[ ٢ / ١١ ]
أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرَشِيُّ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أنا الشَّافِعِيُّ، أنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ مِنْ أَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا»
[ ٢ / ١١ ]
أنا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ الْحَرْبِيُّ، أنا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ، نا أَبُو خَيْثَمَةَ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ، نا مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: «كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا»
[ ٢ / ١١ ]
أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ، نا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، نا أَبُو سِنَانٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «أُحَرِّجُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَسْأَلُونَا عَمَّا لَمْ يَكُنْ، فَإِنَّ لَنَا فِيمَا كَانَ شُغْلًا»
[ ٢ / ١٢ ]
أنا ابْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ، نا مَسْرُوقُ بْنُ الْمَرْزَبَانِ، نَا شَرِيكٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «لَا تَسْأَلُوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَلْعَنُ السَّائِلَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ»
[ ٢ / ١٢ ]
أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ، أنا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ، نا أَبُو خَيْثَمَةَ، نا جَرِيرٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَسْأَلُوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ، فَإِنَّ عُمَرَ، كَانَ يَلْعَنُ، أَوْ يَسُبُّ مَنْ سَأَلَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ»
[ ٢ / ١٣ ]
أنا أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَهْدِيٍّ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْعَطَّارُ، نَا طَاهِرُ بْنُ خَالِدِ بْنِ نِزَارٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: كَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إِذَا سُئِلَ عَنِ الشَّيْءِ، يَقُولُ: «كَانَ هَذَا؟» فَإِنْ قَالُوا: لَا، قَالَ: «دَعُوهُ حَتَّى يَكُونَ»
[ ٢ / ١٣ ]
أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلِ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، نا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ، نَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنِي شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ كَانَ يَقُولُ إِذَا سُئِلَ عَنِ الْأَمْرِ: «أَكَانَ هَذَا؟» فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، كَانَ حَدَّثَ فِيهِ بِالَّذِي يَعْلَمُ، وَإِنْ قَالُوا ⦗١٤⦘: لَمْ يَكُنْ، قَالَ: «فَذَرُوهُ حَتَّى يَكُونَ»
[ ٢ / ١٣ ]
أنا ابْنُ الْفَتْحِ، أنا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا أَبُو خَيْثَمَةَ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، نا مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إِذَا سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ شَيْءٍ، قَالَ: «اللَّهِ لَكَانَ هَذَا؟» فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، تَكَلَّمَ فِيهِ، وَإِلَّا لَمْ يَتَكَلَّمْ
[ ٢ / ١٤ ]
وَقَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ: أَكَانَ بَعْدُ "، قُلْتُ: لَا، قَالَ: «فَأَجِمَّنَا حَتَّى يَكُونَ، فَإِذَا كَانَ اجْتَهَدْنَا لَكَ رَأَيْنَا»
[ ٢ / ١٤ ]
أنا أَبُو عُمَرَ بْنُ مَهْدِيٍّ، أنا أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ، نا جَدِّي، نا أَبُو سَلَمَةَ: مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا وهَيْبُ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سُئِلَ عَمَّارٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَقَالَ: «هَلْ كَانَ هَذَا بَعْدُ؟» قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَدَعُونَا حَتَّى يَكُونَ، فَإِذَا كَانَ تَجَشَّمْنَاهُ لَكُمْ»
[ ٢ / ١٥ ]
أنا ابْنُ الْفَضْلِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتُوَيْهِ، نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، نا زَيْدُ بْنُ بِشْرٍ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ، قَالَا: أنا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عَلِيٍّ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: «مَا سَمِعْتُ فِيهِ، بِشَيْءٍ وَمَا نَزَلَ بِنَا»، فَقُلْتُ: إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِبَعْضِ إِخْوَانِكَ، فَقَالَ: «مَا سَمِعْتُ فِيهِ بِشَيْءٍ وَمَا نَزَلَ بِنَا، وَمَا أَنَا بقَائِلٍ فِيهِ شَيْئًا»
[ ٢ / ١٥ ]
