قَالَ أَبُو بَكْرٍ - ﵀ -: قَدْ يَرِدُ النَّسْخُ عَلَى النَّاسِخِ مِنْ الْحُكْمِ، وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَسَخَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] (وَقَالَ السُّدِّيُّ قَوْلُهُ ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] نَسَخَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ: أَنَّ سُورَةَ بَرَاءَةٌ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ.
وَمِنْ نَحْوِ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى. ﴿وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.
ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ حَدُّ الزَّانِيَيْنِ بَدْءًا، وَأَنَّهُ نُسِخَ بِالْجَلْدِ وَالرَّجْمِ اللَّذَيْنِ نُسِخَ بِهِمَا.
[ ٣ / ٧ ]
ذَلِكَ مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا. الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الْجَلْدُ، وَالرَّجْمُ» وَهَذَا الْحَدُّ مَنْسُوخٌ عَنْ غَيْرِ الْمُحْصَنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] . وَعَنْ الْمُحْصَنِ رَجْمُهُ مَاعِزًا وَالْغَامِدِيَّةَ (مِنْ غَيْرِ جَلْدٍ وَبِقَوْلِهِ:) «يَا أُنَيْسُ اُغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا»، فَلَمْ تُوجِبْ الْآيَةُ النَّفْيَ، وَلَمْ يُوجِبْ الْخَبَرُ الْجَلْدَ مَعَ الرَّجْمِ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ حَدِيثِ عُبَادَةَ (بْنِ الصَّامِتِ) لِأَنَّهُمْ نُقِلُوا مِنْ الْحَبْسِ وَالْأَذَى إلَى مَا فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ، بِلَا وَاسِطَةٍ لِقَوْلِهِ: «خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» ثُمَّ كَانَ نُزُولُ الْآيَةِ وَقِصَّةُ مَاعِزٍ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ حَدِيثُ: إبَاحَةُ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ حُظِرَ ثُمَّ أُبِيحَ، ثُمَّ حُظِرَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ «عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ - ﵀ -، ذَكَرَ أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ الْحَبَشَةِ، فَرَوَى: أَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ، وَرَوَى: أَنَّ قُدُومَهُ مِنْهَا كَانَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إلَى الْمَدِينَةِ، وَالنَّبِيُّ - ﵇ - كَانَ يُرِيدُ الْخُرُوجَ إلَى بَدْرٍ، قَالَ: فَسَلَّمْت عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ يُصَلِّي، وَقَدْ كَانَ يُسَلِّمُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فِي الصَّلَاةِ. قَالَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَأَخَذَنِي مَا قَدُمَ وَمَا حَدَثَ، فَلَمَّا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ:
[ ٣ / ٨ ]
- ﵇ - إنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا شَاءَ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ: أَنْ لَا تَتَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ» فَثَبَتَ بِذَلِكَ حَظْرُ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ مُتَقَدِّمًا لِيَوْمِ بَدْرٍ.
وَحَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ فِي إبَاحَتِهِ أَيْضًا قَبْلَ يَوْمِ بَدْرٍ (لِأَنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ) وَرُوِيَ عَنْ «زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ» . فَأَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ مُشَاهَدَةَ حَالِ: إبَاحَةِ الْكَلَامِ مِنْهَا، وَهُوَ (مِمَّنْ) لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا، وَلَمْ يَكُنْ (حِينَئِذٍ) مِمَّنْ يَعْقِلُ لِصِغَرِهِ، أَوْ عَسَى لَمْ يَكُنْ
[ ٣ / ٩ ]
وُلِدَ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ: إبَاحَتُهُ بَعْدَ حَظْرِهِ، ثُمَّ حَظَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَائِرِ الْأَخْبَارِ الْمَرْوِيَّةِ فِي حَظْرِهِ، نَحْوُ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» وَلِأَنَّ (النَّاسَ قَدْ) اتَّفَقُوا: أَنَّ آخِرَ حُكْمِهِ كَانَ الْحَظْرَ، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا: مُتْعَةُ النِّسَاءِ، لِأَنَّهُ (رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - أَبَاحَهَا، ثُمَّ حَرَّمَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ»، وَرَوَى سَمُرَةُ الْجُهَنِيُّ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - أَبَاحَهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، ثُمَّ حَرَّمَهَا» (فَدَلَّ أَنَّهَا) أُبِيحَتْ بَعْدَ الْحَظْرِ، ثُمَّ حُظِرَتْ بَعْدَ الْإِبَاحَةِ، فَكَانَ آخِرُ أَمْرِهَا الْحَظْرَ) .
[ ٣ / ١٠ ]