[ ٢ / ١٣٣ ]
أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ الْأَزْهَرِيُّ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ مُكْرَمٍ إِمْلَاءً، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُجَاهِدٍ الْمُقْرِئُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَيُّوبَ، نا أَبُو بَدْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ قَيْسٍ، يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، قَالَ: «أَهْلُ الْعِلْمِ»
[ ٢ / ١٣٣ ]
أنا أَبُو سَعِيدٍ: مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، نا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ، نا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا، أَصَابَهُ جُرْحٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي: فَاحْتَلَمَ فَأُمِرَ بِالِاغْتِسَالِ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، إِنَّ شِفَاءَ الْعِيِّ السُّؤَالُ» قَالَ عَطَاءٌ: فَبَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ ⦗١٣٤⦘: " لَوْ غَسَلَ جَسَدَهُ، وَتَرَكَ رَأْسَهُ حَيْثُ أَصَابَهُ يَعْنِي: الْجُرْحَ " وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَكَانَ فَرْضُهُ التَّقْلِيدَ، كَتَقْلِيدِ الْأَعْمَى فِي الْقِبْلَةِ، فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ آلَةُ الِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ، كَانَ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ الْبَصِيرِ فِيهَا وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ، أَنَّهُ قَالَ: لَا يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ الْعَمَلُ بِقَوْلِ الْعَالِمِ حَتَّى يَعْرِفَ عِلَّةَ الْحُكْمِ، وَإِذَا سَأَلَ الْعَالِمَ فَإِنَّمَا يَسْأَلُهُ أَنْ يُعَرِّفَهُ طَرِيقَ الْحُكْمِ، فَإِذَا عَرَّفَهُ وَقَفَ عَلَيْهِ وَعَمِلَ بِهِ وَهَذَا غَلَطٌ، لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِلْعَامِّيِّ إِلَى الْوقُوفِ عَلَى ذَلِكَ، إِلَّا بَعْدَ ⦗١٣٥⦘ أَنْ يَتَفَقَّهَ سِنِينَ كَثِيرَةً، وَيُخَالِطَ الْفُقَهَاءَ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ، وَيَتَحَقَّقَ طُرُقَ الْقِيَاسِ، وَيَعْلَمَ مَا يُصَحِّحُهُ وَيُفْسِدُهُ وَمَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَفِي تَكْلِيفِ الْعَامَّةِ بِذَلِكَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطِيقُونَهُ، وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَيْهِ وَأَمَّا الْعَالِمُ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ؟؟ يُنْظَرُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ وَاسِعًا عَلَيْهِ، يُمْكِنُهُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ، لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّقْلِيدُ، وَلَزِمَهُ طَلَبُ الْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ الْعَالِمِ
[ ٢ / ١٣٣ ]
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبَزَّازُ بِالْبَصْرَةِ، نا أَبُو بَكْرٍ يَزِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مَرْوَانَ الْخَلَّالُ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّرَقُّفِيُّ، نا رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ، يَقُولُ: «مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ، فَلَا أَنْهَى أَحَدًا مِنْ إِخْوَانِي أَنْ يَأْخُذَ بِهِ»
[ ٢ / ١٣٥ ]
وأنا ابْنُ الْفَضْلِ، أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ، نا أَبُو هِشَامٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ غِيَاثٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ، يَقُولُ
[ ٢ / ١٣٥ ]