أنا أَبُو عُمَرَ بْنُ مَهْدِيٍّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَ مَالِكٌ، قَالَ: «أَدْرَكْتُ هَذِهِ الْبَلْدَةَ وَإِنَّهُمْ لَيَكْرَهُونَ هَذَا الْإِكْثَارَ الَّذِي فِيهِ الْيَوْمَ» يُرِيدُ الْمَسَائِلَ ⦗١٦⦘ فَهَذَا مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ مَنْعٍ مِنَ الْكَلَامِ فِي الْحَوَادِثِ قَبْلَ نُزُولِهَا، وَنَحْنُ نُجِيبُ عَنْهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ: أَمَّا كَرَاهَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَسَائِلَ، فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ إِشْفَاقًا عَلَى أُمَّتِهِ وَرَأْفَةٍ بِهَا، وَتَحَنُّنًا عَلَيْهَا، وَتَخَوُّفًا أَنْ يُحَرِّمَ اللَّهُ عِنْدَ سُؤَالِ سَائِلٍ أَمْرًا كَانَ مُبَاحًا قَبْلَ سُؤَالِهِ عَنْهُ، فَيَكُونُ السُّؤَالُ سَبَبًا فِي حَظَرِ مَا كَانَ لِلْأُمَّةِ مَنْفَعَةٌ فِي إِبَاحَتِهِ، فَتَدْخُلُ بِذَلِكَ الْمَشَقَّةُ عَلَيْهِمْ وَالْإِضْرَارُ بِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَا
[ ٢ / ١٥ ]
أناه أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ، نا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ، نا أَبُو يَعْلَى هُوَ الْمَوْصِلِيُّ، نا الْمُقَدَّمِيُّ، نا زُهَيْرُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى «فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَّدَ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرٍ نِسْيَانٍ رَحْمَةً لَكُمْ، فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا»
[ ٢ / ١٦ ]
وأنا عَلِيُّ بْنُ الْقَاسِمِ الْبَصْرِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَادَرَائِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ النَّسَائِيُّ، نا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا، رَجُلٌ سَأَلَ عَمَّا لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ» وَهَذَا الْمَعْنَى قَدِ ارْتَفَعَ بِمَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَاسْتَقَرَّتْ أَحْكَامُ الشَّرِيعَةِ، فَلَا حَاظَرَ وَلَا مُبِيحَ بَعْدَهُ وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ السُّؤَالِ عَمَّا لَمْ يَكُنِ الْحَدِيثُ الَّذِي
[ ٢ / ١٧ ]
أناه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ السُّكَّرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ، نا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ، نا أَبُو حُذَيْفَةَ، نا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ جَدِّهِ: رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَخَافُ أَنْ نَلْقَى ⦗١٨⦘ الْعَدُوَّ غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًا، فَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذَكَرْتَ عَلَيْهِ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ، مَا خَلَا السِّنَّ وَالظُّفُرَ» فَلَمْ يَعِبْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَسْأَلَةَ رَافِعٍ عَمَّا لَمْ يَنْزِلْ بِهِ، لِأَنَّهُ قَالَ: غَدًا، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ لِمَ سَأَلْتَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ، وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ الَّذِي
[ ٢ / ١٧ ]
أناه الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، أنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ الطَّسْتِيُّ، أنا السَّرِيُّ بْنُ سَهْلٍ الْجُنْدِيَسَابُورِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُشَيْدٍ، نا أَبُو عُبَيْدَةَ: مَجَاعَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ يُونُسَ الْوَاسِطِيِّ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا، قَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا الْحَقَّ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا، فَنُقَاتِلُهُمْ، فَقَامَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: تَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَمْرٍ لَمْ يَحْدُثْ بَعْدُ؟ فَقَالَ: لَأَسْأَلَنَّهُ حَتَّى يَمْنَعَنِي، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا الْحَقَّ وَيَمْنَعُونَا، أَنُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: «لَا عَلَيْكُمُ مَا حُمِّلْتُمْ وَعَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا»
[ ٢ / ١٨ ]
فَلَمْ يَمْنَعْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذَا الرَّجُلَ مِنْ مَسْأَلَتِهِ، وَلَا أَنْكَرَهَا عَلَيْهِ، بَلْ أَجَابَهُ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَفِي الْآثَارِ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَأَمَّا تَحْرِيجُ عُمَرَ فِي السُّؤَالِ عَمَّا لَمْ يَكُنْ، وَلَعْنُهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَيُحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ بِهِ السُّؤَالُ عَلَى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ وَالْمُغَالَطَةِ، لَا عَلَى سَبِيلِ التَّفَقُّهِ وَابْتِغَاءِ الْفَائِدَةِ، وَلِهَذَا ضَرَبَ صَبِيغَ بْنَ عَسَلٍ ونَفَاهُ، وَحَرَمَهُ رِزْقَهُ وَعَطَاءَهُ، لَمَّا سَأَلَ عَنْ حُرُوفٍ مِنْ مُشْكِلِ الْقُرْآنِ، فَخَشِيَ عُمَرُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ بِمَسْأَلَتِهِ ضُعَفَاءَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْعِلْمِ، لِيُوقِعَ فِي قُلُوبِهِمُ التَّشْكِيكَ وَالتَّضْلِيلَ بِتَحْرِيفِ الْقُرْآنِ عَنْ نَهْجِ التَّنْزِيلِ، وَصَرْفِهِ عَنْ صَوَابِ الْقَوْلِ فِيهِ إِلَى فَاسِدِ التَّأْوِيلِ، وَمَثَلَ هَذَا قَدْ وَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ النَّهْيُ عَنْهُ وَالذَّمُ لِفَاعِلِهِ
