا جَمِيعُهُ وَهِيَ سُوَرٌ مَعْدُودَةٌ. وَقِيلَ إنَّهُ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُك﴾ [الأنعام: ٦٦] وَالْمُرَادُ بَعْضُهُمْ وَكَقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - «اللَّهُمَّ اُشْدُدْ وَطْأَتَك عَلَى مُضَرَ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» وَإِنَّمَا أَرَادَ كُفَّارَ مُضَرَ دُونَ مُؤْمِنِيهِمْ.
[ ١ / ٣٧٦ ]
وَأَيْضًا: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ مُتَشَابِهًا أَيْ مُتَمَاثِلًا غَيْرَ مُخْتَلِفِ الْمَعْنَى اخْتِلَافَ تَضَادٍّ وَإِنْ اخْتَلَفَ اللَّفْظُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] يَعْنِي اخْتِلَافَ التَّضَادِّ وَلَيْسَ ذَلِكَ مَوْجُودًا فِي الْقُرْآنِ بَلْ كُلُّهُ مُتَّفِقُ الْمَعْنَى فِي الْإِتْقَانِ.
وَالْحِكْمَةُ وُجْهَةُ الدَّلَالَةِ وَيَكُونُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] (مَعْنَاهُ) مُتَشَابِهَاتٌ فِي الظَّاهِرِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْمُحْكَمَ مِنْ وَجْهٍ وَيُشْبِهُ غَيْرَهُ مِنْ وَجْهٍ (فَيَجِبُ) حِينَئِذٍ حَمْلُهُ عَلَى مَا يُوَافِقُ الْمَعْنَى وَيُشْبِهُهُ دُونَ مَا يُخَالِفُهُ وَكَذَلِكَ يَجِبُ هَذَا الِاعْتِبَارُ فِي كُلِّ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ الْمُتَشَابِهِ فِي ذِكْرِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَفْعَالِهِ مِمَّا يَحْتَمِلُ فِي اللُّغَةِ مَعْنَيَيْنِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُحْكَمِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ إلَّا مَعْنًى وَاحِدًا وَكَذَلِكَ مَا احْتَمَلَ مِنْ ذَلِكَ مَعْنَيَيْنِ وَأَحَدُهُمَا يُجَوِّزُهُ الْعَقْلُ، وَالثَّانِي لَا يُجَوِّزُهُ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَجُوزُ فِي الْعَقْلِ (دُونَ مَا لَا يَجُوزُ) لِأَنَّ الْعَقْلَ أَصْلٌ، وَهُوَ حُجَّةُ اللَّهِ تَعَالَى يَجِبُ بِهِ اعْتِبَارُ مَا يَجُوزُ مِمَّا لَا يَجُوزُ.
[ ١ / ٣٧٧ ]