[الْبَابُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ فِي الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ هَلْ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ] [فَصْلٌ الْأَمْرُ إذَا كَانَ مُطْلَقًا أَوْ مُعَلَّقًا هَلْ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ]
وَفِيهِ فَصْلٌ: الْأَمْرُ إذَا كَانَ مُطْلَقًا أَوْ مُعَلَّقًا بِوَقْتٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ هَلْ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ
[ ٢ / ١٣٣ ]
بَابُ الْقَوْلِ فِي الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ هَلْ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ؟ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ هَلْ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ أَمْ لَا؟ فَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ: لَا يَجِبُ التَّكْرَارُ إلَّا بِدَلَالَةٍ، وَمَتَى فَعَلَ الْمَأْمُورُ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَدْ قَضَى عُهْدَةَ الْأَمْرِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ - ﵀ -: وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا - ﵏ -: أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي الْفِعْلَ مَرَّةً وَاحِدَةً وَيَحْتَمِلُ أَكْثَرَ مِنْهَا، إلَّا أَنَّ الْأَظْهَرَ حَمْلُهُ عَلَى الْأَقَلِّ حَتَّى تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى إرَادَةِ أَكْثَرَ مِنْهَا لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تَلْزَمُهُ إلَّا بِدَلَالَةٍ. وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا قَوْلُهُمْ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: طَلِّقِي نَفْسَك أَنَّ هَذَا عَلَى وَاحِدَةٍ إلَّا أَنْ يُرِيدَ ثَلَاثًا فَيَكُونُ ثَلَاثًا، وَقَوْلُهُمْ فِيمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: تَزَوَّجْ أَنَّهُ عَلَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ إلَّا أَنْ يُرِيدَ ثِنْتَيْنِ فَيَكُونُ (الْأَمْرُ) عَلَى مَا عَنَى، فَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُهُمْ فِي الْأَمْرِ إذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِعَدَدٍ مَذْكُورٍ فِي اللَّفْظِ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ مَرَّةً وَاحِدَةً (وَيَحْتَمِلُ أَكْثَرَ مِنْهَا إلَّا أَنَّهُ لَا يُحْمَلُ عَلَى الْأَكْثَرِ إلَّا بِدَلَالَةٍ) . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَقْتَضِي التَّكْرَارَ إلَّا أَنْ تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى غَيْرِهِ.
[ ٢ / ١٣٥ ]
الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ (الْأَوَّلِ) أَنَّهُ مَتَى فَعَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَدْ تَنَاوَلَهُ إطْلَاقُ الْوَصْفِ بِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ أَنَّهُ فَعَلَ بَعْضَ الْمَأْمُورِ بِهِ وَإِنْ كَانَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ لَمَا جَازَ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ قَدْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ.
[ ٢ / ١٣٦ ]
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا فَعَلَهُ مَرَّةً أُخْرَى وَثَالِثَةً يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ (قَدْ) فَعَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ فِي الْأَمْرِ مِنْ حَيْثُ صَلَحَ لَهُ اللَّفْظُ عَلَى مَوْضُوعِك. قِيلَ لَهُ: لَمْ نَجْعَلْ جَوَازَ إطْلَاقِ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ عِلَّةً لِوُجُوبِ الْأَمْرِ فَيَلْزَمُنَا مَا ذَكَرْت، وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُ لَمَّا كَانَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ، وَلَمْ يَقْتَضِ الْأَمْرُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَمَنْ أَثْبَتَ شَيْئًا غَيْرَهُ احْتَاجَ إلَى دَلَالَةٍ أُخْرَى غَيْرِ لَفْظِ الْأَمْرِ، وَعَلَى أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ أَنَّهُ إذَا فَعَلَهُ مَرَّةً ثَانِيَةً وَثَالِثَةً فَقَالَ إنَّهُ قَدْ فَعَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ خَطَأً، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ (فِعْلُهُ) فِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ عَلَى وَجْهِ التَّكْرَارِ آتِيًا بِمَا أُمِرَ بِهِ وَإِنَّمَا يَكُونُ نَفْلًا وَتَطَوُّعًا فَهَذَا سُؤَالٌ سَاقِطٌ. دَلِيلٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ فِي إيجَابِ التَّكْرَارِ إثْبَاتَ عَدَدٍ وَجَمْعٍ لَيْسَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لَهُ وَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُ ذَلِكَ إلَّا بِلَفْظٍ أَوْ دَلَالَةٍ فَلَمْ يَجِبْ التَّكْرَارُ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا: أَنَّ لِلتَّكْرَارِ لَفْظًا مَوْضُوعًا فِي اللُّغَةِ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ كُلٌّ وَكُلَّمَا وَلِغَيْرِ التَّكْرَارِ صِيغَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِيهَا، فَغَيْرُ جَائِزٍ إيجَابُ التَّكْرَارِ إلَّا مَعَ وُجُودِ حَرْفِ التَّكْرَارِ وَقِيَامِ دَلَالَةٍ مِنْ غَيْرِهِ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا: أَنَّ الْمَعْقُولَ مِنْ الْخَبَرِ عَنْ مَاضٍ أَوْ مُسْتَقْبَلٍ فِي الْإِثْبَاتِ فُعِلَ مَرَّةً وَاحِدَةً لَا أَكْثَرَ مِنْهَا، كَقَوْلِك: دَخَلَ زَيْدٌ الدَّارَ أَوْ سَيَدْخُلُهَا لَا يُعْقَلُ مِنْهُ التَّكْرَارُ، وَلَوْ قَالَ بَدَلَ هَذَا: قَدْ دَخَلَهَا كُلَّ يَوْمٍ أَوْ كُلَّمَا مَضَى يَوْمٌ كَانَ الْمَعْقُولُ مِنْهُ وُجُودَ الدُّخُولِ مُكَرَّرًا عَلَى حَسَبِ عَدَدِ الْأَيَّامِ فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ إذَا لَمْ يُفَارِقْهُ لَفْظُ التَّكْرَارِ.