[ ٢ / ١٩ ]
أنا أَبُو سَعِيدٍ: مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، نا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الرَّقِّيُّ، نَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، نا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، قَدْ سَمَّاهُ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْأُغْلُوطَاتِ» قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: شِدَادُ الْمَسَائِلِ
[ ٢ / ٢٠ ]
أنا هِلَالُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحَفَّارُ، ومُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ بُكَيْرٍ النَّجَّارُ، ومُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْبُنْدَارُ، قَالَ السَّوَّاقُ: أنا وَقَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْبُرُوجَرْدِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْهَمَذَانِيُّ، نا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الصُّنَابِحِيّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْغُلُوطَاتِ» ⦗٢١⦘ يَعْنِي دَقِيقَ الْمَسَائِلِ
[ ٢ / ٢٠ ]
أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ، أنا أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيُّ، نا جَعْفَرُ الصَّنْدَلِيُّ، قَالَ: نا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الزَّعْفَرَانِيِّ، نا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ الْقَطَّانُ، نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الصُّنَابِحِيّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " نَهَى عَنِ الْأُغْلُوطَاتِ قَالَ عِيسَى: وَالْأُغْلُوطَاتُ: مَا لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ كَيْفَ وَكَيْفَ
[ ٢ / ٢١ ]
أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الْعَبْدِيُّ، نا أَبُو النَّضْرٍ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا يَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْأَشْعَثِ، يُحَدِّثُ عَنْ ثَوْبَانَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «سَيَكُونُ أَقْوَامٌ مِنْ أُمَّتِي يُغَلِّطُونَ فُقَهَاءَهُمْ بِعَضْلِ الْمَسَائِلِ، أُولَئِكَ شِرَارُ أُمَّتِي»
[ ٢ / ٢١ ]
أنا أَبُو سَعِيدٍ الصَّيْرَفِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ، نا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا الْمُسْتَلِمُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ ⦗٢٢⦘: «شِرَارُ عِبَادِ اللَّهِ يِنْتَقُونَ شِرَارَ الْمَسَائِلِ يُعْمُونَ بِهَا عِبَادَ اللَّهِ» وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ تَكَمَّلُوا فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ قَبْلَ نُزُولِهَا، وَتَنَاظَرُوا فِي عِلْمِ الْفَرَائِضِ وَالْمَوَارِيثِ، وَتَبِعَهُمْ عَلَى هَذِهِ السَّبِيلِ التَّابِعُونَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، فَكَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ غَيْرُ مَكْرُوهٍ وَمُبَاحٌ غَيْرُ مَحْظُورٍ وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَمَّارِ بْنِ كَعْبٍ، وعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ تَوَقَّوَا الْقَوْلَ بِرَأْيِهِمْ خَوْفًا مِنَ الزَّلَلِ، وَهَيْبَةً لِمَا فِي الِاجْتِهَادِ مِنَ الْخَطَرِ، وَرَأَوْا أَنَّ لَهُمُ عَنْ ذَلِكَ مَنْدُوحَةً فِيمَا لَمْ يَحْدُثْ: مِنَ النَّوَازِلِ، وَأَنَّ كَلَامَهُمْ فِيهَا إِذَا حَدَثَتْ تَدْعُوا إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، فَيُوَفِّقُ اللَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ مَنْ قَصَدَ إِصَابَةَ الْحَقِّ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ نَحْوَ هَذَا الْقَوْلِ
[ ٢ / ٢١ ]
أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيُّ، نا ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْوَاسِطِيُّ، نا زُهَيْرٌ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدِ بْنِ قَمِيرٍ، أنا مَنْصُورُ بْنُ صُقَيْرٍ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، نا الصَّلْتُ بْنُ رَاشِدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ طَاوُسًا عَنْ شَيْءٍ، فَانْتَهَرَنِي، وَقَالَ: أَكَانَ هَذَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ وَقَالَ: اللَّهِ، قُلْتُ: اللَّهِ، قَالَ ⦗٢٣⦘: إِنَّ أَصْحَابَنَا أَخْبَرُونَا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَعْجَلُوا بِالْبَلَاءِ قَبْلَ نُزُولِهِ فَيَذْهَبَ بِكُمْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، فَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَعْجَلُوا بِالْبَلَاءِ قَبْلَ نُزُولِهِ، لَمْ يَنْفَكَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ إِذَا سُئِلَ سُدِّدَ، أَوْ قَالَ وُفِّقَ» وَهَذَا فِعْلُ أَهْلِ الْوَرَعِ وَالْمُشْفِقِينَ عَلَى دِينِهِمْ، وَلِأَجْلِ مَا ذَكَرْنَاهُ كَانَ خَلْقٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِذَا سُئِلَ أَحَدُهُمْ عَنْ حُكْمِ حَادِثَةٍ حَادَ عَنِ الْجَوَابِ وَأَحَالَ عَلَى غَيْرِهِ
