ِ لَيْسَ يَخْلُو الْأَمْرُ فِي تَعْلِيقِهِ بِالْمَأْمُورِ مِنْ أَحَدِ أَقْسَامٍ خَمْسَةٍ: إمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ نَحْوُ قَوْلِهِ: صَلُّوا إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، أَوْ يَقُولَ: صُومُوا شَهْرَ رَمَضَانَ بِعَيْنِهِ. أَوْ أَنْ يُعَلِّقَهُ بِوَقْتٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: صَلُّوا صَلَاةً وَاحِدَةً فِي أَيِّ يَوْمٍ شِئْتُمْ، وَصُومُوا (شَهْرَ) رَمَضَانَ فِي أَيِّ (شَهْرِ) رَمَضَانَ شِئْتُمْ. وَأَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا غَيْرَ مَحْصُورٍ بِوَقْتٍ يَتَنَاوَلُ فَرْضًا فِي وَاحِدٍ إلَّا عَلَى وَجْهِ تَكْرَارِهِ فِي الْأَوْقَاتِ، وَلَا التَّخْيِيرَ فِي أَوْقَاتِ فِعْلِهِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: صَلُّوا صَلَاةً وَاحِدَةً، وَصُومُوا يَوْمًا أَوْ شَهْرًا وَاحِدًا. أَوْ أَنْ يَكُونَ مُؤَقَّتًا بِالتَّأْبِيدِ نَحْوُ (أَنْ يَقُولَ): صَلُّوا أَبَدًا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَا بَقِيتُمْ، وَصُومُوا شَهْرَ رَمَضَانَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَا حَيِيتُمْ. أَوْ (أَنْ) يَكُونَ وَارِدًا بِلَفْظٍ يَقْتَضِي أَدْنَى الْجَمْعِ حَقِيقَةً، وَيَحْتَمِلُ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَيَقْتَضِي فِعْلَهُ مُكَرَّرًا فِي الْأَزْمَانِ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَقْرُونٍ بِذِكْرِ التَّأْبِيدِ. فَالْأَمْرُ الْوَارِدُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ رَسُولِهِ - ﵇ - لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ وَارِدًا عَلَى أَحَدِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
فَأَمَّا هَذِهِ الْأَقْسَامُ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا فَغَيْرُ جَائِزٍ وُرُودُ النَّسْخِ فِيهَا بِحَالٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَسْقُطُ عَنَّا الْفَرْضُ بِأُمُورٍ أُخْرَى عَلَى غَيْرِ وَجْهِ النَّسْخِ. وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ هُوَ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ النَّسْخُ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ كُلَّ مَأْمُورٍ بِهِ تَعَلَّقَ وُجُوبُ فِعْلِهِ بِوَقْتٍ بِعَيْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَغَيْرُ جَائِزٍ وُرُودُ نَسْخِهِ، لِأَنَّهُ يَكُونُ نَهْيًا عَنْ الْمَأْمُورِ بِعَيْنِهِ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ (بِهِ) مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ. وَالْأَقْسَامُ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا هِيَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ، صَلُّوا إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ مِنْ هَذَا الْيَوْمِ، وَصُومُوا شَهْرَ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَرْضٌ (قَدْ تَعَلَّقَ) بِوَقْتٍ بِعَيْنِهِ، فَلَيْسَ يَخْلُو مِنْ أَنْ يُنْسَخَ قَبْلَ مَجِيءِ وَقْتِ الْفِعْلِ (أَوْ بَعْدَهُ وَغَيْرُ جَائِزٍ نَسْخُهُ قَبْلَ مَجِيءِ وَقْتِ الْفِعْلِ) لِمَا نَسْتَنِدُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِذَا مَضَى وَقْتُ الْفِعْلِ (قَبْلَ أَنْ) يَفْعَلَهُ، فَإِنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَمْرِ مِنْ لُزُومِ الْفِعْلِ قَدْ سَقَطَ بِمُضِيِّ وَقْتِهِ لِمَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا سَلَفَ مِنْ الْأَبْوَابِ الْمُتَقَدِّمَةِ (وَسُقُوطُ الْفَرْضِ بِمُضِيِّ وَقْتِهِ لَا