[ ٢ / ١٣٧ ]
وَغَيْرُ جَائِزٍ إثْبَاتُ التَّكْرَارِ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ حَرْفُ التَّكْرَارِ، كَمَا لَا يَجُوزُ إسْقَاطُ حَرْفِ التَّكْرَارِ عَمَّا ذُكِرَ فِيهِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لِمَا لَمْ يَتَوَقَّفْ الْأَمْرُ وَكَانَ مَتَى فَعَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي أَيِّ زَمَانٍ كَانَ فَاعِلًا لِلْمَأْمُورِ بِهِ عَلِمْنَا أَنَّهُ قَدْ أُرِيدَ مِنْهُ الْفِعْلُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ عَلَى وَجْهِ التَّكْرَارِ. قِيلَ لَهُ: هَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ: افْعَلْهُ مَا بَيْنَك وَبَيْنَ خَمْسِينَ سَنَةً كَانَ مُؤَدِّيًا لِلْغَرَضِ فِي أَيِّ وَقْتٍ فَعَلَهُ مِنْ هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَمَعْلُومٌ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ مِنْهُ فِعْلَهُ عَلَى وَجْهِ الِاتِّصَالِ وَالدَّوَامِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ كُلِّهَا لِعَجْزِهِ عَنْهُ وَلِانْقِطَاعِهِ (بِهِ) عَنْ سَائِرِ الْفُرُوضِ، فَدَلَّ عَلَى سُقُوطِ قَوْلِك أَنَّهُ (مِنْ) حَيْثُ كَانَ مُؤَدِّيًا لِلْوَاجِبِ فِي أَيِّ وَقْتٍ فَعَلَهُ مِنْ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ (الْأَوْقَاتُ) كُلُّهَا وَقْتًا لِلْفِعْلِ فِيهَا عَلَى وَجْهِ التَّكْرَارِ فَهَذَا سُؤَالٌ سَاقِطٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّا نَقُولُ: إنَّمَا يَكُونُ مُؤَدِّيًا لِلْوَاجِبِ فِي أَيِّ وَقْتٍ فَعَلَهُ مِنْ عُمْرِهِ مَا لَمْ يَفْعَلْ الْمَأْمُورَ بِهِ مَرَّةً، فَأَمَّا إذَا فَعَلَهُ مَرَّةً فَإِنَّ الْوَقْتَ الَّذِي يُوجَدُ بَعْدَ الْفِعْلِ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِلْفَرْضِ، كَمَا يَقُولُ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا إنَّ فَرْضَ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الْوَقْتِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَإِنْ فَعَلَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً مَا بَيْنَ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَآخِرِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غَيْرُهَا وَلَمْ يَكُنْ مَا بَعْدَ وُقُوعِ الْفِعْلِ وَقْتًا لِلْوُجُوبِ، وَلَمْ يَجِبْ مِنْ أَجْلِ كَوْنِ الْوَقْتِ كُلِّهِ وَقْتًا لَهَا مَا لَمْ يُقَيِّدْهَا بِأَنْ يَكُونَ فِعْلُ الظُّهْرِ وَاجِبًا عَلَى وَجْهِ التَّكْرَارِ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ إلَى آخِرِهِ. وَأَيْضًا: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ (يَقْتَضِي التَّكْرَارَ) لَمَا كَانَ بَعْضُ الْأَوْقَاتِ أَوْلَى بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِيهِ مِنْ بَعْضٍ، بَلْ كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ تَكُونَ الْأَوْقَاتُ كُلُّهَا مُتَسَاوِيَةً فِي بَابِ وُجُوبِ فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِيهِ، وَهَذَا مُقْتَضَى وُجُوبِ فِعْلِهِ دَائِمًا مُتَّصِلًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَيْسَ فِي وُسْعِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ، فَإِذَنْ الْمُرَادُ مِنْهُ فِعْلُهُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَلَيْسَ بَعْضُهَا بِأَوْلَى بِإِيقَاعِ الْفِعْلِ مِنْ بَعْضٍ فَيَحْصُلُ الْأَمْرُ مُجْمَلًا مُفْتَقِرًا إلَى الْبَيَانِ غَيْرَ مَعْلُومٍ مِنْهُ تَنْفِيذُ الْحُكْمِ. وَلَمَّا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِفِعْلٍ ظَاهِرِ الْمَعْنَى بَيِّنَ الْمُرَادِ يَلْزَمُهُ فِعْلُهُ قَبْلَ وُرُودِ بَيَانِ الْوَقْتِ الَّذِي يَفْعَلُهُ فِيهِ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَقْتَضِ التَّكْرَارَ فِي الْأَوْقَاتِ إذْ كَانَ وُجُوبُ اعْتِبَارِ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى
[ ٢ / ١٣٨ ]
أَنْ يَكُونَ لُزُومُ الْمَأْمُورِ بِهِ مَوْقُوفًا عَلَى وُرُودِ بَيَانِ الْوَقْتِ.
