ِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ - ﵀ -: قَدْ تَكَلَّمَ أَهْلُ الْعِلْمِ قَدِيمًا فِي أُصُولِ الْأَخْبَارِ عَلَى مُخَالِفِي الْمِلَّةِ، وَعَلَى مَنْ شَذَّ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ عَلَى جُمْهُورِ الْأُمَّةِ، مَا يُغْنِي وَيَكْفِي. وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْهُ جُمَلًا، ثُمَّ نُعَقِّبُهَا بِفُرُوعِهَا الَّتِي اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا، وَاَللَّهُ نَسْأَلُ الْعَوْنَ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْأَخْبَارِ: فَنَفَتْ طَائِفَةٌ صِحَّةَ جَمِيعِ الْأَخْبَارِ، وَأَنْكَرَتْ وُقُوعَ الْعِلْمِ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَنَفَتْ الْيَهُودُ كُلَّ خَبَرٍ فِيهِ اخْتِلَافٌ، وَأَثْبَتَتْ مَا لَا خِلَافَ فِيهِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ، مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ: لَا تُعْرَفُ صِحَّةُ الْأَخْبَارِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُخْبِرُ بِهَا مَعْصُومًا.
وَقَالَ آخَرُونَ: شَرْطُ صِحَّتِهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُخْبِرُونَ بِهَا عُدُولًا، أَوْلِيَاءَ اللَّهِ تَعَالَى، لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ التَّغْيِيرُ وَالتَّبْدِيلُ، وَلَيْسُوا بِأَعْيَانِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو الْهُذَيْلِ: لَا يُعْرَفُ بِخَبَرِ الْأَرْبَعَةِ فَمَنْ دُونَهُمْ شَيْءٌ، وَمِنْ فَوْقِ الْأَرْبَعَةِ إلَى
[ ٣ / ٣١ ]
الْعِشْرِينَ فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُعْلَمَ بِخَبَرِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يُعْلَمَ، إذَا لَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الْعِلْمِ بِخَبَرِهِمْ، وَعَلَى نَفْيِهِ، وَأَمَّا الْعِشْرُونَ فَقَدْ يُعْلَمُ صِحَّةُ خَبَرِهِمْ لَا مَحَالَةَ، إذَا كَانَ الْعِشْرُونَ ظَاهِرُهُمْ وَبَاطِنُهُمْ سَوَاءً، أَوْلِيَاءَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ النَّظَّامُ: خَبَرُ الْوَاحِدِ يُضْطَرُّ إلَى الْعِلْمِ بِخَبَرِهِ إذَا أَخْبَرَ عَنْ مُشَاهَدَةٍ، وَمَتَى عَلِمَهُ اضْطِرَارًا عِنْدَ مُقَارَبَةِ أَسْبَابِهِ.
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْتَبِرُ اثْنَيْ عَشْرَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢] . وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَبِرُ سَبْعِينَ رَجُلًا. فَهَذِهِ الْأَقَاوِيلُ بَعْضُهَا خَارِجٌ عَنْ أَقَاوِيلِ أَهْلِ الْمِلَّةِ، وَبَعْضُهَا شُذُوذٌ عَنْ كَافَّةِ الْأُمَّةِ.
وَالْوَجْهُ: أَنْ نَبْتَدِئَ بِذِكْرِ وُجُوهِ الْأَخْبَارِ وَمَرَاتِبِهَا عَلَى مَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ، وَمَا صَحَّ عِنْدَنَا فِيهَا مِنْ مَذَاهِبِ أَصْحَابِنَا، ثُمَّ بِإِفْسَادِ مَا خَالَفَهَا وَخَرَجَ عَنْهَا.
[ ٣ / ٣٢ ]