يُسَمَّى نَسْخًا) لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مَعْقُولًا مَعَ وُرُودِ الْأَمْرِ وَمَا لَا يُتَوَهَّمُ بَقَاؤُهُ، لِأَنَّ مَا بِلَفْظِ الْأَمْرِ لَا يُسَمَّى سُقُوطُهُ بِمُضِيِّ وَقْتِهِ نَسْخًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ (وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ) فَلَمْ يَصُمْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ بِذَلِكَ الْأَمْرِ، وَأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي لُزُومِ
[ ٢ / ٢٣٠ ]
الْقَضَاءِ إلَى دَلَالَةٍ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَنَّ سُقُوطَهُ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يُسَمَّى نَسْخًا.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُهُ: صَلُّوا صَلَاةً وَاحِدَةً فِي أَيِّ وَقْتٍ شِئْتُمْ، أَوْ صُومُوا شَهْرًا أَيَّ شَهْرٍ شِئْتُمْ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجِيزُ وُرُودَ الْأَمْرِ بِمِثْلِهِ، فَإِنَّ هَذَا لَوْ صَحَّ الْأَمْرُ بِهِ لَمْ يَصِحَّ نَسْخُهُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَا دَامَ حَيًّا فَأَيُّ وَقْتٍ فَعَلَ فِيهِ الْمَأْمُورَ بِهِ كَانَ ذَلِكَ وَقْتَ فَرْضِهِ. وَالْأَظْهَرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ وُرُودُ الْأَمْرِ بِمِثْلِهِ لِمَا بَيَّنَّا فِيمَا سَلَفَ مِنْ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ وَسِعَهُ التَّأْخِيرُ أَبَدًا، ثُمَّ لَا يَصِيرُ مُفَرِّطًا بِالْمَوْتِ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالْوَقْتِ الَّذِي يُعَيَّنُ عَلَيْهِ فِيهِ الْفَرْضُ، فَيَخْرُجُ ذَلِكَ الْأَمْرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا، إلَّا أَنَّا تَكَلَّمْنَا فِيهِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجِيزُ وُرُودَ الْأَمْرِ بِمِثْلِهِ فَقُلْنَا: وَاجِبٌ أَلَا يَجُوزَ نَسْخُهُ لِأَنَّ كُلَّ وَقْتٍ يَأْتِي عَلَيْهِ إذَا فَعَلَهُ فِيهِ كَانَ فَاعِلًا لِلْمَأْمُورِ بِهِ بِذَلِكَ الْأَمْرِ بِعَيْنِهِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ وُرُودُ نَسْخِهِ قَبْلَ مَجِيءِ وَقْتِهِ لِمَا وَصَفْنَا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ. وَأَمَّا إذَا فَعَلَهُ فَقَدْ سَقَطَ عَنْهُ فَرْضُهُ فَلَيْسَ هُنَاكَ أَمْرٌ يُتَوَهَّمُ بَقَاؤُهُ فَيُنْسَخُ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْفَرْضُ مِنْهُمَا غَيْرَ مَحْصُورٍ بِوَقْتٍ وَهُوَ فَرْضٌ وَاحِدٌ لَا يَقْتَضِي لَفْظُ الْأَمْرِ فِعْلَهُ مُكَرَّرًا فِي أَوْقَاتٍ مُسْتَقْبَلَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ نَسْخُهُ أَيْضًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِعْلَهُ عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَ وُرُودِ الْأَمْرِ فِي أَوَّلِ أَحْوَالِ الْإِمْكَانِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ نَسْخُهُ قَبْلَ وَقْتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَفِي الثَّانِي، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فِي الْوَقْتِ الْأَوَّلِ (لَزِمَهُ فِعْلُهُ) فِي الثَّانِي بِذَلِكَ الْأَمْرِ بِعَيْنِهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فِي الثَّانِي لَزِمَهُ فِعْلُ مِثْلِهِ فِي الثَّالِثِ بِالْأَمْرِ أَيْضًا، فَصَارَ تَقْدِيرُ الْأَمْرِ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي الْوَقْتِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَفِي الثَّانِي فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَفِي الثَّالِثِ فَلَمَّا كَانَ كُلُّ وَقْتٍ لَمْ يَفْعَلْهُ فِيهِ كَانَ الَّذِي يَلِيهِ وَقْتًا لِفِعْلِهِ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ (ثُمَّ) لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَنْسَخَهُ قَبْلَ الْفِعْلِ أَوْ بَعْدَهُ. وَلَا يَجُوزُ نَسْخُهُ قَبْلَ وَقْتِهِ كَمَا قُلْنَا فِي نَسْخِ الْفِعْلِ قَبْلَ (مَجِيءِ) وَقْتِهِ الْمُعَيَّنِ لَهُ أَوْ أَنْ