فَإِنْ قَالَ: مَا أَنْكَرْت أَنْ يَكُونَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْعُمُومِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] فَيَجِبُ اعْتِبَارُهُ أَبَدًا حَتَّى تَقُومَ دَلَالَةُ الْخُصُوصِ. قِيلَ لَهُ: هَذَا غَلَطٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْوَقْتَ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي الْأَمْرِ فَيُعْتَبَرُ عُمُومُهُ، فَقَوْلُك إنَّ اعْتِبَارَ فِعْلِهِ فِي الْأَوْقَاتِ وَاجِبٌ حَتَّى تَقُومَ دَلَالَةُ خُصُوصِهِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ دُونَ بَعْضٍ خَطَأً. وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْوَقْتُ مَذْكُورًا بِلَفْظِ عُمُومٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عُمُومًا فِي الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] لَيْسَ بِعُمُومٍ فِي الْحَجِّ (لِأَنَّهُ) مَذْكُورٌ بِلَفْظٍ يَقْتَضِي فِعْلَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً فَلَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِ (ذِكْرِ) عُمُومِ الْوَقْتِ (لَوْ ذُكِرَ) مَعَ عَدَمِ لَفْظِ الْعُمُومِ فِي الْمَأْمُورِ بِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ: اُدْخُلْ الدَّارَ الْيَوْمَ كَانَ الَّذِي يَلْزَمُهُ بِهَذَا الْقَوْلِ دُخُولُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْيَوْمِ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ مَذْكُورًا بِعُمُومِ لَفْظٍ يَنْتَظِمُ سَائِرَ أَجْزَائِهِ. وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا: «أَنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: الْحَجُّ فِي كُلِّ عَامٍ أَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً؟ فَقَالَ بَلْ حَجَّةً وَاحِدَةً، وَلَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ ثُمَّ تَرَكْتُمُوهُ لَضَلَلْتُمْ» قَدْ حَوَى هَذَا الْخَبَرُ الدَّلَالَةَ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
[ ٢ / ١٣٩ ]
أَحَدُهَا: أَنَّ التَّكْرَارَ لَوْ كَانَ مَعْقُولًا مِنْ الْآيَةِ لَمَا سَأَلَ الْأَقْرَعَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ.
وَالثَّانِي: قَوْلُهُ - ﵊ - " بَلْ حَجَّةً وَاحِدَةً " فَأَخْبَرَ أَنَّ الْآيَةَ لَمْ تَقْتَضِ إيجَابَ أَكْثَرَ مِنْ حَجَّةٍ.
وَالثَّالِثُ: قَوْلُهُ - ﷺ - " وَلَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ " فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ نَعَمْ كَانَ وَاجِبًا بِقَوْلِهِ لَا بِالْآيَةِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لَوْ اقْتَضَتْ الْآيَةُ وُجُوبَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً لَمَا سَأَلَ عَنْهُ. قِيلَ لَهُ: لَمْ يُشْكَلْ عَلَيْهِ أَنَّ الْآيَةَ لَمْ تَقْتَضِ فِعْلَهُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ هَلْ أَرَادَ بِالْأَمْرِ أَكْثَرَ مِنْ حَجَّةٍ، أَوْ هَلْ مِنْ النَّبِيِّ - ﵇ - حُكْمٌ فِي إيجَابِهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ زِيَادَةً عَلَى مَا اقْتَضَتْ الْآيَةُ (وُجُوبَهُ) فَأَخْبَرَهُ - ﵇ - أَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ غَيْرَ مَا فِي الْآيَةِ.