[ ٢ / ٢٢ ]
أنا ابْنُ الْفَضْلِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتُوَيْهِ، نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، نا أَبُو بَكْرٍ الْحُمَيْدِيُّ، نا سُفْيَانُ، نا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: «أَدْرَكْتُ مِائَةً وَعِشْرِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَسْأَلُ أَحَدُهُمْ عَنِ الْمَسْأَلَةِ فَيَرُدُّهَا هَذَا إِلَى هَذَا، وَهَذَا إِلَى هَذَا حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى الْأَوَّلِ»
[ ٢ / ٢٣ ]
أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ، أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، ⦗٢٤⦘ نا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، نا قَبِيصَةُ، وأنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ، بِالْبَصْرَةِ، وَاللَّفْظُ لَهُ، نا أَبُو عَلِيٍّ: الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْفَسَوِيُّ، نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، نا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَا: نا سُفْيَانُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: «لَقَدْ أَدْرَكْتُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ عِشْرِينَ وَمِائَةً مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مَا أَحَدٌ مِنْهُمْ يُحَدِّثُ حَدِيثًا إِلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهَ كَفَاهُ الْحَدِيثَ، وَلَا يَسْأَلُ عَنْ فُتْيَا، إِلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهَ كَفَاهُ الْفُتْيَا»
[ ٢ / ٢٣ ]
أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْمُقْرِئُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيُّ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ الْأُشْنَانِيُّ، نَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْعِجْلِيُّ، نا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، نَا حَمَّادُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَلْقَمَةَ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَقَالَ: ائْتِ عَبِيدَةَ فَسَلْهُ، فَأَتَيْتُ عُبَيْدَةَ فَقَالَ: ائْتِ عَلْقَمَةَ، فَقُلْتُ: عَلْقَمَةُ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ، فَقَالَ: ائْتِ مَسْرُوقًا فَسَلْهُ، فَأَتَيْتُ مَسْرُوقًا فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: ائْتِ عَلْقَمَةَ فَسَلْهُ، فَقُلْتُ: عَلْقَمَةُ أَرْسَلَنِي إِلَى عُبَيْدَةَ، وَعُبَيْدَةُ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ، قَالَ: فَأْتِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى، فَأَتَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى فَسَأَلْتُهُ فَكَرِهَهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى عَلْقَمَةَ فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: كَانَ يُقَالُ «أَجْرَأُ الْقَوْمِ عَلَى الْفُتْيَا أَدْنَاهُمْ عِلْمًا»
[ ٢ / ٢٤ ]
أنا ابْنُ الْفَضْلِ، أنا ابْنُ دَرَسْتُوَيْهِ، نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، نا قَبِيصَةُ، نا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، قَالَ: سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ: «أَمَا وَجَدْتَ أَحَدًا تَسْأَلُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ غَيْرِي» وَهَكَذَا كَانَ إِمْسَاكُ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ الْكَلَامِ فِي حَادِثَةٍ لَمْ تَنْزِلْ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ بِغَيْرِهِ، وَمَا حَكَى مَالِكٌ عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الْإِكْثَارِ فِي الْمَسَائِلِ، كُلُّ ذَلِكَ خَوْفُ الزَّلَلِ فِي الرَّأْيِ، وَرَأَوْا أَنَّ النَّاسَ يَقْتَدُونَ بِهِمْ وَيُقَلِّدُونَهُمْ أَمْرَ دِينِهِمْ، وَيَحْتَجُّونَ بِأَقْوَالِهِمْ، فَإِذَا: عَلِمَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ أَنَّ جَوَابَهُ يَنْفُذُ فِيمَا سُئِلَ عَنْهُ بِالتَّحْلِيلِ أَوِ التَّحْرِيمِ، حَمَلَ نَفْسَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا مِنْ شِدَّةِ مُعَالَجَتِهَا وَالِاسْتِقْصَاءِ فِي إِدْرَاكِ حَقِيقَتِهَا عَلَى مَا كَانَ غَيْرَ خَائِفٍ مِنْهُ لَوْ قَصَّرَ فِيهِ قَبْلَ نُزُولِهَا وَالسُّؤَالِ عَنْهَا، وَمَنْ قُلِّدَ أَمْرَ الدِّينِ وَاسْتُفْتِيَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ، فَخَطَرُ زَلَلِهِ عَظِيمٌ، وَهُوَ الَّذِي تَخَوَّفُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ
[ ٢ / ٢٥ ]
