قَالَ أَبُو بَكْرٍ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْخِيرِ الْبَيَانِ. فَقَالَ قَائِلُونَ: غَيْرُ جَائِزٍ تَأْخِيرُ بَيَانِ اللَّفْظِ الَّذِي يُمْكِنُ إجْرَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ غَيْرَ الظَّاهِرِ، وَمَنَعُوا أَيْضًا جَوَازَ تَأْخِيرِ بَيَانِ الْمُجْمَلِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيَانِ الظَّاهِرِ وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيَانِ الْمُجْمَلِ إذَا كَانَ اللَّفْظُ مُؤَدِّيًا بِبَيَانٍ يَرِدُ فِي الثَّانِي. نَحْوُ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَعْطِ زَيْدًا حَقَّهُ إذَا بَيَّنَهُ (لَهُ) . وَامْتَنَعُوا مِنْ إجَازَتِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَفْظُ (الْإِجْمَالِ مُظْهَرًا) فِيهِ فَقَالُوا فِي نَحْوِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُرَادُ بِهِمَا صَلَاةً أَوْ زَكَاةً مَعْهُودَةً أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ فِي مِثْلِهِ عَنْ حَالِ وُرُودِهِ، إذْ لَيْسَ مَعَهُ مَا يُوجِبُ تَعْلِيقَهُ بِبَيَانٍ يَرِدُ فِي الثَّانِي.
وَقَالَ آخَرُونَ: يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْوُجُوهِ سَوَاءٌ كَانَ اللَّفْظُ مُكْتَفِيًا بِنَفْسِهِ فِي إفَادَةِ حُكْمِهِ أَوْ كَانَ مُجْمَلًا مَوْقُوفَ الْحُكْمِ عَلَى بَيَانٍ مِنْ غَيْرِهِ.
[ ٢ / ٤٧ ]
وَقَالَ آخَرُونَ: مَا كَانَ مُجْمَلًا لَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُ حُكْمِهِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ اللَّفْظُ فِي نَفْسِهِ مُجْمَلًا إلَّا أَنَّهُ قُرِنَ بِهِ مَا يُوجِبُ إجْمَالَهُ وَيَمْنَعُ اسْتِعْمَالَ حُكْمِهِ فَجَائِزٌ تَأْخِيرُ بَيَانِهِ عَنْ وَقْتِ وُرُودِهِ سَوَاءٌ كَانَ اللَّفْظُ مُؤَدِّيًا بِبَيَانٍ يَرِدُ فِي الثَّانِي أَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَا أَمْكَنَ اسْتِعْمَالُ حُكْمِهِ فَغَيْرُ جَائِزٍ تَأْخِيرُ بَيَانِ خُصُوصِهِ - إنْ كَانَ الْمُرَادُ الْخُصُوصَ - عَنْ حَالِ إيقَاعِ الْخِطَابِ وَالْفَرَاغِ مِنْهُ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الَّذِي أَحْفَظُهُ عَنْ (شَيْخِنَا) أَبِي الْحَسَنِ - ﵀ - جَوَازَ تَأْخِيرِ بَيَانِ الْمُجْمَلِ وَامْتِنَاعَهُ فِيمَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُ حُكْمِهِ. وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ فِي اللَّفْظِ (الْمُطْلَقِ) إذَا أَرَادَ بِهِ الْمُخَاطَبُ غَيْرَ الْحَقِيقَةِ فَغَيْرُ جَائِزٍ تَأْخِيرُ بَيَانِ مُرَادِهِ.
وَهَذَا الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ هُوَ عِنْدِي مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ
[ ٢ / ٤٨ ]
الزِّيَادَةَ فِي النَّصِّ نَسْخًا إذَا وَرَدَتْ مُتَرَاخِيَةً عَنْهُ (وَلَا يُجَوِّزُونَهَا) إلَّا بِمِثْلِ مَا يَجُوزُ بِهِ النَّسْخُ نَحْوُ إيجَابِ النَّفْيِ مَعَ الْجَلْدِ، وَشَرْطِ الْإِيمَانِ فِي رَقَبَةِ الظِّهَارِ، وَالنِّيَّةِ فِي الطَّهَارَةِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَى ذَلِكَ. وَلَوْ جَازَ عِنْدَهُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ فِي مِثْلِهِ لَمَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ عِنْدَهُمْ نَسْخًا (بَلْ) كَانَ يَكُونُ بَيَانًا لِأَنَّ الْمَذْكُورَ بَدْءًا بَعْضُ الْفَرْضِ لَا جَمِيعُهُ، وَقَدْ أَجَازُوا (مِثْلَ) هَذِهِ الزِّيَادَةِ فِي الْمُجْمَلِ بِالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ النِّيَّةَ فِي الصَّوْمِ وَلَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ نَسْخَهُ بَلْ كَانَتْ
[ ٢ / ٥٠ ]
عَلَى وَجْهِ الْبَيَانِ، لِأَنَّ اللَّفْظَ لَمَّا كَانَ مُجْمَلًا مُفْتَقِرًا إلَى الْبَيَانِ بِكُلِّ مَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَشْرُوطٌ فِيهِ مِنْ جِهَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ أَوْ الْقِيَاسِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ وُجُوهِ الْأَدِلَّةِ فَهُوَ مُرَادٌ بِاللَّفْظِ وَيَصِيرُ اللَّفْظُ عِبَارَةً عَنْهُ، فَكَانَ ثُبُوتُ ذَلِكَ فِيهِ عَلَى جِهَةِ بَيَانِ الْمُرَادِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى امْتِنَاعِ جَوَازِ تَأْخِيرِ بَيَانِ مَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُ حُكْمِهِ عَلَى مَا وَرَدَ فِيهِ: أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَنَا صِحَّةُ الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ وَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا إذَا كَانَ (هَذَا) هَكَذَا اعْتِقَادُ حُكْمِ اللَّفْظِ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ عُمُومٍ (وَ) حَقِيقَةٍ، فَغَيْرُ جَائِزٍ إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصَ أَوْ الْمَجَازَ تَأْخِيرُ بَيَانِهِ عَنْ حَالِ الْخِطَابِ بِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَلْزَمَنَا اعْتِقَادَ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ وَلُزُومَ حُكْمِهِ عَلَى خِلَافِ مُرَادِهِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَ(لَا) عَلَى رَسُولِهِ - ﷺ - وَلِأَنَّهُ إذَا أَوْجَبَ عَلَيْنَا اعْتِقَادَهُ بِنَفْسِ ظُهُورِ اللَّفْظِ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ عُمُومٍ أَوْ حَقِيقَةٍ فَقَدْ أَجَازَ لَنَا الْإِخْبَارَ عَنْهُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ الْبَعْضَ أَوْ غَيْرَ الْحَقِيقَةِ فَقَدْ أَجَازَ لَنَا الْكَذِبَ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ الشَّيْءِ بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، فَلَا يَنْفَكُّ الْقَائِلُ بِتَأْخِيرِ بَيَانِ مَا هَذَا وَصْفُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا تَرْكُ الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ وَالظَّاهِرِ. أَوْ إجَازَةُ مَجِيءِ الْعِبَادَةِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِاعْتِقَادِ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ وَالْإِخْبَارِ عَنْهُ بِذَلِكَ وَكِلَاهُمَا مَنْفِيَّانِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ إرَادَةَ التَّخْصِيصِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ فَكَمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَرَاخَى الِاسْتِثْنَاءُ عَنْ الْجُمْلَةِ بِأَنْ يَقُولَ ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [العنكبوت: ١٤] ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ مُدَّةٍ ﴿إلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ الْعُمُومِ إذَا أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ أَلَّا يَتَأَخَّرَ بَيَانُهُ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِمَا جَمِيعًا:
[ ٢ / ٥١ ]
أَنَّ) تَأْخِيرَ بَيَانِهِمَا يُؤَدِّي إلَى جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِاعْتِقَادِ الشَّيْءِ عَلَى خِلَاف مَا هُوَ بِهِ.
وَأَيْضًا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] وَقَالَ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]، وَفِي مُخَاطَبَاتِ الْحُكَمَاءِ أَنَّ الْكَلَامَ إذَا انْقَطَعَ ضَرْبًا مِنْ الِانْقِطَاعِ يُعْرَفُ بِهِ الْفَرَاغُ مِنْهُ أَنَّهُ يَجِبُ اعْتِقَادُ مُوجِبِهِ غَيْرَ مُنْتَظَرٍ بِهِ وُرُودُ بَيَانٍ فِي الثَّانِي يَنْفِي بَعْضَ مُوجِبِهِ، كَمَا يُعْقَلُ مِثْلُهُ فِي الْإِعْدَادِ إذَا عُرِّيَتْ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ، فَلَوْ أَنَّ مُتَكَلِّمًا أَطْلَقَ لَفْظَ عُمُومٍ أَوْ عَدَدًا مَعْلُومَ الْمِقْدَارِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ: أَرَدْت بَعْضَ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ حَكَمُوا عَلَيْهِ بِالْكَذِبِ فِي مَقَالَتِهِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِأَلْفٍ (دِرْهَمٍ) ثُمَّ قَالَ بَعْدَ زَمَانٍ: أَرَدْت تِسْعَمِائَةٍ، وَلَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمَا اُسْتُنْكِرَ عَلَى أَحَدٍ كَذِبٌ أَبَدًا، لِأَنَّ كُلَّ مَا يَنْفِي بِهِ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ (مَا أَرَدْتُهُ) بِاللَّفْظِ أَوْ أَرَدْت نَفْيَهُ بِشَرْطٍ، فَلَمَّا كَانَ جَوَازُ ذَلِكَ مَنْفِيًّا عَنْ مُخَاطَبَاتِنَا فِيمَا بَيْنَنَا وَجَبَ أَنْ يَنْتَفِيَ عَنْ خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى (وَخِطَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵇ - لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى) إنَّمَا خَاطَبَنَا بِمَا هُوَ فِي لُغَتِنَا وَتَعَارُفِنَا.
فَإِنْ قَالَ (قَائِلٌ): يَلْزَمُك مِثْلُهُ فِي النَّسْخِ لِأَنَّ كُلَّ مَا وَرَدَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ رَسُولِهِ - ﷺ - فَوَاجِبٌ عَلَيْنَا اعْتِقَادُ بَقَاءِ حُكْمِهِ، ثُمَّ لَا يَمْتَنِعُ مَعَ ذَلِكَ وُرُودِ نَسْخِهِ، كَذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَلْزَمَنَا اعْتِقَادُ الْعُمُومِ مَا لَمْ يَرِدْ بَيَانُ الْخُصُوصِ.
[ ٢ / ٥٢ ]
قِيلَ لَهُ: هَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ كُلَّ مَا حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَرَسُولُهُ - ﷺ - وَهُوَ مِمَّا يَجُوزُ نَسْخُهُ وَتَبْدِيلُهُ فَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْتَقِدَ بَقَاءَهُ مَا دَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - حَيًّا، بَلْ يَجِبُ عَلَيْنَا اعْتِقَادُ جَوَازِ نَسْخِهِ مَا بَقِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَإِذَا وَرَدَ النَّسْخُ فَإِنَّمَا وَرَدَ مَا كَانَ فِي اعْتِقَادِنَا عِنْدَ وُرُودِ الْفَرْضِ الْمُتَقَدِّمِ.
وَقَدْ احْتَجَّ بَعْضُ مَنْ صَنَّفَ فِي هَذَا الْبَابِ لِامْتِنَاعِ جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ فِيمَا كَانَ وَصْفُهُ مَا ذَكَرْنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْك مِنْ رَبِّك﴾ [المائدة: ٦٧] قَالَ: فَقَدْ أَمَرَهُ بِالتَّبْلِيغِ وَالْبَيَانِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ لِأَنَّ فِي تَأْخِيرِهِ مُخَالَفَةَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالنَّبِيُّ - ﷺ - أَبْعَدُ النَّاسِ مِنْ ذَلِكَ.
وَهَذَا لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى مَا ذُكِرَ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] إنَّمَا يَقْتَضِي الْمُنَزَّلَ بِعَيْنِهِ وَالْمُنَزَّلُ مُبَيَّنٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ إظْهَارَهُ وَتَرْكَ كِتْمَانِهِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بَيَانَ الْخُصُوصِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ احْتَاجَ أَنْ يُثْبِتَ أَوَّلًا أَنَّ الْبَيَانَ مِمَّا نَزَلَ إلَيْهِ حَتَّى يُبَيِّنَ، وَكَلَامُنَا مَعَ الْمُخَالِفِ فِي: هَلْ جَائِزٌ أَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ تَعَالَى بَيَانَ الْعُمُومِ (إذَا كَانَ مُرَادُهُ الْخُصُوصَ) وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ امْتِنَاعُهُ فَلَا مَعْنَى لِلِاحْتِجَاجِ بِهَا فِي ذَلِكَ. وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بَيَانَ الْخُصُوصِ لَمَا دَلَّتْ عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ كَمَا تَقُولُ: أَعْطَيْتُك هَذِهِ الدَّرَاهِمَ لِتَشْتَرِي بِهَا ثَوْبًا أَوْ لِتُنْفِقَهَا عَلَى نَفْسِك لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى إرَادَةِ ذَلِكَ فِي الْحَالِ.
[ ٢ / ٥٣ ]
وَأَيْضًا: فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُرَادَ لِتُبَيِّنَ مَا أُمِرْت بِبَيَانِهِ فَيَحْتَاجُ إلَى (أَنْ) يُثْبِتَ أَوَّلًا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْبَيَانِ عَلَى الْفَوْرِ إذْ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَكَرَ هَذَا الْقَائِلُ فِي امْتِنَاعِ جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْك مِنْ رَبِّك﴾ [المائدة: ٦٧] فَعَلَيْهِ أَنْ يُثْبِتَ أَوَّلًا أَنَّ الْبَيَانَ مِمَّا (قَدْ) أُنْزِلَ إلَيْهِ حَتَّى يُبَيِّنَهُ، لِأَنَّ مَنْ يُخَالِفُ فِي هَذَا مُجَوِّزٌ أَنْ يُنَزِّلَ اللَّه تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - عُمُومَ حُكْمٍ وَمُرَادُهُ الْخُصُوصُ ثُمَّ يُؤَخِّرُ بَيَانَهُ عَنْهُ. وَاحْتَجَّ بَعْضُ مَنْ أَجَازَ الْبَيَانَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَقْلِ زَعْمُ إحَالَةِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مَصْلَحَتِنَا أَنْ يُخَاطِبَنَا بِالْعُمُومِ فَنَعْتَقِدُهُ ثُمَّ يُبَيِّنُهُ لَنَا فِي الثَّانِي.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَفَسَادُ هَذَا الْكَلَامِ وَانْحِلَالُهُ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَخْفَى عَلَى ذِي بَصِيرَةٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ادَّعَى أَوَّلًا أَنَّ فِي الْعَقْلِ يَجُوزُ ذَلِكَ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مَصْلَحَتِنَا أَنْ يُخَاطِبَنَا بِالْعُمُومِ فَنَعْتَقِدُهُ ثُمَّ يُبَيِّنُهُ لَنَا فِي الثَّانِي.
وَقَائِلُ هَذَا لَا يَدْرِي أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تَكُونَ
الْمَصْلَحَةُ
(فِي) أَنْ يَتَعَبَّدَنَا بِخِلَافِ مُرَادِهِ وَأَنْ يُبِيحَ لَنَا الْإِخْبَارَ عَنْ الشَّيْءِ بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ، فَرَامَ هَذَا الْقَائِلُ إثْبَاتَ تَجْوِيزِ كَوْنِ
الْمَصْلَحَةِ
فِي مَجِيءِ الْعِبَادَةِ بِهِ بِأَنْ يَجُوزَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُتَعَبَّدَ بِخِلَافِ مُرَادِهِ، وَبِاعْتِقَادِ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ فَانْتَظَمَ أَمْرَيْنِ كِلَاهُمَا مَنْفِيٌّ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى. أَحَدُهُمَا: تَجْوِيزُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ (يَتَعَبَّدَنَا بِالْجَهْلِ) لِأَنَّ اعْتِقَادَ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ جَهْلٌ.
[ ٢ / ٥٤ ]
وَالثَّانِي: تَجْوِيزُهُ أَنْ يَتَعَبَّدَنَا بِالْكَذِبِ، ثُمَّ إنَّهُ بَنَى عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الْفَاسِدِ الَّذِي أَصَّلَهُ فِي التَّجْوِيزِ وُجُودَ مَا ادَّعَاهُ فِي جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ فِي زَعْمِهِ، وَاحْتَجَّ فِيهِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إلَيْك وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] قَالَ: وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: تِلَاوَتُهُ. وَالْآخَرُ: بَيَانُهُ. قَالَ: وَهُوَ عَلَى الْأَمْرَيْنِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: (أَنَّهُ) إنْ سَلِمَ لَهُ مَا (قَدْ) ادَّعَاهُ مِنْ التَّأْوِيلِ مِنْ أَنَّ وَحْيَهُ بَيَانُهُ كَانَ ذَلِكَ فِيمَا يَقْتَضِي الْبَيَانَ وَيَحْتَاجُ إلَيْهِ، فَأَمَّا اللَّفْظُ الْمُكَتَّفِي بِنَفْسِهِ عَنْ الْبَيَانِ فَلَمْ تَتَنَاوَلْهُ الْآيَةُ. وَالْآخَرُ: أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْعَجَلَةِ (بِهِ) قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ جَمِيعِهِ لِأَنَّ بَيَانَ الْقَوْلِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْفَرَاغِ مِنْهُ وَبُلُوغُ آخِرِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ يُعَلَّقُ تَارَةً بِشَرْطٍ (وَ) يُوصَلُ بِاسْتِثْنَاءِ وَبِلَفْظِ التَّخْصِيصِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ فِيمَا كَانَ هَذَا وَصْفَهُ وَيَكُونُ مَعْنَاهُ مُوَافِقًا لِمَا قُلْنَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إلَيْك بَيَانُهُ مُتَّصِلًا بِالْكَلَامِ. وَيُقَالُ لِلْمُحْتَجِّ بِهَذَا: مَا مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾ [طه: ١١٤] عِنْدَك؟ أَرَادَ بِهِ أَنْ (لَا) يَتْلُوَهُ أَوْ أَرَادَ أَنْ (لَا) يَعْتَقِدَ حُكْمَهُ عَلَى مَا وَرَدَ حَتَّى نُبَيِّنَ لَك مَعْنَاهُ. فَإِنْ قَالَ: أَرَادَ التِّلَاوَةَ. قِيلَ لَهُ: فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ كَانَ جَائِزًا لَهُ التِّلَاوَةُ إذَا حَصَلَ الْفَرَاغُ مِنْهُ بِانْقِطَاعِ الْكَلَامِ.
[ ٢ / ٥٥ ]
فَإِنْ قَالَ: أَرَادَ (أَنْ) لَا يَعْتَقِدَهُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُهُ فَإِنَّ هَذَا يُمْنَعُ (مِنْ) اعْتِقَادِ الْعُمُومِ فِيهِ وَلَيْسَ هَذَا كَذَلِكَ.
وَهَذَا لَوْ صَحَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَدِلَّ بِهِ مَنْ يَقِفُ فِي الْعُمُومِ وَأَنْتَ تَقُولُ إنِّي أَعْتَقِدُ الْعُمُومَ فِيهِ مَا لَمْ يَرِدْ بَيَانُهُ، فَقَدْ خَالَفْت قَوْلَهُ ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾ [طه: ١١٤] عَلَى مَعْنَاهُ عِنْدَك، وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يُوجِبُ أَنْ لَا يَعْتَقِدَ النَّبِيُّ - ﷺ - الْعُمُومَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ إلَى آخِرِ عُمُرِهِ، لِأَنَّ تَأْخِيرَ بَيَانِ جَمِيعِهِ يَجُوزُ عِنْدَك. وَكُلَّمَا بُيِّنَ لَهُ شَيْءٌ فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ بَيَانٌ آخَرُ وَالْبَيَانُ نَفْسُهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ الْقُرْآنِ فَيَكُونُ مَوْقُوفًا أَيْضًا عَلَى بَيَانٍ آخَرَ، وَهَذَا فَاسِدٌ لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ. وَاحْتَجَّ أَيْضًا: بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] وَثُمَّ لِلتَّرَاخِي فَيُقَالُ لَهُ: مَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا فِيمَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْبَيَانِ وَالْقَوْلُ الْمُكَتَّفِي بِنَفْسِهِ فِي إفَادَةِ الْحُكْمِ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلَى الْبَيَانِ. فَمَا الدَّلَالَةُ فِي الْآيَةِ عَلَى جَوَازِ (كَوْنِهِ) بَيَانًا حَتَّى يَجُوزَ تَأْخِيرُهُ.
وَأَيْضًا: مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بَيَانَ جَمِيعِ مَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْبَيَانُ أَيْضًا مُفْتَقِرًا إلَى بَيَانٍ. وَكَذَلِكَ الثَّانِي وَالثَّالِثُ إلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَهَذَا فَاسِدٌ فَدَلَّ أَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ بَعْضِ الْقُرْآنِ وَذَلِكَ الْبَعْضُ هُوَ الْمُجْمَلُ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ فَسَقَطَ اسْتِدْلَالُهُ بِالْآيَةِ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ بَيَانِ الظَّاهِرِ. وَأَيْضًا: فَإِذَا كَانَ مَعْلُومًا مَعَ وُرُودِ الْآيَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ بَعْضِ الْقُرْآنِ صَارَ تَقْدِيرُهَا (ثُمَّ) إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَ بَعْضِهِ فَيَحْتَاجُ إلَى دَلَالَةٍ أُخْرَى عَلَى مَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْبَعْضِ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يُؤَخِّرُ بَيَانَهُ.
وَقَالَ هَذَا الرَّجُلُ أَيْضًا: لَمَّا كَانَ (تَأْخِيرُ) بَيَانِ الْجُمْلَةِ جَازَ مِثْلُهُ فِي الْعُمُومِ وَلَا فَرْقَ،
[ ٢ / ٥٦ ]
وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبَيِّنَ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ بِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.
وَهَذَا الْكَلَامُ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ جَوَابًا وَلَا زِيَادَةً أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُقَالَ لَهُ: وَلِمَ قُلْت إنَّ هَذَا مِثْلُ بَيَانِ الْجُمْلَةِ؟ . ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ فِي الْجُمْلَةِ لَمْ يَدْرِ مَا الِاعْتِقَادُ وَفِي الْعُمُومِ يَدْرِي. قَالَ: فَإِنَّهُمَا قَدْ اجْتَمَعَا فِي أَنَّ سَارِقًا يُقْطَعُ وَأَنَّ كُلَّ سَارِقٍ يُقْطَعُ.
وَقَالَ (وَ) أَيْضًا فَإِذَا جَازَ أَنْ يُؤَخَّرَ بَيَانُ مَا لَا يُدْرَى مَا هُوَ كَانَ بَيَانُ مَا يُدْرَى أَوْلَى أَنْ يُؤَخَّرَ هُنَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَأَمَّا قَوْلُهُ قَدْ اجْتَمَعَا فِي الِاعْتِقَادِ (فَهُمَا سَوَاءٌ) فَإِنَّهُ ضَرْبٌ مِنْ الْهَذَيَانِ، لِأَنَّ الْجُمْلَةَ لَا يُمْكِنُنَا اعْتِقَادُ مَعْنَاهَا، وَإِنَّمَا نَعْتَقِدُ بِوُرُودِهَا إنْ فَرَضْنَا مَا قَدْ تَعَلَّقَ وُجُوبُهُ بِهَذَا الْقَوْلِ عِنْدَ وُرُودِ الْبَيَانِ، فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ نُبَيِّنَ فِي الثَّانِي مَعْنَى اللَّفْظِ، وَأَمَّا الْعُمُومُ فَعَلَيْنَا فِيهِ اعْتِقَادُ ظَاهِرِهِ وَمُوجِبَ لَفْظِهِ، فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ غَيْرَ مَا دَخَلَ تَحْتَ اللَّفْظِ فَحِينَ أَلْزَمَنَا الْقَوْلُ بِالْعُمُومِ فَقَدْ أَوْجَبَ عَلَيْنَا اعْتِقَادَهُ عَلَى خِلَافِ مَا أَرَادَهُ مِنَّا، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ إذَا جَازَ تَأْخِيرُ بَيَانِ مَا لَا يُدْرَى مَا هُوَ فَفِيمَا يُدْرَى أَوْلَى فَلَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّ مَا لَا يُدْرَى لَا يَلْزَمُنَا فِيهِ اعْتِقَادُ شَيْءٍ يُبَيَّنُ لَنَا فِي الثَّانِي خِلَافُهُ، وَمَا يُدْرَى قَدْ أُلْزِمْنَا مِنْهُ اعْتِقَادَ ظَاهِرِهِ فَلَا يَجُوزُ وُرُودُ الْبَيَانِ بَعْدَهُ بِخِلَافِهِ.
ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ الِاسْتِثْنَاءُ عَنْ الْجُمْلَةِ لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [العنكبوت: ١٤] فَتَأْخِيرُ بَيَانِ الِاسْتِثْنَاءِ أَوْلَى حَتَّى يَقُولَ بَعْدَ مُدَّةٍ ﴿إلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] كَمَا قُلْت فِي تَأْخِيرِ بَيَانِ الْعُمُومِ إذَا كَانَ مُرَادُهُ الْخُصُوصَ.