[ ٢ / ٢٣١ ]
يَنْسَخُهُ بَعْدَ الْفِعْلِ، وَهَذَا مُحَالٌ لِأَنَّهُ قَدْ أَدَّى الْوَاجِبَ عَلَيْهِ بِالْأَمْرِ، وَمَنْ سَقَطَ عَنْهُ (الْفَرْضُ) بِأَدَائِهِ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ قَدْ نُسِخَ عَنْهُ مَا قَدْ أَدَّاهُ وَلَمْ يَقْضِ لَفْظُ الْأَمْرِ لُزُومَ غَيْرِ مَا فَعَلَهُ (فَلَمْ يَكُنْ هَاهُنَا شَيْءٌ نُسِخَ فِي الْحَقِيقَةِ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ وَهُوَ أَنْ يُوجِبَ فِعْلَهُ)
مُكَرَّرًا فِي أَوْقَاتٍ وَيُقْرِنَهُ بِذِكْرِ التَّأْبِيدِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: صَلُّوا أَبَدًا مَا بَقِيتُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَصُومُوا شَهْرَ رَمَضَانَ فِي كُلِّ سَنَةٍ (أَبَدًا) مَا حَيِيتُمْ إلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ فَإِنَّ هَذَا قَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُ فِيمَا سَلَفَ وَاخْتِلَافُ النَّاسِ فِي جَوَازِ نَسْخِهِ وَامْتِنَاعِهِ. وَبَيَّنَّا أَنَّ الْأَظْهَرَ مِنْ أَمْرِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَسْخُهُ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الْخَامِسُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ وُرُودُهُ بِلَفْظٍ تَنَاوَلَ أَدْنَى الْجَمْعِ حَقِيقَةً وَيُحْتَمَلُ أَكْثَرُ مِنْهُ وَيَقْتَضِي فِعْلُهُ مُكَرَّرًا فِي أَوْقَاتٍ مُسْتَقْبَلَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُؤَقَّتًا وَلَا مَقْرُونًا بِذِكْرِ التَّأْبِيدِ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يَجُوزُ نَسْخُهُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ فِعْلِهِ عَلَى أَدْنَى مَا يَتَنَاوَلُهُ لَفْظُهُ سَوَاءٌ فَعَلَهُ الْمَأْمُورُ (بِهِ) أَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ. وَأَقْسَامُ النَّهْيِ فِيمَا يَجُوزُ نَسْخُهُ وَمَا لَا يَجُوزُ عَلَى هَذَا النَّحْوِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَمْرِ إلَّا فِي وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: صَلِّ وَصُمْ وَنَحْوَ ذَلِكَ إنَّمَا يَقْتَضِي فِعْلَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً إذَا لَمْ تَقُمْ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ فِعْلُهُ مُكَرَّرًا، فَمَتَى فَعَلَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ آخَرُ بِالْأَمْرِ فَلَمْ يَصِحَّ مَعْنَى النَّسْخِ (فِيهِ) قَبْلَ فِعْلِهِ وَلَا بَعْدَ فِعْلِهِ.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
وَأَمَّا النَّهْيُ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ: لَا تَصُمْ أَوْ لَا تُصَلِّ فَفَعَلَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ حُكْمُ النَّهْيِ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ: وَيَكُونُ فِي تَوَهُّمِنَا وَتَقْدِيرِنَا بَقَاءُ حُكْمِ النَّهْيِ مَا لَمْ يَرِدْ النَّسْخُ فَيَصِحُّ وُرُودُ النَّسْخِ (فِيهِ)، فَأَمَّا فِي سَائِرِ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَهُوَ وَالْأَمْرُ سَوَاءٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا.