بَابُ الْكَلَامِ فِي أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينِ، وَهَلِ الْحَقُّ فِي وَاحِدٍ أَوْ كُلِّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ إِذَا اخْتَلَفَ الْمُجْتَهِدُونَ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، فَقَدْ ذُكِرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَالْحَقُّ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَذُكِرَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا: مِثْلُ هَذَا، وَالثَّانِي: أَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ مِنَ الْأَقْوَالِ، وَمَا سِوَاهُ بَاطِلٌ، وَقِيلَ: لَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ إِلَّا قَوْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلِفِينَ، وَمَا عَدَاهُ خَطَأٌ، إِلَّا أَنَّ الْإِثْمَ مَوْضُوعٌ عَنِ الْمُخْطِئِ فِيهِ
[ ٢ / ١١٤ ]
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ مِثْلُ هَذَا: أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَتُوثِيُّ، أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدَّقَّاقُ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُوسُفَ الْمَرْوَزِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ يَعْنِي: ابْنَ الْمُبَارَكِ عَنِ اخْتِلَافِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كُلُّهُ صَوَابٌ؟ فَقَالَ: «الصَّوَابُ وَاحِدٌ، وَالْخَطَأُ مَوْضُوعٌ عَنِ الْقَوْمِ، أَرْجُو» قُلْتُ: فَمَنْ أَخَذَ بِقَوْلٍ مِنَ الْأَقَاوِيلِ فَهُوَ أَيْضًا مَوْضُوعٌ عَنْهُ، قَالَ ⦗١١٥⦘: «نَعَمْ، أَرْجُو إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ اخْتَارَ قَوْلًا حَتْمًا، ثُمَّ نَزَلَ بِهِ شَيْءٌ، فَتَحَوَّلَ إِلَى غَيْرِهِ، تَرَخُّصًا لِلشَّيْءِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ» وَحَكَى أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيُّ: أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ
[ ٢ / ١١٤ ]
وَتَحْقِيقُ مَا حَكَاهُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ أَنِّي قَرَأْتُ فِي كِتَابِ أَبِي مَكِّيٍّ: مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْيَازِجِيِّ بِخَطِّهِ: نَا حَمْدَانُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، أنا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ سُئِلَ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَرَى لِمَنْ أَخَذَ بِحَدِيثٍ حَدَّثَهُ ثِقَةٌ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَعَةً؟ قَالَ: «لَا وَاللَّهِ حَتَّى يُصِيبَ الْحَقَّ، وَمَا الْحَقُّ إِلَّا وَاحِدٌ، لَا يَكُونُ الْحَقُّ فِي قَوْلَيْنِ يَخْتَلِفَانِ»
[ ٢ / ١١٥ ]
قَالَ: وأنا ابْنُ وَهْبٍ، أَنَّ اللَّيْثَ، قَالَ: «لَا يَكُونُ الْحَقُّ إِلَّا وَاحِدًا، وَلَا يَكُونُ فِي أَمْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ» وَاحْتَجَّ مَنْ نَصَرَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، وَأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ: بِأَنَّ الصَّحَابَةَ اجْتَهَدُوا وَاخْتَلَفُوا، وَأَقَرَّ بَعْضُهُمُ بَعْضًا عَلَى قَوْلِهِ، وَسَوَّغَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِقَوْلِهِ وَمُؤَدَّى اجْتِهَادِهِ، وَسَوَّغُوا لِلْعَامَّةِ أَنْ يُقَلِّدُوا مَنْ شَاءُوا مِنْهُمْ، حَتَّى قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، فِيمَا:
[ ٢ / ١١٦ ]
أنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحِنَّائِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ مُحَمَّدٌ: أَنَا، وَقَالُ الْحَسَنُ: نَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْكُوفِيُّ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ، نا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أنا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: «كَانَ اخْتِلَافُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّا نَفَعَ اللَّهُ بِهِ، فَمَا عَمِلْتَ مِنْهُ مِنْ عَمَلٍ لَمْ يَدْخُلْ نَفْسَكَ مِنْهُ شَيْءٌ»
[ ٢ / ١١٦ ]