[ ٢ / ٥٧ ]
قَالَ هَذَا الْقَائِلُ: وَإِنَّمَا نَقُولُ فِي اعْتِقَادِ مِثْلِهِ أَنَّا نَعْتَقِدُهُ عَلَى الْعُمُومِ إنْ خَلَّيْنَا وَهُوَ، فَلَيْسَ يَرْفَعُ الْبَيَانُ ذَلِكَ الِاعْتِقَادَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَإِنَّمَا حَكَيْنَا أَلْفَاظَهُ عَلَى وَجْهِهَا وَإِنْ كَانَتْ مَلْحُونَةً عَنْهُ لِأَنَّا لَمْ نُحِبَّ تَغْيِيرَهَا وَأَرَدْنَا أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرَهَا. فَيُقَالُ (لَهُ): فِي هَذَا الْفَصْلِ مَا تَقُولُ فِي حُكْمِ اللَّفْظِ إذَا صَدَرَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ الرَّسُولِ - ﷺ - وَحَصَلَ الْفَرَاغُ مِنْهُ قَبْلَ وُرُودِ الْبَيَانِ، أَنَقْطَعُ فِيهِ بِأَنَّ مُرَادَهُ الْعُمُومُ أَوْ لَا نَقْطَعُ فِيهِ بِشَيْءٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ الْخُصُوصَ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْهُ فِي الْحَالِ؟ . فَإِنْ قَالَ: لَا أَعْتَقِدُ فِيهِ الْعُمُومَ إلَّا لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يُرِيدَ (بِهِ) الْخُصُوصَ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ. قِيلَ لَهُ: فَإِنَّا كَلَّمْنَاك عَلَى أَنَّك تَقُولُ مَعَنَا بِالْعُمُومِ، فَإِنْ صِرْت إلَى مَذْهَبِ أَصْحَابِ الْوَقْفِ سَحَبْنَا عَلَيْك جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ إثْبَاتِ الْعُمُومِ عَلَى أَصْحَابِ الْوَقْفِ وَأَلْزَمْنَاك أَنْ تَقِفَ فِي الْبَيَانِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَهُ بَيَانٌ آخَرُ لَمْ يَذْكُرْهُ وَيَذْكُرُهُ فِي الثَّانِي، وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ بَيَانٍ يَرِدُ سَوَاءٌ كَانَ لَفْظًا أَوْ دَلَالَةً مِنْهُ، لِأَنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ لَيْسَتْ بِآكَدَ مِنْ (اللَّفْظِ فَأَوْجَبَ الْوَقْفُ فِي حُكْمِ اللَّفْظِ) لِجَوَازِ تَأْخِيرِ بَيَانِهِ فَدَلَالَتُهُ أَحْرَى أَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى إسْقَاطِ حُكْمِ اللَّفْظِ رَأْسًا.
فَإِنْ قَالَ: إنِّي لَا أَقُولُ بِالْوَقْفِ، وَالْفَصْلُ بَيْنِي وَبَيْنَ أَصْحَابِ الْوَقْفِ أَنِّي أَقُولُ إنِّي أَعْتَقِدُ الْعُمُومَ إنْ خُلِّيت وَإِيَّاهُ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ نَقِفُ فِيهِ حَتَّى يَثْبُتَ الْعُمُومُ أَوْ الْخُصُوصُ. قِيلَ لَهُ: لَا فَصْلَ بَيْنَكُمَا فِي الْمَعْنَى وَإِنَّمَا خَالَفْتهمْ فِي الْعِبَارَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّك مُعْتَرِفٌ أَنَّك
[ ٢ / ٥٨ ]
لَمْ تُخَلَّ وَالْعُمُومَ حِينَ وُرُودِهِ وَحُصُولِ الْفَرَاغِ مِنْهُ، فَالْعُمُومُ لَمْ يَثْبُتْ بَعْدُ لِأَنَّك عَلَّقْته بِشَرْطٍ لَمْ يَثْبُتْ وَهُوَ قَوْلُك إنْ خُلِّيت وَإِيَّاهُ وَأَنْتَ (إذَا لَا) تَدْرِي أَخُلِّيت وَإِيَّاهُ أَمْ لَا، وَأَنْتَ وَاقِفٌ فِي الْعُمُومِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَك وَبَيْنَ أَصْحَابِ الْوَقْفِ حِينَ قَالُوا نَعْتَقِدُ الْعُمُومَ إنْ كَانَ هُوَ الْمُرَادَ وَالْخُصُوصَ إنْ كَانَ هُوَ الْمُرَادَ، فَإِنْ قُلْت إنِّي قَدْ خُلِّيت وَالْعُمُومَ نَقَضْت مَا ابْتَدَأْت بِهِ فِي هَذَا الْفَصْلِ وَرَجَعْت عَنْهُ وَلَزِمَك جَمِيعُ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ.
وَيُقَالُ لَهُ: مَا الْفَصْلُ بَيْنَك وَبَيْنَ مَنْ اعْتَقَدَ فِي ذِكْرِ الْأَعْدَادِ مِثْلِ اعْتِقَادِك فِي الْعُمُومِ، فَنَقُولُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] إنَّهُ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَدَ فِيهِ عِنْدَ وُرُودِهِ أَنَّهُمَا شَهْرَانِ إنْ خُلِّينَا وَإِيَّاهُمَا وَإِنْ (لَمْ) يُعْقِبْهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِبَيَانِ اسْتِثْنَاءٍ يُوجِبُ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَا دُونَهُمَا بِأَنْ نَقُولَ شَهْرَيْنِ إلَّا عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَلَا نَعْتَقِدُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥] وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢] الْعَدَدُ الْمَذْكُورُ فِيهِ حَتَّى يُتَوَفَّى النَّبِيُّ - ﷺ - لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَرِدَ بَعْدَهُ الِاسْتِثْنَاءُ (فَيَقُولُ): سَبْعِينَ إلَّا عَشَرَةً وَاثْنَيْ عَشَرَ إلَّا وَاحِدًا فَإِنْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي الْأَعْدَادِ وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْهَا فَمَا الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْعُمُومِ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُصَدَّقَ مَنْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ شَهْرٍ أَرَدْت أَلْفًا إلَّا مِائَةً فَلَمَّا كَانَ الْمَعْقُولُ مِنْ إطْلَاقِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مَتَى حَصَلَ الْفَرَاغُ مِنْهَا
[ ٢ / ٥٩ ]
اعْتِقَادَ مَضْمُونِهَا غَيْرَ مُرْتَقِبٍ فِيهَا بَيَانًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَهَا فِي خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى إيَّانَا.
وَاحْتَجَّ أَيْضًا: بِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ الْبَيَانُ مِنْ النَّبِيِّ - ﷺ - بِالْفِعْلِ كَمَا يُبَيِّنُ بِالْقَوْلِ وَزَمَانُ الْفِعْلِ أَطْوَلُ مِنْ زَمَانِ الْقَوْلِ فَقَدْ أَخَّرَ الْبَيَانَ عَنْ وَقْتِ إمْكَانِهِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . وَ«خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَبَيَّنَ جِبْرِيلُ (لِلنَّبِيِّ - ﷺ -) مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ وَلَمْ يُجِبْ النَّبِيُّ - ﷺ - (السَّائِلَ) عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ (حَتَّى صَلَّى الصَّلَوَاتِ) ثُمَّ قَالَ «أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ؟ الْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ» . قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَيْسَ (فِي شَيْءٍ) مِمَّا ذُكِرَ دَلَالَةٌ عَلَى مَوْضِعِ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ تَعَلَّقَ بِمَعْهُودٍ مَعْلُومٍ عِنْدَهُمْ فَانْصَرَفَ الْأَمْرُ إلَيْهِ فَهَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى بَيَانٍ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ - ﷺ - «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَ«خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» تَأْكِيدًا وَتَقْرِيرًا لِمَا قَدْ عَلِمُوهُ، فَلَمْ يَقَعْ بِهَذَا بَيَانٌ كَمَا قَالَ - ﵇ - «ائْتَمُّوا بِي وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ» وَهَذَا تَأْكِيدٌ لِمَعْنًى قَدْ عَرَفُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِبَيَانٍ. وَكَذَلِكَ مَوَاقِيتُ الصَّلَاةِ أَوْ أَنْ يَكُونَ فَرْضُ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ حِينَ وَرَدَ كَانَ مُجْمَلًا مُفْتَقِرًا إلَى الْبَيَانِ، فَأَخَّرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَيَانَهُمَا وَنَحْنُ نُجَوِّزُ تَأْخِيرَ بَيَانِ الْمُجْمَلِ
[ ٢ / ٦٠ ]
فَإِذًا لَا دَلَالَةَ فِيمَا ذُكِرَ عَلَى مَوْضِعِ الْخِلَافِ بَيْنَنَا.
(وَقَالَ أَيْضًا): إنَّ النَّسْخَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ لِأَنَّا أُمِرْنَا بِالصَّلَاةِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّا نُصَلِّي إلَيْهَا مَا بَقِينَا وَالْأَمْرُ الْأَوَّلُ، فَنَعْتَقِدُ أَنْ لَا يَزَالَ يُصَلَّى إلَيْهَا إنْ بَقِينَا وَالْأَمْرُ الْأَوَّلُ فَيُقَالُ لَهُ لَيْسَ هَذَا مِنْ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ فِي شَيْءٍ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا اعْتِقَادُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ بَعْدَ وُرُودِهِ.
وَهَذَا الَّذِي قَدْ اعْتَقَدْنَا ثُبُوتَهُ لَا يَجُوزُ رَفْعُهُ وَلَا تَبَيَّنَ لَنَا خِلَافُهُ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُجَوِّزُهُ مِنْ ذَلِكَ بَيَانٌ آخَرُ وَقْتُهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي اللَّفْظِ، فَيَلْزَمُنَا اعْتِقَادُ عُمُومِهِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وُرُودُ النَّسْخِ رَافِعًا لِلِاعْتِقَادِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ مَا اعْتَقَدْنَا ثُبُوتَهُ لَمْ يَرْتَفِعْ بِوُرُودِ النَّسْخِ (وَأَمَّا وُرُودُ نَسْخِهِ فَقَدْ) كُنَّا نُجَوِّزُهُ مَعَ وُرُودِ الْأَمْرِ، وَأَنْتَ فَلَا يُمْكِنُك أَنْ تَقُولَ مِثْلَهُ فِي بَيَانِ الْخُصُوصِ إلَّا بِتَرْكِ اعْتِقَادِ الْعُمُومِ فِي حَالِ وُرُودِ اللَّفْظِ فَيُجْعَلُ نَفْسُ الْحُكْمِ مَوْقُوفًا عَلَى مَا يَرِدُ مِنْ بَيَانِهِ.