[ ٢ / ١٤٠ ]
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا: أَنَّ الْمَعْقُولَ مِنْ مُخَاطَبَاتِنَا فِيمَا بَيْنَنَا أَنَّ مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَعْطِ هَذَا الْفَقِيرَ دِرْهَمًا أَنَّهُ لَمْ يَقْتَضِ أَمْرُهُ أَنْ يَفْعَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ مُكَرَّرًا دَائِمًا مُتَّصِلًا، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى وَخِطَابُ رَسُولِهِ - ﷺ - مَحْمُولًا عَلَى ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] . وَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي هَذَا كَالنَّهْيِ، لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي نَفْيَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَنْتَفِيَ أَبَدًا. أَلَا تَرَى: أَنَّهُ لَوْ أَدْخَلَ حَرْفَ النَّفْيِ عَلَى الْخَبَرِ كَانَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ مُنْتَفِيًا أَبَدًا، لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَا دَخَلَ زَيْدٌ الدَّارَ أَوْ قَالَ لَا يَدْخُلُهَا فَعَلَّقَ الْخَبَرَ عَلَى مَاضٍ أَوْ مُسْتَقْبَلٍ بِحَرْفِ النَّفْيِ عَلَّقَ بِهِ (نَفْيَ) جَمِيعِ مَا تَضَمَّنَهُ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْأَمْرُ لِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي الْإِثْبَاتَ، وَالْخَبَرُ إذَا وَقَعَ عَنْ إثْبَاتِ فِعْلٍ مَاضٍ أَوْ مُسْتَقْبَلٍ لَمْ يَقْتَضِ التَّكْرَارَ.
كَذَلِكَ الْأَمْرُ إذَا كَانَ مَوْضُوعُهُ الْإِثْبَاتَ فَمَتَى فُعِلَ الْمَأْمُورُ بِهِ مَرَّةً فَقَدْ أَدَّى مُوجِبَ الْأَمْرِ، وَإِنْ فَعَلَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مَرَّةً لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ حُكْمُ النَّهْيِ فِيمَا بَعْدُ لِأَنَّ النَّهْيَ لَمَّا تَنَاوَلَ نَفْيَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ صَارَ كَمَنْ قِيلَ لَهُ: لَا تَفْعَلْ (ذَلِكَ) فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، فَإِذَا أَوْقَعَ الْفِعْلَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا لَمْ يَبْطُلْ حُكْمُ النَّهْيِ عَنْ فِعْلِهِ فِي بَاقِي الْأَوْقَاتِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لَمَّا تَضَمَّنَ الْأَمْرُ وُجُوبَ الِاعْتِقَادِ (لِلُزُومِ) فِعْلِهِ كَمَا تَضَمَّنَ وُجُوبَ
[ ٢ / ١٤١ ]
الْفِعْلِ ثُمَّ كَانَ الِاعْتِقَادُ لِوُجُوبِ فِعْلِهِ لَازِمًا عَلَى وَجْهِ التَّكْرَارِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ الْفِعْلُ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا مِنْ مَضْمُونِ الْأَمْرِ. قِيلَ لَهُ: هَذَا غَلَطٌ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَكْرَارُ الِاعْتِقَادِ بَلْ يَكْفِيهِ الِاعْتِقَادُ الْأَوَّلُ إلَى أَنْ يُوقِعَ الْفِعْلَ، فَقَوْلُك: إنَّ الْأَمْرَ يَتَضَمَّنُ تَكْرَارَ الِاعْتِقَادِ خَطَأٌ. وَأَيْضًا: لَوْ فَعَلَهُ عَقِيبَ وُرُودِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ تَكْرَارُ الِاعْتِقَادِ، وَإِنَّمَا ظَنَّ السَّائِلُ أَنَّ لُزُومَ الثَّبَاتِ عَلَى اعْتِقَادِ وُجُوبِهِ إلَى وَقْتِ إيقَاعِهِ تَكْرَارٌ لِلِاعْتِقَادِ وَلَيْسَ هُوَ كَمَا ظَنَّ، وَعَلَى أَنَّهُ مُنْتَقَضٌ بِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ. وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ: حُجَّ فِي عُمْرِك حَجَّةً وَاحِدَةً لَكَانَ عَلَيْهِ الثَّبَاتُ عَلَى اعْتِقَادِ وُجُوبِهَا إلَى وَقْتِ إيقَاعِهَا وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ تَكْرَارُ الْحَجِّ مِنْ حَيْثُ لُزُومُهُ الثَّبَاتَ عَلَى الِاعْتِقَادِ إلَى وَقْتِ إيقَاعِهَا.