[ ١ / ٣٥٣ ]
أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أنا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ النَّاقِدُ، نا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، نا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو، نا صَالِحُ بْنُ مُوسَى، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّهَا سَتَأْتِيكُمْ عَنِّي أَحَادِيثُ مُخْتَلِفَةٌ، فَمَا آتَاكُمْ مُوَافِقًا لِكِتَابِ اللَّهِ وَلِسُنَّتِي فَهُوَ مِنِّي، وَمَا آتَاكُمْ مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»
[ ١ / ٣٥٣ ]
حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصُّورِيُّ، أنا الْخَصِيبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي، بِمِصْرَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ الطُّرَسُوسِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَزَّازُ، نا جَعْفَرُ بْنُ
[ ١ / ٣٥٣ ]
مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ نُوحٍ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاعِ: «كُلُّ حَدِيثٍ جَاءَكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَبْلُغْكَ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فَعَلَهُ فَدَعْهُ» إِذَا رَوَى الثِّقَةُ الْمَأْمُونُ خَبَرًا مُتَّصِلَ الْإِسْنَادِ رُدَّ بِأُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُخَالِفَ مُوجِبَاتِ الْعُقُولِ فَيُعْلَمُ بُطْلَانُهُ، لِأَنَّ الشَّرْعَ إِنَّمَا يُرَدُّ بِمُجَوِّزَاتِ الْعُقُولِ، وَأَمَّا بِخِلَافِ الْعُقُولِ، فَلَا وَالثَّانِي: أَنْ يُخَالِفَ نَصَّ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، فَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ أَوْ مَنْسُوخٌ وَالثَّالِثُ: أَنْ يُخَالِفَ الْإِجْمَاعَ، فَيُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ أَوْ لَا أَصْلَ لَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا غَيْرَ مَنْسُوخٍ، وَتُجْمِعُ الْأُمَّةُ عَلَى خِلَافِهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الطَّبَّاعِ فِي الْخَبَرِ الَّذِي سُقْنَاهُ عَنْهُ أَوَّلَ البَابِ وَالرَّابِعُ: أَنْ يَنْفَرِدَ الْوَاحِدُ بِرَاوِيَةِ مَا يَجِبُ عَلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ عِلْمُهُ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَصْلٌ، وَيَنْفَرِدُ هُوَ بِعِلْمِهِ مِنْ بَيْنِ الْخَلْقِ الْعَظِيمِ وَالْخَامِسُ: أَنْ يَنْفَرِدَ الْوَاحِدُ بِرَاوِيَةِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، بِأَنْ يَنْقُلَهُ أَهْلُ التَّوَاتُرِ فَلَا يُقْبَلُ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ، أَنْ يَنْفَرِدَ فِي مِثْلِ هَذَا بِالرِّوَايَةِ
[ ١ / ٣٥٤ ]
فَأَمَّا إِذَا وَرَدَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ، أَوِ انْفَرَدَ الْوَاحِدُ بِرَاوِيَةِ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى لَمْ يُرَدَّ وَقَالَ قَوْمٌ مِمَّنْ يَنْتَحِلُ مَذْهَبَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: إِذَا كَانَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ، لَمْ يَجُزِ الْعَمَلُ بِهِ، وَالْقِيَاسُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ وَقَالَ قَوْمٌ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ بْنِ ثَابِتٍ: لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ: فَقَدِ احْتَجَّ مَنْ نَصَرَهُمْ، بِأَنْ قَالَ: قِيَاسُ الْقَائِسِ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِهِ، وَهُوَ اسْتِدْلَالُهُ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ، وَصِدْقُ الرَّاوِي فِي خَبَرِهِ مُغَيَّبٌ عَنْهُ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِفِعْلِهِ، وَثِقَتُهُ بِمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِهِ أَكْثَرُ مِنْهَا بِمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِغَيْرِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَوْلَى وَهَذَا عِنْدَنَا خَطَأٌ: وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ:
[ ١ / ٣٥٥ ]