وَأَيْضًا: فَلَوْ وَرَدَ الْحُكْمُ النَّاسِخُ مَعَ الْمَنْسُوخِ فِي خِطَابٍ وَاحِدٍ لَمْ يَتَنَافَيَا، لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ تَقُولَ: صَلِّ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ إلَى وَقْتِ كَذَا، ثُمَّ صَلِّ إلَى الْكَعْبَةِ، كَمَا تَقُولُ صَلِّ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَلَا تُصَلِّ عِنْدَ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ. وَاعْتِقَادُ الْعُمُومِ لَا يَصِحُّ مَعَهُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ لَوْ جَمَعَهُمَا فِي خِطَابٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ أَعْتَقِدُ قَطَعَ جَمِيعِ السُّرَّاقِ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَضُمَّ إلَيْهِ وَقْفٌ فِي السُّرَّاقِ لَا يُحْكَمُ فِيهِمْ بِشَيْءٍ حَتَّى يَرِدَ الْبَيَانُ لِأَنَّ الِاعْتِقَادَ الثَّانِيَ يُنَافِي الْأَوَّلَ. فَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ وُرُودُهُمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي خِطَابٍ وَاحِدٍ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُرِيدَهُ بِهِ، وَلَمَّا صَحَّ جَمْعٌ (ذَكَرَ) الْحُكْمَ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ فِي خِطَابِ وَاحِدٍ صَحَّ أَنْ يُرِيدَهُ.
[ ٢ / ٦١ ]
وَأَيْضًا: فَإِنَّ مُدَّةَ الْفَرْضِ لَمَّا لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً وَكَانَ تَجْوِيزُ بَيَانِهَا بِالنَّسْخِ فَإِنَّمَا صَارَ النَّسْخُ فِي (مَعْنَى) بَيَانِ الْمُجْمَلِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَعْلُولِ الْمَعْنَى فَجَازَ تَأْخِيرُ بَيَانِهِ. ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: أَلَيْسَ كُلُّ حُكْمٍ وَرَدَ مِمَّا يَجُوزُ نَسْخُهُ فَأَنْتَ تُجَوِّزُ نَسْخَهُ مَا بَقِيَ النَّبِيُّ - ﷺ -. فَإِذَا قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ لَهُ: فَنَقُولُ فِي كُلِّ عُمُومٍ يَرِدُ مِمَّا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ أَنَّهُ جَائِزٌ أَلَا يَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ الْعُمُومَ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْخُصُوصُ. فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: فَقَدْ تَرَكْت الْقَوْلَ بِالْعُمُومِ، وَيَلْزَمُك أَنْ لَا تَثِقَ بِالْبَيَانِ أَنَّهُ عَلَى مَا وَرَدَ مِنْ مُقْتَضَى لَفْظِهِ وَأَنْ يَجُوزَ فِيهِ وُرُودُ بَيَانِ خُصُوصِهِ أَوْ تَعْلِيقِهِ عَلَى شَرْطٍ أَوْ حَالٍ أُخْرَى، أَوْ اسْتِثْنَاءٍ، وَيُسْحَبُ عَلَيْهِ جَمِيعُ مَا يَلْزَمُ مَنْ يَنْفِي الْقَوْلَ بِالْعُمُومِ فِي إخْلَاءِ اللَّفْظِ مِنْ الْفَائِدَةِ. وَاحْتَجَّ أَيْضًا: بِقِصَّةِ مُوسَى وَالْخَضِرِ - ﵉ - أَنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ وَجْهُ مَا فَعَلَهُ مِنْ خَرْقِ السَّفِينَةِ وَقَتْلِ الْغُلَامِ وَإِقَامَةِ الْجِدَارِ فِي وَقْتِ الْفِعْلِ وَأَخَّرَهُ إلَى ثَانٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ فِي شَيْءٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ - ﵇ - عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ وَجْهَ الْمَصْلَحَةِ وَالْحِكْمَةِ فِي جَمِيعِ مَا فَعَلَهُ لِمُوسَى - ﵇ -، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُعَلِّمَنَا وَجْهَ الْمَصْلَحَةِ فِيمَا يَفْعَلُهُ مِنْ الْآلَامِ وَالْأَمْرَاضِ وَالْمَوْتِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا، وَإِنَّمَا عَلَيْنَا أَنْ نَعْتَقِدَ أَنَّهُ لَا يَفْعَل مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَا هُوَ صَلَاحٌ وَحِكْمَةٌ.
[ ٢ / ٦٢ ]
فَأَمَّا أَنْ يُعَرِّفَنَا كُلَّ شَيْءٍ مِنْهَا بِعَيْنِهِ فَيَقُولُ إنَّ هَذَا وَجْهُ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ فِيهِ كَذَا وَهَذَا وَجْهُهُ كَذَا فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ. وَقَدْ كَانَ الْخَضِرُ - ﵇ - مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يُبَيِّنَ أَوْ لَا يُبَيِّنَ، إذْ لَمْ يَكُنْ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَمَرَهُ بِالْبَيَانِ فَلَمْ يُؤَخِّرْ بَيَانَ شَيْءٍ لَزِمَهُ بَيَانُهُ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ مُوسَى - ﵇ - (قَدْ) كَانَ عَالِمًا بِأَنَّ الْخَضِرَ لَمْ يَفْعَلْ إلَّا مَا هُوَ صَوَابٌ وَحِكْمَةٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ وَجْهَ الْمَصْلَحَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ (مِنْهُ) بِعَيْنِهِ فَكَانَ وَجْهُ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُجْمَلِ الْمَوْقُوفِ الْحُكْمُ عَلَى الْبَيَانِ فَجَازَ أَنْ يَتَأَخَّرَ بَيَانُهُ كَمَا نَقُولُ فِي تَأْخِيرِ بَيَانِ الْمُجْمَلِ. (وَقَالَ أَيْضًا: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَى عَنْ الْمَلَائِكَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا لِإِبْرَاهِيمَ - ﵇ - ﴿إنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١] وَقَالَ إبْرَاهِيمُ - ﵇ - ﴿إنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٢] فَبَيَّنُوا حِينَئِذٍ وَقَالُوا ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢] فَخَاطَبُوهُ بِخِطَابٍ اقْتَضَى الْعُمُومَ وَلَمْ يُبَيِّنُوهُ فِي الْحَالِ حَتَّى سَأَلَ) . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا: أَنَّ الدَّلَالَةَ قَدْ كَانَتْ تَقَدَّمَتْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِإِبْرَاهِيمَ - ﵇ - عَلَى أَنَّ لُوطًا - ﵇ - وَالْمُؤْمِنِينَ مَعَهُ خَارِجُونَ مِنْ الْخِطَابِ فَصَارُوا مُسْتَثْنِينَ بِالدَّلَالَةِ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُخَاطِبِ اسْتِثْنَاؤُهُمْ وَإِخْرَاجُهُمْ مِنْ الْجُمْلَةِ بِالْبَيَانِ فَقَدْ كَانَ إبْرَاهِيمُ - ﵇ - عَالِمًا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُهْلِكُ لُوطًا وَالْمُؤْمِنِينَ مَعَهُ وَعَلِمَتْ الْمَلَائِكَةُ (أَيْضًا ذَلِكَ) مِنْ عِلْمِ إبْرَاهِيمَ - ﵇ - فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ خِطَابِهِمْ.
فَإِنْ قَالَ: لَوْ كَانَ إبْرَاهِيمُ - ﵇ - قَدْ عَلِمَ أَنَّ لُوطًا مُسْتَثْنًى مِنْ خِطَابِهِمْ لَمَا قَالَ
[ ٢ / ٦٣ ]
لَهُمْ: إنَّ فِيهَا لُوطًا، هَذَا يَدُلُّ أَنَّهُ كَانَ اعْتَقَدَ مِنْ خِطَابِهِمْ الْعُمُومَ، وَجَائِزٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُمِيتَ الْأَنْبِيَاءَ - ﵈ - مَعَ قَوْمِهِمْ (مِنْ غَيْرِ) أَنْ يَكُونَ لَهُمْ عُقُوبَةٌ وَإِنْ كَانَ عُقُوبَةً لِقَوْمِهِمْ. قِيلَ لَهُ: وَمَا فِي قَوْلِ إبْرَاهِيمَ - ﵇ - إنَّ فِيهَا لُوطًا مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْتَقِدْ مِنْ خِطَابِهِمْ اسْتِثْنَاءَ لُوطٍ مِنْ الْجُمْلَةِ وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ عِنْدَنَا أَنْ يَكُونَ اعْتَقَدَ اسْتِثْنَاءَ لُوطٍ مِنْهُمْ وَقَالَ إنَّ فِيهَا لُوطًا عَلَى وَجْهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ كَيْفِيَّةِ خَلَاصِهِ (بِأَنْ يَتْرُكَهُ) اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقَرْيَةِ وَيُهْلِكَ أَهْلَهَا سِوَاهُ وَسِوَى مَنْ آمَنَ بِهِ، أَوْ يُخْرِجَهُ مِنْهَا ثُمَّ يُهْلِكَ الْقَرْيَةَ بِمَا فِيهَا فَأَخْبَرَتْهُ الْمَلَائِكَةُ حِينَئِذٍ بِجِهَةِ خَلَاصِهِ، أَوْ لَمْ تُبَيِّنْهُ لَهُ إذْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ بَيَانُهُ، كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ فَلَمْ يَثْبُتْ لِهَذَا الْقَائِلِ وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ الْآيَةِ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ.