أنا أَبُو الْحَسَنِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى بْنِ ⦗٢٦⦘ هَارُونَ بْنِ الصَّلْتِ الْأَهْوَازِيُّ، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عُقْدَةَ الْكُوفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ، نا أَبُو غَسَّانَ، نا مَسْعُودُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَشَدُّ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي ثَلَاثَةً: زَلَّةُ عَالِمٍ، وَجِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ، أَوْ دُنْيَا تَقْطَعُ رِقَابِكُمْ فَاتَّهِمُوهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ " قَالَ أَبُو غَسَّانَ: قَالَ لِي بَنُو أَبِي شَيْبَةَ: لَوْ رَحَلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِلَى خُرَاسَانَ كَانَ قَلِيلًا
[ ٢ / ٢٥ ]
أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ، نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ، أنا ⦗٢٧⦘ ابْنُ الْمُبَارَكِ، نا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: قِيلَ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ: يَا رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ، مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ فِتْنَةً؟ قَالَ: «زَلَّةُ الْعَالِمِ، إِذَا زَلَّ الْعَالِمُ زَلَّ بِزَلَّتِهِ عَالَمٌ كَثِيرٌ»
[ ٢ / ٢٦ ]
أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْفَوَارِسِ، أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ: «زَلَّةُ الْعَالِمِ كَانْكِسَارِ السَّفِينَةِ، تَغْرَقَ وَيَغْرَقُ مَعَهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ»
[ ٢ / ٢٧ ]
أنا عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى بْنِ جَعْفَرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ بُنْدَارٍ الْمَدِينِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ مَهْدِيٍّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَجَبِيُّ، نا حَمَّادٌ يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ، نا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ، وأنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ الْأَزْجِيُّ، نا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَجَلِيُّ، وأنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ الدَّقَّاقُ، ومُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَسْنُونَ النَّرْسِيُّ، قَالَا: أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَارُونَ، قَالَا: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَرْوَزِيُّ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: وَقَدْ قَالَ مَرَّةً أُخْرَى: عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ سَعْدٍ، وَفِي حَدِيثِ الْأَزْجِيِّ، وَقَالَ إِسْحَاقُ مَرَّةً أُخْرَى: عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «وَيْلٌ لِلْأَتْبَاعِ مِنْ عَثَرَاتِ الْعَالِمِ»، قِيلَ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: «يَقُولُ الْعَالِمُ بِرَأْيِهِ، فَيَبْلُغُهُ الشَّيْءُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خِلَافَهُ، فَيَرْجِعُ وَيَمْضِي ⦗٢٨⦘ الْأَتْبَاعُ بِمَا سَمِعُوا» وَاللَّفْظُ لِحَدِيثِ إِسْحَاقَ
[ ٢ / ٢٧ ]
أنا أَبُو الْفَتْحِ: عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ الضَّبِّيُّ، نا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُكْرَمُ بْنُ أَحْمَدَ، نا أَحْمَدُ بْنُ عَطِيَّةَ، نا بِشْرٌ يَعْنِي ابْنَ الْوَلِيدِ وَابْنَ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ، قَالَ: «كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا عَمِلَ الْقَوْلَ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، رَاضَهُ سَنَةً لَا يُخْرِجُهُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَإِذَا كَانَ بَعْدَ سَنَةٍ، وَأَحْكَمَهُ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ فِي الِاسْتِحْسَانِ هَمَّهُ مُنَاظَرَةُ نَفْسِهِ»
[ ٢ / ٢٨ ]
أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْمُقْرِئُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرَّيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّنْدَلِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: سَمِعْتُ بِشْرَ بْنَ الْحَارِثِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمُعَافَى بْنَ عِمْرَانَ، يَذْكُرُ عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: «أَدْرَكْتُ الْفُقَهَاءَ وَهُمْ يَكْرَهُونَ أَنْ يُجِيبُوا فِي الْمَسَائِلِ وَالْفُتْيَا، حَتَّى لَا يَجِدُوا بُدًّا مِنْ أَنْ يُفْتُوا» وَقَالَ الْمُعَافَى، سَأَلْتُ سُفْيَانَ، فَقَالَ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ مِمَّنْ أَدْرَكْتُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ وَهُمْ يَتَرَادُّونَ الْمَسَائِلَ، يَكْرَهُونَ أَنْ يُجِيبُوا فِيهَا، فَإِذَا أُعْفُوا مِنْهَا كَانَ ذَلِكَ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ
[ ٢ / ٢٨ ]
أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الدَّقَّاقُ، نا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، نا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: «مَنْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْفُتْيَا فَقَدْ عَرَّضَهَا لِأَمْرٍ عَظِيمٍ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ تَجِيءُ الضَّرُورَةُ» قَالَ الْحَسَنُ: إِنْ تَرَكْنَاهُمْ وَكَلْنَاهُمْ إِلَى عِيٍّ شَدِيدٍ، فَإِنَّمَا تَكَلَّمَ الْقَوْمُ عَلَى هَذَا، وَكَانَ قَوْمٌ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِمْ فَتَكَلَّمُوا، قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَأَيُّمَا أَفْضَلُ الْكَلَامُ أَوِ الْإِمْسَاكُ؟ قَالَ: «الْإِمْسَاكُ أَحَبُّ إِلَيَّ لَا شَكَّ»، قِيلَ لَهُ: فَإِذَا كَانَتِ الضَّرُورَةُ؟ فَجَعَلَ يَقُولُ: «الضَّرُورَةُ الضَّرُورَةُ» وَقَالَ: «الْإِمْسَاكُ أَسْلَمُ لَهُ» قُلْتُ: الْإِمْسَاكُ أَقْرَبُ إِلَى السَّلَامَةِ، لَكِنْ مَا يَجُوزُهُ الْمُجْتَهِدُ إِذَا نَصَحَ وَبَذَلَ مَجْهُودَهُ فِي طَلَبِ الْحَقِّ مِنَ الْفَضْلِ وَعَظِيمِ الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ أَوْلَى مَا رَغِبَ فِيهِ الرَّاغِبُونَ، وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ
[ ٢ / ٢٩ ]
أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ، أنا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى الْمَرْزَبَانِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْمَكِّيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَلَّادٍ، قَالَ: كَانَ يُقَالُ: " مَنْ لَمْ يَرْكَبِ الْمَصَاعِبَ لَمْ يَنَلِ الرَّغَائِبَ ⦗٣٠⦘ وَلِأَبِي إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَحْيَى الْمُزَنِيِّ، كَلَامٌ مُسْتَقْصًى فِيمَنْ أَنْكَرَ السُّؤَالَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ، أَنَا أَسُوقُهُ لِمَا يَتَضَمَّنُ مِنَ الْفَوَائِدِ الْكَثِيرَةِ وَالْمَنَافِعِ الْغَزِيرَةِ
[ ٢ / ٢٩ ]
أنا أَبُو الْحَسَنِ: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الصَّابُونِيُّ، أنا أَبُو سُلَيْمَانَ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَرَّانِيُّ، أنا أَبُو عَلِيٍّ: أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شُعَيْبٍ الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: قَالَ الْمُزَنِيُّ: " يُقَالُ لِمَنْ أَنْكَرَ السُّؤَالَ فِي الْبَحْثِ عَمَّا لَمْ يَكُنْ لِمَ أَنْكَرْتُمْ ذَلِكَ؟ فَإِنْ قَالُوا: لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَرِهَ الْمَسْأَلَةَ، قِيلَ: وَكَذَلِكَ كَرِهَهَا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ تُرْفَعُ إِلَيْهِ لِمَا كَرِهَ مِنَ افْتِرَاضِ اللَّهِ الْفَرَائِضَ بِمُسَاءَلَتِهِ وَثِقَلِهَا عَلَى أُمَّتِهِ لِرَأْفَتِهِ بِهَا وَشَفَقَتِهِ عَلَيْهَا، فَقَدِ ارْتَفَعَ ذَلِكَ بِرَفْعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا فَرْضَ بَعْدَهُ يَحْدُثُ أَبَدًا وَإِنْ قَالُوا: لِأَنَّ عُمَرَ أَنْكَرَ السُّؤَالَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ، قِيلَ: فَقَدْ يَحْتَمِلُ إِنْكَارُهُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّعَنُّتِ وَالْمُغَالَطَةِ، لَا عَلَى التَّفَقُّهِ، وَالْفَائِدَةِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَنَا، وَإِلَّا سَأَلْنَا عَنْهُ غَيْرَنَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ إِنْكَارِهِ عَلَى ابْنِ الْكَوَّاءِ أَنْ يَسْأَلَ تَعَنُّتًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْأَلَ تَفَقُّهًا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَزَيْدٍ، فِي الرَّجُلِ يُخَيَّرُ امْرَأَتَهُ، فَقَالَ عُمَرُ، وَابْنُ مَسْعُودٍ: إِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا، فَلَا شَيْءَ،
[ ٢ / ٣٠ ]
وَإِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا، فَوَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ، وَقَالَ عَلِيٌّ: إِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا، فَوَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ، وَإِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَوَاحِدَةٌ بَائِنٌ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَثَلَاثٌ، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا، فَوَاحِدَةٌ بَائِنٌ، وَأَجَابُوا جَمِيعًا فِي أَمْرَيْنِ، أَحَدُهُمَا لَمْ يَكُنْ، وَلَوْ كَانَ الْجَوَابُ فِيمَا لَمْ يَكُنْ مَكْرُوهًا لَمَا أَجَابُوا إِلَّا فِيمَا كَانَ، وَلَسَكَتُوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ وَعَنْ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ فِي الْمُكَاتَبِ: أَكُنْتَ رَاجِمَهُ لَوْ زَنَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَفَكُنْتَ تَقْبَلُ شَهَادَتَهُ لَوْ شَهِدَ؟ قَالَ: لَا، فَقَدْ سَأَلَهُ زَيْدٌ وَأَجَابَهُ عَلِيٌّ فِيمَا لَمْ يَكُنْ عَلَى التَّفَقُّهِ وَالتَّفَطُّنِ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي مُسَاءَلَتِهِ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيَّ: أَرَأَيْتَ، أَرَأَيْتَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سَلْنِي، وَقَوْلِ عَلِيٍّ: سَلُونِي، وَقَوْلِ أَبِي الدَّرْدَاءٍ: ذَاكِرُوا هَذِهِ الْمَسَائِلَ، وَلَوْ كَانَ هَذَا السُّؤَالُ لَا يَجُوزُ إِلَّا عَمَّا كَانَ لِمَا تَعَرَّضَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ جَوَابًا لَا يَجُوزُ أَبَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَيُقَالُ لَهُ: أَلَيْسَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَطْلُبَ الْفَرَائِضَ فِي الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ ذَلِكَ وَهُوَ دِينٌ؟ فَإِذَا قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: فَكَيْفَ يَجُوزُ طَلَبُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الدِّينِ، وَالْجَوَابُ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ فِي بَعْضٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ دِينٌ؟ وَيُقَالُ لَهُ: هَلْ تَخْلُوَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي أَنْكَرْتُمْ جَوَابَهَا، قَبْلَ أَنْ تَكُونَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهَا حُكْمٌ خَفِيٌّ، حَتَّى لَا يُوصَلَ إِلَيْهِ إِلَّا بِالنَّظَرِ
[ ٢ / ٣١ ]
وَالِاسْتِنْبَاطِ، أَوْ لَا يَكُونَ لَهَا حُكْمٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حُكْمٌ فَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ مَا وَجْهُ الْمَسْأَلَةِ فِيهَا كَانَتْ أَوْ لَمْ تَكُنْ، وَإِنْ كَانَ لَهَا حُكْمٌ لَا يُوصَلُ إِلَيْهِ بِالْمُنَاظَرَةِ وَالِاسْتِنْبَاطِ، فَالتَّقَدُّمُ بِكَشْفِ الْخَفِيِّ، وَمَعْرِفَتِهِ وَإِعْدَادِهِ لِلْمَسْأَلَةِ قَبْلَ نُزُولِهَا أَوْلَى، فَإِذَا نَزَلَتْ كَانَ حُكْمُهَا مَعْرُوفًا فَوَصَلَ بِذَلِكَ الْحَقَّ إِلَى أَهْلِهِ، وَمَنَعَ بِهِ الظَّالِمَ مِنْ ظُلْمِهِ، وَكَانَ خَيْرًا أَوْ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يَتَوَقَّفُوا إِلَى أَنْ يَصِحَّ النَّظَرُ فِي الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ الْمُنَاظَرَةِ، وَقَدْ يُبْطِئُ ذَلِكَ وَيَكُونُ فِي التَّوَقُّفِ ضَرَرٌ يَمْنَعُ الْخَصْمَ مِنْ حَقِّهِ، وَالْفَرْجَ مِنْ حِلِّهِ، وَتَرْكَ الظَّالِمِ عَلَى ظُلْمِهِ وَشَبَّهُوا أَوْ بَعْضُهُمُ النَّازِلَةَ فِيمَا بَلَغَنِي إِذَا كَانَتْ بِالضَّرُورَةِ، وَالْجَوَابَ فِيهَا بِأَكْلِ الْمَيْتَةِ، فَأَحَلُّوا الْجَوَّابَ فِي النَّازِلَةِ، كَمَا أَحَلُّوا الْمَيْتَةَ بِالضَّرُورَةِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَفَتَزْعُمُونَ أَنَّ الَّذِيَ ذَكَرْنَا رِوَايَتَكُمْ عَنْهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فِيمَا أَجَابُوا فِيهِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ وَتَعَرُّضَهُمْ جَوَابَ مَا لَمْ يَسْأَلُوا عَنْهُ قَدْ صَارُوا بِذَلِكَ فِي مَعْنًى مِنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ عَلَى غَيْرِ ضَرُورَةٍ؟ وَيُقَالُ لَهُمْ: مَا يُشْبِهُ خَوْفَ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ الْمَوْتَ، فَأَمَرَ بِإِحْيَائِهَا مِنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ مِنَ الْمُجِيبِ، إِلَّا مِمَّا حَلَّ لِصَاحِبِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا التَّشْبِيهُ لَكَانَ إِذَا حَلَّ بِرَجُلٍ ضَرُورَةٌ حَلَّ لِغَيْرِهِ أَكْلُ الْمَيْتَةِ، كَمَا إِذَا حَلَّتْ بِرَجُلٍ مَسْأَلَةٌ، حَلَّ لِغَيْرِهِ جَوَّابُ الْمَسْأَلَةِ، وَكَانَ أَوْلَى التَّشْبِيهَيْنِ، إِنْ جَازَ أَنْ يُقَاسَ عَلَى الْمَيْتَةِ أَنْ يَكُونَ الْجَاهِلُ الْمَنْزُولُ بِهِ الْمَسْأَلَةَ أَحَقَّ بِالْجَوَابِ الَّذِي يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ مَكْرُوهَ الْمَسْأَلَةِ، كَمَا كَانَ بِضَرُورَةِ الْمَضْرُورِ تَحِلُّ لَهُ الْمَيْتَةُ، يَدْفَعُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ مَكْرُوهَ الضَّرُورَةِ،
[ ٢ / ٣٢ ]
قَالَ الْمُزَنِيُّ: وَإِنْ قَالُوا أَوْ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا زَعَمْنَا أَنَّ الْمَسْأَلَةَ إِذَا نَزَلَتْ فَسُئِلَ عَنْهَا الْعَالِمُ كَانَ كَالْمُضْطَرِّ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَ كَمَا كَانَ عَلَى الْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ قِيلَ لَهُمْ: فَرِوَايتُكُمْ عَنْ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا سُئِلُوا رَدُّ الْمَسْأَلَةِ هَذَا إِلَى هَذَا حَتَّى تَدُورَ الْمَسْأَلَةُ فَتَرْجِعَ إِلَى الْأَوَّلِ تُوجِبُ فِي قَوْلِكِمْ أَنَّهُمْ تَرَكُوا مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ عَلَى الْمُضْطَرِّ فَرْضًا أَنْ يُحْيِيَ نَفْسَهُ بِالْمَيْتَةِ، وَلَا يَقْتُلُهَا بِتَرْكِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ، قَدْ تَرَكَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا فُرِضَ عَلَيْهِمْ فِي مَعْنَى قَوْلِكِمْ وَيُقَالُ لَهُمْ: أَلَيْسَ إِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ جَوَابُ الْمَنْزُولِ بِهِ لِيَدْفَعَ بِهِ جَهْلَهُ، وَلِيَعْلَمَ بِالْجَوَابِ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ وَحَلَّ لَهُ؟ فَإِذَا قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ لَهُ: فَقَدْ رَجَعَتِ الْمَسْأَلَةُ إِلَى أَنَّ الضَّرُورَةَ بِغَيْرِهِ أَوْجَبَتِ الْجَوَابَ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ لِضَرُورَةِ الْمُضْطَرِّ بِغَيْرِهِ يَجِبُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَهُمَا مُفْتَرِقَانِ لَا يُشْبِهُ الْجَوَابُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَيْتَةَ، وَيُقَالُ لَهُ: أَلَيْسَ إِذَا نَزَلَتِ الْمَسْأَلَةُ فَسُئِلَ عَنْهَا الْعَالِمُ حَلَّ لَهُ الْجَوَابُ بِالسُّؤَالِ، كَمَا إِذَا نَزَلَتْ بِهِ ضَرُورَةٌ حَلَّ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ بِالِاضْطِرَارِ؟ فَإِذَا قَالَ: بَلَى، قِيلَ: وَكَذَلِكَ إِذَا ارْتَفَعَ السُّؤَالُ رَجَعَ الْجَوَابُ حَرَامًا كَمَا إِذَا ارْتَفَعَ الِاضْطِرَارُ رَجَعَتِ الْمَيْتَةُ حَرَامًا، فَإِذَا قَالُوا: نَعَمْ، قِيلَ لَهُمْ: فَلِمَ سَأَلْتُمْ عَنْ جَوَابِ الْمَاضِينَ وَمَلَأْتُمْ مِنْهَا الْكُتُبَ، وَهِيَ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنَّمَا حَلَّتْ لِلْعَالِمِ بِالسُّؤَالِ، ثُمَّ حُرِّمَتْ بِارْتِفَاعِ السُّؤَالِ كَمَا حَلَّتْ لِلْمُضْطَرِّينَ الْمَيْتَةَ بِالِاضْطِرَارِ، ثُمَّ حُرِّمَتْ
[ ٢ / ٣٣ ]
بِارْتِفَاعِ الِاضْطِرَارِ؟ فَإِنْ قَالُوا: لِأَنَّ ذَلِكَ السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ قَدْ كَانَ، قِيلَ: وَكَذَلِكَ الِاضْطِرَارُ وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ بِالِاضْطِرَارِ قَدْ كَانَ، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ، إِنْ كَانَ لِجَوَابٍ عِنْدَكُمْ نَظِيرًا لِلْمَيْتَةِ؟ فَإِنْ قَالُوا: إِنَّمَا ذَلِكَ حِكَايَةٌ، وَلَيْسَتْ سُؤَالًا وَلَا جَوَابًا، قِيلَ لَهُمْ: فَلَا مَعْنَى فِيمَا رَوَيْتُمْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ، فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، أَقَامُوا الْحِكَايَةَ مَقَامَ الْجَوَابِ، وَلَزِمَهُمْ تَحْرِيمُ السُّؤَالِ وَالْجَوَابُ عَمَّا لَمْ يَكُنْ، وَهُوَ نَقْصُ قَوْلِهِمْ، وَإِنْ قَالُوا: لَا مَعْنَى أَكْثَرَ مِنَ الْحِكَايَةِ، قِيلَ: فَلَا فَرْقَ بَيْنَ حِكَايَةِ مَا لَا يَضُرُّ وَمَا لَا يَنْفَعُ، وَبَيْنَ مَا حَكَيْتُمْ مِنْ جَوَابَاتِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَمَا مَعْنَى مَا رَوَى الْفُقَهَاءُ وَالْعُلَمَاءُ عَنِ السَّابِقِينَ ثُمَّ عَنِ التَّابِعِينَ وَإِقْتِدَائِهِمْ بِجَوَابَانِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيُقَالُ لَهُمْ: أَرَأَيْتُمْ مَجُوسِيًّا أَتَاكُمْ مِنْ بَلَدِهِ، رَاغِبًا فِي الْإِسْلَامِ، مُحِبًّا لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَقَالَ: عَلِّمُونِي الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ، فَعَلَّمْتُمُوهُ إِيَّاهُ فَدَخَلَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي رَاجِعٌ إِلَى بَلَدِي فَمَا عَلَيْنَا مِنَ الطَّهَارَةِ، لِأَكُونَ مِنْهَا عَلَى عِلْمٍ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ وَمَا الَّذِي يُوجِبُ الْغُسْلَ وَيَنْقُضُ الطُّهُورَ؟ وَمَا الصَّلَاةُ وَمَا الَّذِي يُفْسِدُهَا؟ وَمَا حُكْمُ الزِّيَادَةِ فِيهَا وَالنُّقْصَانِ مِنْهَا وَالسَّهْوِ فِيهَا؟ وَمَا فِي عَشْرَةِ دَنَانِيرَ وَمِائَةِ دِرْهَمٍ مِنَ الزَّكَاةِ؟ وَمَا الصَّوْمُ؟ وَمَا حُكْمُ الْأَكْلِ فِيهِ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا؟ وَمَا عَلَى مَنْ كَانَ مِنَّا مَرِيضًا أَوْ كَبِيرًا أَوْ ضَعِيفًا؟ وَهَلْ بَأْسٌ بِدِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ؟ وَمَا فِيهِ الْقِصَاصُ مِنَ الدِّمَاءِ وَالْجِرَاحِ، وَحُكْمُ الْخَطَأِ؟ وَهَلْ فِي ذَلِكَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ
[ ٢ / ٣٤ ]
سَوَاءٌ؟ فَإِنِّي رَاجِعٌ إِلَى بَلَدِي وَأَهِلِّي وَعَشِيرَتِي، يَنْتَظِرُونَ بِإِسْلَامِهِمْ رُجُوعِي، فَأَكُونُ وَيَكُونُونَ مِنْ دِينِنَا عَلَى عِلْمٍ فَنَعْمَلُ بِذَلِكَ وَنَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ، تُؤْجَرُونَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ عِنْدَكُمْ وَاضِحٌ لَا تَشُكُّونَ فِيهِ أَيَجُوزُ أَنْ يُعْلِمُوهُ ذَلِكَ؟ أَمْ تَقُولُونَ: لَا نُخْبِرُكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِكَ نَازِلَةٌ، فَتَكْسِرُونَ بِذَلِكَ نَشَاطَهُ، وَتُخَبِّثُونَ نَفْسَهُ عَلَى حَدِيثِ عَهْدِهِ بِكُفْرِهِ، وَتَدْعُونَهُ عَلَى جَهْلِهِ؟ أَمْ تَغْتَنِمُونَ رَغْبَتَهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَإِسْلَامَ مَنْ يَنْتَظِرُهُ، وَتَعْلِيمَ الْجُهَّالِ مَا يُحْسِنُونَهُ مِنَ الْعِلْمِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، جِيئَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلْجَمًا بِلِجَامٍ مِنَ النَّارِ فَإِنْ قَالُوا: نُعَلِّمُهُ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِهِ: تَرَكُوا قَوْلَهُ، لِأَنَّ بَعْضَ ذَلِكَ أَصْلٌ، وَبَعْضَهُ قِيَاسٌ، وَإِنْ قَالُوا: نُعَلِّمُهُ بَعْضًا، وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ، وَنَتْرُكُ بَعْضًا حَتَّى يَنْزِلَ، قِيلَ: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ، وَكُلِّ ذَلِكَ دِينٌ؟ فَانْظُرُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ عَلَى مَا فِي أَحَادِيثِكُمُ الَّتِي جَمَعْتُمُوهَا، وَاطْلُبُوا الْعِلْمَ عِنْدَ أَهْلِ الْفِقْهِ تَكُونُوا فُقَهَاءَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ "
[ ٢ / ٣٥ ]