مَا أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ، مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أنا الشَّافِعِيُّ، أنا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَابْنُ طَاوُسٍ عَنْ طَاوُسٍ، أَنَّ عُمَرَ، قَالَ: أُذَكِّرُ اللَّهَ امْرَأٌ سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنِينِ شَيْئًا؟ فَقَامَ حَمْلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةَ، فَقَالَ: «كُنْتُ بَيْنَ جَارِيَتَيْنِ لِي - يَعْنِي ضُرَّتَيْنِ - فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِمِسْطَحٍ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا، فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِغُرَّةٍ» فَقَالَ: عُمَرُ: لَوْ لَمْ نَسْمَعْ هَذَا لَقَضَيْنَا فِيهِ بِغَيْرِ هَذَا ⦗٣٥٦⦘ رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْصُولًا، عَنْ عُمَرَ كَذَلِكَ أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الصَّوَّافُ، نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى، نا الْحُمَيْدِيُّ، نا هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِثْلَ حَدِيثِ سُفْيَانَ أَوْ نَحْوَ. أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْهَمَذَانِيُّ، نا صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَانَ الطَّرَائِفِيُّ، نا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا الشَّافِعِيُّ، أنا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَابْنِ طَاوُسٍ، مِثْلَ حَدِيثِ الْأَصَمِّ، عَنِ الرَّبِيعِ، سَوَاءً، وَقَالَ فِيهِ: فَقَالَ: عُمَرُ: لَوْ لَمْ نَسْمَعْ هَذَا لَقَضَيْنَا فِيهِ بِغَيْرِ هَذَا وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنْ كِدْنَا أَنْ نَقْضِيَ فِي مِثْلِ هَذَا بِرَأْيِنَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَقَدْ رَجَعَ عُمَرُ عَمَّا كَانَ يَقْضِي بِهِ لِحَدِيثِ الضَّحَّاكِ، إِلَى أَنَّ خَالَفَ حُكْمَ نَفْسِهِ، وَأَخْبَرَ فِي الْجَنِينِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ نَسْمَعْ هَذَا لَقَضَيْنَا فِيهِ بِغَيْرِهِ، وَقَالَ: إِنْ كِدْنَا أَنَّ نَقْضِيَ فِي مِثْلِ هَذَا بِرَأْيِنَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: يُخْبِرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ السُّنَّةَ إِذَا كَانَتْ مَوْجُودَةً بِأَنَّ فِي النَّفْسِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، فَلَا يَعْدُو الْجَنِينَ أَنْ يَكُونَ حَيًّا، فَيَكُونُ فِيهِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، أَوْ مَيِّتًا فَلَا شَيْءَ فِيهِ، فَلَمَّا أَخْبَرَ بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ⦗٣٥٧⦘ فِيهِ سَلَّمَ لَهُ، وَلَمْ يَجْعَلْ لِنَفْسِهِ إِلَّا اتِّبَاعَهُ فِيمَا مَضَى حُكْمُهُ بِخِلَافِهِ، فِيمَا كَانَ رَأَيًا مِنْهُ لَمْ يَبْلُغْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ شَيْءٌ، وَتَرَكَ حُكْمَ نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ كَانَ فِي كُلِّ أَمْرِهِ - ﵁ -، وَكَذَلِكَ يَلْزَمُ النَّاسَ أَنْ يَكُونُوا قُلْتُ: وَقَوْلُ عُمَرَ هَذَا كَانَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مِنْهُمْ مُنْكِرٌ، وَلَا خَالَفَهُ فِيهِ مُخَالِفٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِجْمَاعٌ مِنْهُمْ
[ ١ / ٣٥٥ ]
أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، أنا الرَّبِيعُ، أنا الشَّافِعِيُّ، أنا سُفْيَانُ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، «قَضَى فِي الْإِبْهَامِ بِخَمْسَةَ عَشَرَةَ وَفِي الَّتِي تَلِيهَا بِعَشْرٍ، وَفِي الْوسْطَى بِعَشْرٍ، وَفِي الَّتِي تَلِي الْخِنْصَرَ بِتِسْعٍ، وَفِي الْخِنْصَرِ بِسِتٍّ»
[ ١ / ٣٥٧ ]
أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي طَاهِرٍ الدَّقَّاقُ، وَعَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الرَّزَّازُ، وَالْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ مُحَمَّدٌ -: أَنَا - وَقَالَا: - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْكُوفِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ هُوَ ابْنُ أَبِي الْعَنْبَسِ الزُّهْرِيُّ الْقَاضِي، نا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، يَقُولُ: قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الْأَصَابِعِ، فِي الْإِبْهَامِ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا بِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَفِي الْوسْطَى بِعَشْرَةٍ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا بِتِسْعٍ وَفِي الْخِنْصَرِ بِسِتٍّ، حَتَّى وُجِدَ كِتَابٌ عِنْدَ آلِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، يَذْكُرُونَ أَنَّهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ: «وَفِيمَا هُنَالِكَ مِنَ الْأَصَابِعِ عَشْرٌ عَشْرٌ» قَالَ سَعِيدٌ: فَصَارَتِ الْأَصَابِعُ إِلَى عَشْرٍ عَشْرٍ "