وَذَكَرَ أَيْضًا: قِصَّةَ نُوحٍ - ﵇ - وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَهُ أَنْ يُنَجِّيَهُ وَأَهْلَهُ، ثُمَّ بَيَّنَ فِي الثَّانِي اسْتِثْنَاءَ ابْنِهِ مِنْ الْمُنَجِّيِينَ فَقَالَ لَهُ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ كَانَ أَخْبَرَهُ ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] وَكَانَ ابْنُهُ كَافِرًا فَعَلِمَ نُوحٌ - ﵇ - أَنَّ الِابْنَ مُسْتَثْنًى مِنْ الْمُنَجِّيِينَ إنْ بَقِيَ عَلَى كُفْرِهِ. وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ قَدْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُؤْمِنَ ابْنُهُ قَبْلَ الْغَرَقِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا قَالَ لَهُ ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِك إلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] وَظَاهِرٌ هَذَا أَلَّا يَتَنَاوَلَ أَهْلَهُ فَقَالَ ﴿رَبِّ إنَّ ابْنِي مِنْ
[ ٢ / ٦٤ ]
أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَك الْحَقُّ﴾ [هود: ٤٥] فَأَخْبَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعَرِّفَهُ حَالَ ابْنِهِ بَعْدَ الْغَرَقِ هَلْ كَانَ نَزْعٌ عَنْ كُفْرِهِ بَعْدَ فِرَاقِهِ إيَّاهُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ وَمَنَعَ أَنْ يَشْفَعَ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] . وَذَكَرَ أَيْضًا: قِصَّةَ بَقَرَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ وَأَنَّهُ أَطْلَقَ اسْمَ بَقَرَةٍ، وَبَيَّنَ فِي الثَّانِي أَنَّهَا عَلَى صِفَةٍ فَدَلَّ أَنَّهُ أَطْلَقَ لَفْظَ عُمُومٍ وَأَرَادَ خُصُوصَ بَقَرَةٍ بِعَيْنِهَا فِي الثَّانِي. فَيُقَالُ لَهُ: إنَّ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ كَانَ ذَبْحَ بَقَرَةٍ أَيِّ بَقَرَةٍ كَانَتْ فَلَمَّا تَعَنَّتُوا شَدَّدَ عَلَيْهِمْ بِزِيَادَةِ الصِّفَةِ.
وَهَذَا عِنْدَنَا عَلَى وَجْهِ النَّسْخِ لِأَنَّهُ وَرَدَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ فَلَيْسَ فِيهِ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ. فَإِنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِمَ أَنَّهُمْ سَيَفْعَلُونَ هَذَا وَيَتَعَنَّتُونَ. قِيلَ لَهُ: عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ أَوْ لَا يَفْعَلُونَ لَا يَمْنَعُ (مِنْ) جَوَازِ النَّسْخِ بَعْدَ التَّمْكِينِ مِنْ الْفِعْلِ قَبْلَ وُقُوعِهِ. وَذَكَرَ أَيْضًا: قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ [الأنفال: ٤١] وَالِاسْمُ يَتَنَاوَلُ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي (عَبْدِ) الْمُطَّلِبِ وَبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ فَأَعْطَى النَّبِيُّ - ﷺ - بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَلَمْ يَذْكُرْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ بِشَيْءٍ فَلَمَّا سَأَلَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - ﵁ - وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ - ﵁ - عَنْ ذَلِكَ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ (لَمْ) يُرَادُوا بِالْقَرَابَةِ، وَقَدْ كَانَ اللَّفْظُ يَشْمَلُهُمْ فَلَمْ يُبَيِّنْهُ حَتَّى سُئِلَ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ.
[ ٢ / ٦٥ ]
فَيُقَالُ (لَهُ: إنَّ) هَذَا غَلَطٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ وَلِذِي الْقُرْبَى لَفْظٌ مُجْمَلٌ مُفْتَقِرٌ إلَى الْبَيَانِ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ قَرَابَةَ كُلِّ أَحَدٍ كَمَا يَتَنَاوَلُ قَرَابَةَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى الْبَيَانِ، وَنَحْنُ نُجَوِّزُ تَأْخِيرَ بَيَانِ الْمُجْمَلِ. وَذَكَرَ (أَيْضًا) قَوْله تَعَالَى ﴿إنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] فَقَالَ ابْنُ الزِّبَعْرَى قَدْ عُبِدَتْ الْمَلَائِكَةُ وَالْمَسِيحُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] فَأَطْلَقَ اللَّفْظَ وَلَمْ يُعْقِبْهُ بِبَيَانٍ حَتَّى قَالَ ابْنُ الزِّبَعْرَى مَا قَالَ. فَيُقَالُ (لَهُ): هَذَا جَهْلٌ بِمَوْضُوعِ اللَّفْظِ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿إنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الْعُقَلَاءُ (لِأَنَّ مَا لِغَيْرِ الْعُقَلَاءِ) وَمَنْ لِلْعُقَلَاءِ، وَقَدْ كَانَ ابْنُ الزِّبَعْرَى عَلِمَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا اعْتَرَضَ بِمَا ذَكَرَ مُتَعَنِّتًا فِي غَيْرِ مَوْضِعِ اعْتِرَاضٍ كَمَا كَانُوا يُكَابِرُونَ فِي تَسْمِيَتِهِمْ (إيَّاهُ) مَرَّةً سَاحِرًا وَمَرَّةً مَجْنُونًا وَيُنَاقِضُونَ فِيهِ أَفْحَشَ مُنَاقَضَةٍ وَلَا يُبَالُونَ، لِأَنَّ السَّاحِرَ هُوَ الَّذِي يَبْلُغُ (بِدِقَّةِ تَدْبِيرِهِ وَلُطْفِ حِيلَتِهِ) مَا لَا يَبْلُغُهُ غَيْرُهُ، وَالْمَجْنُونُ هُوَ الَّذِي يَخْبِطُ وَيَتَعَسَّفُ فِي أَفْعَالٍ لَا يُجْرِيهَا عَلَى نِظَامٍ وَلَا تَرْتِيبٍ فَمَنْ نَاقَضَ فِي قَوْلِهِ هَذِهِ الْمُنَاقَضَةَ وَيُبَاهِتُ هَذَا الْبُهُتَ إذْ لَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إلَى الطَّعْنِ فِي دَلَائِلِ
[ ٢ / ٦٦ ]
وَأَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ - ﷺ - حَسَدًا وَبَغْيًا لَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يُبَاهَتَ فِي الِاعْتِرَاضِ بِذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ وَالْمَسِيحِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - عَلَى الْآيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَضَمَّنْ لَفْظُ الْآيَةِ دُخُولَهُمْ فِيهِ، وَإِنَّمَا كَانَ وَجْهُ اعْتِرَاضِهِ أَنَّ هَذِهِ الْأَصْنَامَ إنْ كَانَتْ فِي النَّارِ لِأَنَّهَا عُبِدَتْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﷿ فَإِنَّهُ يَجِبُ مِثْلُهُ فِي (الْمَلَائِكَةِ وَالْمَسِيحِ) وَاَللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ إنَّهَا فِي النَّارِ مَعَ عَبَدَتِهَا لِأَنَّهَا عُبِدَتْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، ثُمَّ أَبَانَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ جَهْلِ هَذَا الْقَائِلِ وَبُهْتِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] .
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ لَمْ تَتَنَاوَلْ غَيْرَ الْأَصْنَامِ أَنَّهُ خَاطَبَ بِهَا قُرَيْشًا وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ وَلَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَ (الْمَسِيحَ وَلَا الْمَلَائِكَةَ) . فَإِنْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَتَضَمَّنْ الْآيَةُ دُخُولَ هَؤُلَاءِ فِيهِ لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَجَابَ مَنْ اعْتَرَضَ بِذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ. قِيلَ لَهُ: فَكَأَنَّك تُجَوِّزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - ﷺ - اعْتَقَدَ دُخُولَ الْمَلَائِكَةِ وَالْمَسِيحِ فِي حُكْمِهَا وَأَنَّهُمْ فِي النَّارِ لِأَنَّهُمْ عُبِدُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ أَجَازَ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - انْسَلَخَ مِنْ الْمِلَّةِ لِأَنَّ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يُجِيزُ ذَلِكَ (وَ) كُلُّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ مُعْتَقِدَهُ كَافِرٌ. فَإِنْ قَالَ: قَدْ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يُرَادُوا بِالْآيَةِ.
قِيلَ لَهُ: أَفَلَيْسَ قَدْ جَازَ أَنْ لَا يُجِيبَهُمْ إلَّا بَعْدَ نُزُولِ قَوْله تَعَالَى ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُمْ غَيْرُ دَاخِلِينَ فِيهَا فَمَا أَنْكَرْت مِنْ قَوْلِنَا حِينَ قُلْنَا إنَّ الْمَلَائِكَةَ وَالْمَسِيحَ لَمْ يَدْخُلُوا قَطُّ فِي الْآيَةِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُجِبْهُمْ النَّبِيُّ - ﷺ - لِظُهُورِ فَسَادِ اعْتِرَاضِهِمْ وَلِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا شُبْهَةَ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ، وَعَلَى أَنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٩٨] لَوْ
[ ٢ / ٦٧ ]
تَنَاوَلَ الْعُقَلَاءَ وَغَيْرَهُمْ، لَكَانَ مُرَتَّبًا عَلَى مَا قَرَّرَ فِي الْعُقُولِ وَأَنْزَلَ بِهِ الْكُتُبَ فِي أَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ أَوْلِيَاءَهُ وَأَنْبِيَاءَهُ فِي الْآخِرَةِ فَلَمْ يَرِدْ اللَّفْظُ مُقْتَرِنًا بِدَلَالَةِ التَّخْصِيصِ فَأَيُّ بَيَانٍ تَأَخَّرَ. وقَوْله تَعَالَى ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] تَأْكِيدٌ لِمَا قَدْ ثَبَتَ قَبْلَ ذَلِكَ وَتَقْرِيرٌ لَهُ (كَمَا) ذُكِرَ (فِي صِحَّةِ) التَّوْحِيدِ وَسَائِرِ صِفَاتِهِ (تَعَالَى) فِي الْكِتَابِ بَعْدَ تَقْدِيمِ الدَّلَائِلِ عَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ الْقَوْلِ.
فَإِنْ قِيلَ: الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] فَأَخَّرَ بَيَانَ الصَّلَاةِ عَلَى حَالِ الْأَمْرِ بِذِكْرِ الزَّكَاةِ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يَتَأَخَّرَ الْبَيَانُ هَذَا الْقَدْرَ جَازَ أَنْ يَتَأَخَّرَ أَوْقَاتًا كَثِيرَةً. قِيلَ لَهُ: لَا يَخْلُو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] مِنْ أَنْ يَكُونَ تَنَاوَلَ صَلَاةً مَعْهُودَةً قَدْ عَرَفُوهَا فَلَمْ تَكُنْ مُفْتَقِرَةً إلَى الْبَيَانِ فَقَوْلُك أَخَّرَ بَيَانَهَا سَاقِطٌ أَوْ أَنْ يَكُونَ مُجْمَلًا عِنْدَ هُمْ عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ وَنَحْنُ نُجَوِّزُ تَأْخِيرَ بَيَانِ الْمُجْمَلِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ حُكْمَ الْكَلَامِ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ تَأَخُّرُهُ وَحُصُولُ الْفَرَاغِ مِنْهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَصَلَهُ بِاسْتِثْنَاءٍ أَوْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ تَعَلَّقَ الْجَمِيعُ بِهِ، فَلَوْ أَطْلَقَ لَفْظَ الْعُمُومِ وَمُرَادُهُ الْخُصُوصُ لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يُؤَخِّرَ بَيَانَهُ بِمِقْدَارِ الْفَرَاغِ مِنْ الْكَلَامِ، لِأَنَّ السَّامِعَ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَعْتَقِدَ فِيهِ شَيْئًا إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: جَمِيعُ مَا أَلْزَمْته الْقَائِلِينَ بِتَأْخِيرِ الْبَيَانِ مِنْ أَنَّ الْوُقُوفَ فِيهِ إلَى وُرُودِ الْبَيَانِ يَنْفِي وُجُوبَ الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ وَتَرْكَ الْوَقْفِ وَالْقَوْلَ بِاعْتِقَادِ عُمُومِهِ (وَ) يُؤَدِّي إلَى تَجْوِيزِ اعْتِقَادِ الشَّيْءِ بِخِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُك مِثْلُهُ فِي دَلَائِلِ التَّخْصِيصِ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ، لِأَنَّك لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَعْتَقِدَ الْعُمُومَ بِنَفْسِ وُرُودِهِ أَوْ تَقِفَ فِيهِ حَتَّى يَسْتَبِينَ حُكْمُ
[ ٢ / ٦٨ ]
اللَّفْظِ فِي عُمُومِهِ أَوْ خُصُوصِهِ، فَإِنْ اعْتَقَدْت الْعُمُومَ لَمْ تَأْمَنْ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ دَلِيلٌ يُوجِبُ خُصُوصَهُ فَتَكُونُ قَدْ اعْتَقَدْت الشَّيْءَ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ.
وَإِنْ وَقَفْت فِيهِ قُلْنَا: أَنْ تَقُولَ مِثْلَهُ فِي حُكْمِ اللَّفْظِ الْعَامِّ أَنَّهُ عَلَى الْعَامِّ إنْ لَمْ يَكُنْ مُرَادُهُ الْخُصُوصَ فَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى الْبَيَانِ الَّذِي يَرِدُ فِي الثَّانِي، وَلَا يَقْدَحُ (ذَلِكَ) فِي الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ كَمَا أَنَّ وُقُوفَك فِي عُمُومِ اللَّفْظِ إلَى أَنْ تَسْتَبْرِئَ حَالَ الدَّلِيلِ الْمُوجِبِ لِتَخْصِيصِهِ، يُعْتَرَضُ عَلَيْك فِي الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ. قِيلَ لَهُ: الْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُخَاطِبُ أَحَدًا بِلَفْظِ الْعُمُومِ وَمُرَادُهُ الْخُصُوصُ إلَّا مَعَ إيرَادِ دَلَائِلِ التَّخْصِيصِ عَلَيْهِ حَتَّى يُعْقَلَ الْخُصُوصُ مَعَ وُرُودِ اللَّفْظِ كَمَا يُعْقَلُ الِاسْتِثْنَاءُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ يَخْلُو السَّامِعُ لِذَلِكَ إذَا كَانَ مُخَاطَبًا بِحُكْمِ اللَّفْظِ مِنْ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ قَبُولُ قَوْلِهِ. وَمَنْ يَلْزَمُهُ قَبُولُ قَوْلِهِ فَلَا يُورَدُ عَلَيْهِ الْخِطَابُ إذَا كَانَ مُكَلَّفًا لِاعْتِقَادِ حُكْمِهِ عَارِيًّا مِنْ دَلَالَةِ التَّخْصِيصِ إلَّا وَقَدْ أَرَادَ مِنْهُ إمْضَاءَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيَجِبُ عَلَى السَّامِعِ إذَا كَانَ هَذَا وَصْفَهُ اعْتِقَادُ حُكْمِ مُقْتَضَى اللَّفْظِ (وَالْقَطْعُ) بِأَنْ لَا دَلِيلَ هُنَاكَ يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ. وَكَذَلِكَ الْعَامِّيُّ وَمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأُصُولِ الْحُكْمِ وَطُرُقِ الِاجْتِهَادِ، فَإِنَّهُ مَتَى سَأَلَ مَنْ يَلْزَمُهُ تَقْلِيدُهُ عَنْ (حُكْمِ) حَادِثَةٍ فَأَجَابَهُ فِيهَا بِجَوَابٍ مُعَلَّقٍ مِنْ آيَةٍ أَوْ خَبَرٍ فَعَلَيْهِ اعْتِقَادُ عُمُومُهُ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ خَاصًّا لَبَيَّنَهُ لَهُ، فَإِنْ سَمِعَ (خَبَرًا أَوْ آيَةً) عَلَى غَيْرِ
[ ٢ / ٦٩ ]
هَذَا الْوَجْهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَقِدَ فِيهِمَا شَيْئًا لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِحُكْمِهِمَا فَهُوَ فِي مَعْنَى مَنْ (لَمْ) يَسْمَعْهُمَا.