: «إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ الَّذِي قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ وَأَنْتَ تَرَى غَيْرَهُ فَلَا تَنْهَهُ» وَرُوِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: يَجُوزُ لِلْعَالِمِ تَقْلِيدُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ مِثْلِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ أَصْلًا مَعَ اتِّسَاعِ الْوَقْتِ: أَنَّ مَعَهَ آلَةً يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ، كَمَا قُلْنَا فِي الْعَقْلِيَّاتِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْوَقْتُ قَدْ ضَاقَ، وَخُشِيَ فَوَاتُ الْعِبَادَةِ إِنِ اشْتَغَلَ بِالِاجْتِهَادِ، فَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ مَعَهُ آلَةَ الِاجْتِهَادِ، فَأَشْبَهَ إِذَا كَانَ الْوَقْتُ وَاسِعًا، وَقِيلَ، هَذَا أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[ ٢ / ١٣٦ ]
أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الصَّابُونِيُّ، أنا أَبُو سُلَيْمَانَ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَرَّانِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شُعَيْبٍ الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: قَالَ الْمُزَنِيُّ: " وَيُقَالُ لِمَنْ حَكَمَ بِالتَّقْلِيدِ: هَلْ لَكَ فِيمَا حَكَمْتَ مِنْ حُجَّةٍ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، أَبْطَلَ التَّقْلِيدَ، لِأَنَّ الْحُجَّةَ أَوْجَبَتْ ذَلِكَ عِنْدَهُ، لَا
[ ٢ / ١٣٦ ]
التَّقْلِيدُ، فَإِنْ قَالَ: بِغَيْرِ حُجَّةٍ قِيلَ لَهُ: فَلِمَ أَرَقْتَ الدِّمَاءَ وَأَبَحْتَ الْفُرُوجَ وَأَتْلَفْتَ الْأَمْوَالَ، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ كُلَّ ذَلِكَ فَأَبَحْتَهُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ؟ فَإِنْ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ أَنِّي قَدْ أَصَبْتُ، وَإِنْ لَمْ أَعْرِفْ الْحُجَّةَ، لِأَنَّ مُعَلِّمِي مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ، وَرَأَيْتُهُ فِي الْعِلْمِ مُقَدِّمًا فَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إِلَّا بِحُجَّةٍ خَفِيَتْ عَنِّي، قِيلَ: فَتَقْلِيدُ مُعَلِّمِ مُعَلِّمِكَ أَوْلَى مِنْ تَقْلِيدِ مُعَلِّمِكَ، لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ إِلَّا بِحُجَّةٍ خَفِيَتْ عَنْ مُعَلِّمِكَ، كَمَا لَمْ يَقُلْ مُعَلِّمُكَ إِلَّا بِحُجَّةٍ خَفِيَتْ عَنْكَ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، تَرَكَ تَقْلِيدَ مُعَلِّمِهِ إِلَى تَقْلِيدِ مُعَلِّمِ مُعَلِّمِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ هُوَ أَعْلَى، حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْعَالِمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ: نَقَضَ قَوْلَهُ، وَقِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ يَجُوزُ تَقْلِيدُ مَنْ هُوَ أَصْغَرُ وَأَقَلُّ عِلْمًا، وَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ وَأَكْثَرُ عِلْمًا، وَهَذَا مُتَنَاقِضٌ؟ فَإِنْ قَالَ: لِأَنَّ مُعَلِّمِي، وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَ فَقَدْ جَمَعَ عِلْمَ مَنْ فَوْقَهُ إِلَى عِلْمِهِ، فَهُوَ أَبْصَرُ بِمَا أَخَذَ، وَأَعْلَمُ بِمَا تَرَكَ، قِيلَ: وَكَذَلِكَ مَنْ تَعَلَّمَ مِنْ مُعَلِّمِكَ، فَقَدْ جَمَعَ عِلْمَ مُعَلِّمِكَ، وَعِلْمَ مَنْ فَوْقَهُ إِلَى عِلْمِهِ، فَلِزَمَكَ تَقْلِيدُهُ، وَتَرْكُ تَقْلِيدِ مُعَلِّمِكَ، وَكَذَلِكَ أَنْتَ أَوْلَى أَنْ تُقَلِّدَ نَفْسَكَ مِنْ مُعَلِّمِكَ، لِأَنَّكَ جَمَعْتَ عِلْمَهُ، وَعِلْمَ مَنْ فَوْقَهُ إِلَى عِلْمِكَ، فَإِنْ قَادَ قَوْلَهُ: جَعَلَ الْأَصْغَرَ وَمَنْ يُحَدِّثُ مِنْ صِغَارِ الْعُلَمَاءِ أَوْلَى بِالتَّقْلِيدِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَذَلِكَ عَلَى الصَّحَابِيِّ تَقْلِيدُ مَنْ دُونَهُ، وَكَذَلِكَ تَقْلِيدُ الْأَعْلَى الْأَدْنَى أَبَدًا، فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ، مَعَ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ تَصْوِيبِ مَنْ قَلَّدَ غَيْرَ مُعَلِّمِهِ فِي تَخْطِئَةِ مُعَلِّمِهِ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ مُخَطِّئًا لِمُعَلِّمِهِ، وَلِتَقْلِيدِهِ إِيَّاهُ "
[ ٢ / ١٣٧ ]