[ ١ / ٣٥٨ ]
أنا أَبُو الْحُسَيْنِ، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّمِيمِيُّ بِدِمَشْقَ، أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، يُوسُفُ بْنُ الْقَاسِمِ الْمَيَانِجِيُّ، أنا مُحَمَّدُ ابْنُ سَادِلٍ النَّيْسَابُورِيُّ، نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْجَزَرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، ⦗٣٥٩⦘ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَجْعَلُ فِي الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا نِصْفَ دِيَةِ الْكَفِّ، وَيَجْعَلُ فِي الْإِبْهَامِ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا عَشْرًا، وَفِي الْوسْطَى عَشْرًا، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا تِسْعًا، وَفِي الْآخِرَةِ سِتًّا، حَتَّى كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَوَجَدَ كِتَابًا كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِيهِ: «وَفِي الْأَصَابِعِ عَشْرٌ عَشْرٌ» فَصَيَّرَهَا عُثْمَانُ عَشْرًا عَشْرًا
[ ١ / ٣٥٨ ]
أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكَاتِبُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سَلْمٍ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى الْجَوْهَرِيُّ، أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «لَمَّا كَانَ مَعْرُوفًا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عِنْدَ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَضَى فِي الْيَدِ بِخَمْسِينَ وَكَانَتِ الْيَدُ خَمْسَةَ أَطْرَافٍ مُخْتَلِفَةَ الْحَالِ وَالْمَنَافِعِ نَزَّلَهَا مَنَازِلَهَا، فَحَكَمَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَطْرَافِ بِقَدْرِهِ مِنْ دِيَةِ الْكَفِّ، وَهَذَا قِيَاسٌ عَلَى الْخَبَرِ» قَالَ الشَّافِعِيُّ: " فَلَمَّا وُجِدَ كِتَابُ آلِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ صَارُوا إِلَيْهِ قَالَ: وَلَمْ يَقْبَلُوا كِتَابَ آلِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - حَتَّى ثَبَتَ لَهُمْ أَنَّهُ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَتَانِ: أَحَدُهُمَا: قَبُولُ الْخَبَرِ، وَالْآخَرُ: أَنْ يُقْبَلَ الْخَبَرُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُثَبِّتُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَمْضِ عَمَلٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ بِمِثْلِ الْخَبَرِ الَّذِي قَبِلُوا، وَدِلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ مَضَى
[ ١ / ٣٥٩ ]
أَيْضًا عَمَلٌ مِنْ أَحَدً مِنَ الْأَئِمَّةِ، ثُمَّ وُجِدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خَبَرٌ يُخَالِفُ عَمَلُهُ لَتُرِكَ عَمَلُهُ لِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَدِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُثَبِّتُ بِنَفْسِهِ لَا بِعَمَلِ غَيْرِهِ بَعْدَهُ " قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَلَمْ يَقُلِ الْمُسْلِمُونَ قَدْ عَمِلَ فِينَا عُمَرُ بِخِلَافِ هَذَا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَلَمْ تَذْكُرُوا أَنْتُمْ أَنَّ عِنْدَكُمْ خِلَافَهُ وَلَا غَيْرُكُمْ، بَلْ صَارُوا إِلَى مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبُولِ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتَرْكِ كُلِّ عَمَلٍ خَالَفَهُ، وَلَوْ بَلَغَ عُمَرَ هَذَا صَارَ إِلَيْهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - كَمَا صَارَ إِلَى غَيْرِهِ فِيمَا بَلَغَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِتَقْوَاهُ لِلَّهِ، وَتَأْدِيَتِهِ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فِي اتِّبَاعِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَعِلْمِهِ بِأَنْ لَيْسَ لِأَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمْرٌ، وَأَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ فِي اتِّبَاعِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»
[ ١ / ٣٦٠ ]