وَإِنْ كَانَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأُصُولِ الْأَحْكَامِ وَالنَّظَرِ فِيهَا فَتَلَا آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ سَمِعَ خَبَرًا عَنْ الرَّسُولِ - ﷺ - فَهُوَ لَيْسَ (يَصِيرُ) مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالْعِلْمِ بِأُصُولِ الْأَحْكَامِ إلَّا وَقَدْ عَرَفَ مِثْلَ ذَلِكَ مَا يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا الْعُمُومِ مِنْ تَخْصِيصٍ أَوْ نَسْخٍ أَوْ صَرْفِهِ (عَنْ حَقِيقَتِهِ) إلَى الْمَجَازِ، فَتَكُونُ حِينَئِذٍ دَلَائِلُ الْأُصُولِ مُقَارِنَةً لِلْعُمُومِ فِي إيجَابِ تَخْصِيصِهِ إنْ كَانَ الْمُرَادُ الْخُصُوصَ، فَإِنْ كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ خَاصًّا وَلَمْ يُبَيِّنْ هُوَ خُصُوصَهُ لِعُمُومِ دَلَالَتِهِ وَخَفَائِهَا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إنَّمَا أُتِيَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ فِي ذَهَابِهِ عَنْ وَجْهِ الدَّلَالَةِ وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مَا يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ، فَإِنْ اعْتَقَدَ فِيهِ الْعُمُومَ فَإِنَّمَا قَصَّرَ فِي اجْتِهَادِهِ وَأَخْطَأَ فِي اعْتِقَادِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْهُ بِاعْتِقَادِ الْخَطَأِ.
وَإِنَّمَا أَلْزَمَنَا نَحْنُ الْقَائِلِينَ بِتَأْخِيرِ الْبَيَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَمَرَنَا بِاعْتِقَادِ عُمُومِ لَفْظٍ مُرَادُهُ فِيهِ الْخُصُوصُ فَيَكُونُ أَمْرًا لَهُ بِاعْتِقَادِ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ، وَلَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُجِيبُوا عَنْ ذَلِكَ بِمِثْلِ جَوَابِنَا عَنْ سُؤَالِهِمْ. لِأَنَّ مِنْ قَوْلِهِمْ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُبَيِّنْ بَعْدُ شَيْئًا، وَكَيْفَ يُمْكِنُهُمْ (وَلَا يُمْكِنُهُمْ) الْوُصُولُ مَعَهُ عَلَى عِلْمِ الْخُصُوصِ. فَإِنَّمَا أَتَوْا فِي اعْتِقَادِ عُمُومِ مَعْنَاهُ (الْخُصُوصَ) مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى لَا مِنْ قِبَلِ تَقْصِيرِهِمْ وَذَهَابِهِمْ عَنْ وَجْهِ دَلَالَةِ الْخُصُوصِ وَهَذَا هُوَ الْمُنْكَرُ عِنْدَنَا. وَلَمْ نُنْكِرْ أَنْ يُخْطِئَ الْإِنْسَانُ فَيَعْتَقِدَ الْعُمُومَ فِيمَا (قَدْ) بُيِّنَ خُصُوصُهُ فَيُخْطِئَ دَلَالَةَ الْخُصُوصِ وَيَعْتَقِدَ الشَّيْءَ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُوقِفَ عَلَى
[ ٢ / ٧٠ ]
خَطَأِ (قَوْلِ) كُلِّ قَائِلٍ بِنَصٍّ يُزِيلُ مَعَهُ الْإِشْكَالَ عَنْهُ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ إقَامَةُ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ فَإِنْ أَخْطَأَهَا مُخْطِئٌ لَمْ (يُؤَثِّرْ) ذَلِكَ فِي وُقُوعِ الْبَيَانِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِإِقَامَةِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ.
أَلَا تَرَى «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - حِينَ سَأَلَهُ عَنْ الْكَلَالَةِ يَكْفِيك آيَةُ الصَّيْفِ» فَلَمْ يَنُصَّ لَهُ عَلَى الْحُكْمِ عِنْدَ إشْكَالِهِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَدْ بَيَّنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَوَكَلَهُ إلَى مَا قَدَّمَهُ مِنْ بَيَانِهِ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: فَإِذَا لَمْ تَأْمَنْ أَنْ يَكُونَ مَا سَمِعَهُ مِنْ الْآيَةِ أَوْ الْخَبَرِ مَنْسُوخًا بِغَيْرِهِ، وَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ النَّظَرَ فِي الْأُصُولِ هَلْ فِيهَا مَا يَنْسَخُهَا ثُمَّ لَمْ يَلْزَمْ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَقِفَ فِي حُكْمٍ قَدْ تَيَقَّنَّا ثُبُوتَهُ بِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا، بَلْ وَاجِبٌ عَلَيْنَا الثَّبَاتُ عَلَيْهِ حَتَّى يَثْبُتَ نَسْخُهُ، فَكَذَلِكَ عَلَيْنَا اعْتِبَارُ حُكْمِ اللَّفْظِ وَاعْتِقَادُ عُمُومِهِ، وَلَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ غَيْرَ ظَاهِرِهِ فَلَا يُبَيِّنُهُ، كَمَا أَنَّ عَلَيْنَا الثَّبَاتَ عَلَى حُكْمٍ قَدْ عَلِمْنَا ثُبُوتَهُ يَقِينًا وَلَا يَجُوزُ الْوُقُوفُ فِيهِ لِأَجْلِ جَوَازِ نَسْخِهِ لِأَنَّ النَّسْخَ لَوْ كَانَ ثَابِتًا لَبَيَّنَهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ مَنْ وَقَفَ فِي حُكْمِ اللَّفْظِ لِلنَّظَرِ فِي الْأُصُولِ هَلْ فِيهَا مَا يَخُصُّهُ فَإِنَّهُ مَتَى لَمْ يَجِدْ فِيهَا (دَلَالَةُ التَّخْصِيصِ حَكَمَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ فِي حَالِ وُرُودِهِ، وَإِنْ وَجَدَ فِيهَا) مَا يَخُصُّهُ تَبَيَّنَ بِهِ اقْتِرَانُ دَلَالَةِ الْخُصُوصِ إلَى اللَّفْظِ كَالِاسْتِثْنَاءِ فَإِنَّمَا وَقَفَ (طَلَبًا لِبَيَانٍ) قَدْ حَصَلَ (إنْ كَانَ خَاصًّا) . وَأَنْتَ تَقِفُ لِرَدِّ الْبَيَانِ فِي الثَّانِي وَلَا تَطْلُبُ بِوُقُوفِك بَيَانًا قَدْ حَصَلَ كُنْت بِذَلِكَ تَارِكًا لِلْقَوْلِ بِالْعُمُومِ عَلَى الْحَقِيقَةِ
[ ٢ / ٧١ ]
(فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ) لَيْسَ جَائِزًا أَنْ يَنْسَخَ اللَّهُ تَعَالَى (حُكْمًا) فَيَتَعَلَّقَ حُكْمُهُ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ وَلَا يَتَعَلَّقُ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ كَمَا رُوِيَ «أَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ كَانُوا يُصَلُّونَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَأَتَاهُمْ آتٍ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ فَاسْتَدَارُوا إلَى الْكَعْبَةِ» فَقَدْ صَلَّوْا بَعْضَ صَلَاتِهِمْ بَعْدَ نَسْخِ التَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِاسْتِئْنَافِهَا لِأَنَّ حُكْمَ النَّسْخِ لَمْ يَتَعَلَّقْ عَلَيْهِمْ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ، فَكَذَلِكَ مَا أُنْكِرَ أَنْ يَجُوزَ اعْتِقَادُ الْعُمُومِ فِي اللَّفْظِ الْعَامِّ وَيَتَأَخَّرَ بَيَانُهُ فَيَكُونُ السَّامِعُ مُتَعَبِّدًا بِاعْتِقَادِ الْعُمُومِ، فَإِذَا وَرَدَ الْبَيَانُ تَبَيَّنَ خُصُوصُ اللَّفْظِ فَصَارَ إلَيْهِ وَلَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي اعْتِقَادِهِ بَدْءًا كَمَا أَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ فَهُوَ مُتَعَبِّدٌ بِالْفَرْضِ الْأَوَّلِ فَإِذَا بَلَغَهُ عِلْمُ أَنَّهُ كَانَ مَنْسُوخًا قَبْلَ ذَلِكَ. قِيلَ لَهُ: الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَنْ بَلَغَهُ النَّسْخُ بَعْدَ زَمَانٍ فَقَدْ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِالْفَرْضِ الْأَوَّلِ وَقْتَ بُلُوغِهِ إيَّاهُ وَلَمْ يُنْسَخْ عَنْهُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ عِلْمِهِ، وَإِنْ كَانَ مَنْسُوخًا عَنْ غَيْرِهِ فَمَنْ بَلَغَهُ قَبْلَهُ فَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ اعْتِقَادُ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ، وَمُخَالِفُنَا فِي تَأْخِيرِ الْبَيَانِ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ اعْتِقَادُ عُمُومٍ، مَعْنَاهُ الْخُصُوصُ فِي تِلْكَ الْحَالِ بِعَيْنِهَا.
وَهَذَا مُسْتَنْكَرٌ لِمَا بَيَّنَّاهُ، وَإِنَّمَا نَظِيرُ النَّسْخِ مِنْ هَذَا أَنْ يَعْتَقِدَ الْعُمُومَ ثُمَّ يَخُصُّهُ بَعْدَ ثُبُوتِ حُكْمِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ نَسْخًا لِبَعْضِ حُكْمِ اللَّفْظِ، وَهَذَا لَا نَأْبَاهُ وَلَا نَكْرَهُهُ.
[ ٢ / ٧٢ ]