أنا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، نا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، نا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ، أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ: كَمْ فِي أُصْبُعِ الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: «عَشْرٌ» قَالَ: كَمْ فِي اثْنَتَيْنِ؟ قَالَ: «عِشْرُونَ» قَالَ: كَمْ فِي ثَلَاثٍ؟ قَالَ: «ثَلَاثُونَ» قَالَ: كَمْ فِي أَرْبَعٍ؟ قَالَ: «عِشْرُونَ» قَالَ رَبِيعَةُ: حِينَ عَظُمَ جَرْحُهَا وَاشْتَدَّتْ مُصِيبَتُهَا نَقَصَ
[ ١ / ٣٦٠ ]
عَقْلُهَا؟ قَالَ: «أَعِرَاقِيُّ أَنْتَ؟» قَالَ رَبِيعَةُ: عَالِمٌ مُتَثَبِّتٌ أَوْ جَاهِلٌ مُتَعَلِّمٌ قَالَ «يَا ابْنَ أَخِي، إِنَّهَا السُّنَّةُ» هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ: مُبْنِيَّةٌ عَلَى أَصْلٍ لِفُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، هُوَ: أَنَّ عَقْلَ جِرَاحَاتِ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ إِلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ، فَإِذَا بَلَغَتْ ثُلُثَ الدِّيَةِ فَصَاعِدًا كَانَتْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ وَهَذَا قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، إِذَا رَأَوَا الْعَمَلَ بِهَا عَلَى شَيْءٍ قَالُوا: هُوَ: سُنَّةٌ، يُرِيدُونَ أَنَّ ذَلِكَ الْعَمَلَ إِنَّمَا تُلُقِّيَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِكَوْنِهِ بِالْمَدِينَةِ إِلَى حِينِ وَفَاتِهِ، وَنَحْنُ وَإِنْ كُنَّا نَذْهَبُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَى غَيْرِ قَوْلِهِمْ، فَإِنَّ احْتِجَاجَنَا مِنْ خَبَرِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ إِنَّمَا هُوَ بِتَرْكِهِ مَا يُوجِبُهُ الْقِيَاسُ مِنْ أَنَّ الْجِرَاحَاتِ كُلَّمَا كَثُرَتِ اقْتَضَتِ الزِّيَادَةَ فِي الْعَقْلِ عَلَى مَا نُقِضَ عَنْهَا، وَأَنَّ ابْنَ الْمُسَيِّبِ تَرَكَ الْقِيَاسَ لَمَّا رَأَى أَنَّهُ السُّنَّةُ وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَيْضًا أَنَّ الْخَبَرَ يَدُلُّ عَلَى قَصْدِ صَاحِبِ الشَّرْعِ بِصَرِيحِهِ، وَالْقِيَاسُ يَدُلُّ عَلَى قَصْدِهِ بِالِاسْتِدْلَالِ، وَالصَّرِيحُ أَقْوَى، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ أَوْلَى وَأَيْضًا فَإِنَّ الْقِيَاسَ يُفْتَقَرُ إِلَى الِاجْتِهَادِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي ثُبُوتِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ
[ ١ / ٣٦١ ]
وَالثَّانِي: فِي الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ، لِأَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إِذَا ثَبَتَتِ الْعِلَّةُ فِي الْأَصْلِ، لَا يَجِبُ الْحُكْمُ بِهَا فِي الْفَرْعِ، إِلَّا أَنْ يَحْصُلَ الْأَمْرُ بِالْقِيَاسِ، وَالِاجْتِهَادُ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ إِنَّمَا هُوَ فِي ثُبُوتِ صِدْقِ الرَّاوِي، فَإِذَا ثَبَتَ صِدْقُهُ مِنْ طَرِيقٍ يُوجِبُ الظَّنَّ لَزِمَ الْمَصِيرُ إِلَى خَبَرِهِ، وَلَمْ يَبْقَ مَوْضِعٌ آخَرَ يَحْتَاجُ إِلَى الِاجْتِهَادِ فِيهِ، وَلِأَنَّ طَرِيقَ ثُبُوتِ صِدْقِهِ فِي الظَّاهِرِ أَجْلَى مِنْ طَرِيقِ ثُبُوتِ الْعِلَّةِ، لِأَنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ عَادَتُهُ فِي الزَّمَانِ الطَّوِيلِ فِي اتِّبَاعِ الطَّاعَاتِ، وَتَحَرَّي الصِّدْقِ، وَتَجَنُّبِ الْإِثْمِ، فَتَدُلُّ هَذِهِ الْعَادَةُ عَلَى أَنَّهُ مُخْتَارٌ لِلصِّدْقِ فِيمَا حَدَّثَ بِهِ فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ طَرِيقِ ثُبُوتِ الْعِلَّةِ فَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا قَالَهُ الْمُخَالِفُ أَنَّ الْقِيَاسَ يَتَعَلَّقُ بِاسْتِدْلَالِ الْقَائِسِ وَصِدْقِ الرَّاوِي مُغَيَّبٌ عَنْهُ، فَهُوَ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ لِأَنَّهُ مُسْتَدَلٌّ عَلَى صِدْقِ الرَّاوِي بِمَا يُعْلَمُ مِنْ أَفْعَالِهِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِ، كَمَا أَنَّ الْقِيَاسَ مُسْتَدَلٌّ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الشَّرِيعَةِ حَكَمَ فِي الْأَصْلِ لِمَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي وَقَصَدَهُ، فَيَكُونُ ثُبُوتُ قَصْدِ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ بِالنَّظَرِ فِي الْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ، كَثُبُوتِ صِدْقِ الرَّاوِي، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا
[ ١ / ٣٦٢ ]