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِيمَا: أنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاعِظُ، أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ، نا يُوسُفُ الْقَاضِي، نا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، نا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: «مَا يَسُرُّنِي أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَخْتَلِفُوا»
[ ٢ / ١١٦ ]
أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ، أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، نا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، نَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، كَانَ يَقُولُ: «مَا سَرَّنِي لَوْ أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَخْتَلِفُوا، لِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَخْتَلِفُوا لَمْ تَكُنْ رُخْصَةٌ»
[ ٢ / ١١٦ ]
أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ، نَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: «مَا يَسُرُّنِي بِاخْتِلَافِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ حُمْرُ النَّعَمِ، لَأَنَّا إِنْ أَخَذْنَا بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ أَصَبْنَا، وَإِنْ أَخَذْنَا بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ أَصَبْنَا» قَالُوا: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى إِقْرَارِ الْخَاطِئِ عَلَى خَطَئِهِ، وَالرِّضَا بِالْعَمَلِ بِهِ، وَالْإِذْنِ فِي تَقْلِيدِهِ وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَيَّنَ حُكْمًا مِنْ بَعْضِ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ، وَنَصَبَ عَلَيْهِ دَلِيلًا، وَجَعَلَ إِلَيْهِ طَرِيقًا، وَكَلَّفَ أَهْلَ الْعِلْمِ إِصَابَتَهُ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُصِيبُ عَالِمًا بِهِ، قَاطِعًا بِخَطَأِ مَنْ خَالَفَهُ، وَيَكُونُ الْمُخَالِفُ آثِمًا فَاسِقًا، وَوَجَبَ نَقْضُ حُكْمِهِ إِذَا حَكَمَ بِهِ، وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ خَالَفَ دَلِيلَ مَسَائِلِ الْأُصُولِ مِنَ الرُّؤْيَةِ وَالصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَبِمَنْزِلَةِ مَنْ خَالَفَ النَّصَّ، وَلَمَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْمُخَالِفَ لَا يُقْطَعُ عَلَى خَطَئِهِ، وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَلَا يُنْقَضُ حُكْمُهُ إِذَا حُكِمَ بِهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَلِأَنَّ الْعَامِيَّ إِذَا نَزَلَتْ بِهِ نَازِلَةٌ، كَانَ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهَا مَنْ شَاءَ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَإِنْ كَانُوا مُخْتَلِفَيْنِ فَدَلَّ عَلَى أَنًّ جَمِيعَهُمْ عَلَى الصَّوَابِ ⦗١١٨⦘ وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ، وَإِلَيْهِ يُذْهَبُ: بِقَوْلِ اللَّهِ ﷾: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] فَأَخْبَرَ: أَنَّ سُلَيْمَانَ هُوَ الْمُصِيبُ وَحَمِدَهُ عَلَى إِصَابَتِهِ، وَأَثْنَى عَلَى دَاوُدَ فِي اجْتِهَادِهِ، وَلَمْ يَذُمَّهُ عَلَى خَطَئِهِ، وَهَذَا نَصٌّ فِي إِبْطَالِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِذَا أَخْطَأَ الْمُجْتَهِدُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَذْمُومًا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ الْمَشْهُورُ: إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ، وَقَدْ سُقْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ بَيْنَ الْإِصَابَةِ وَالْخَطَأِ
[ ٢ / ١١٧ ]
وأنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ، نا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، نا أَبُو دَاوُدَ، نا الصَّعْقُ بْنُ حَزْنٍ، عَنْ عَقِيلٍ الْجَعْدِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفْلَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " يَا عَبْدَ اللَّهِ: أَتَدْرِي أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّ أَعْلَمَ النَّاسِ أَعْلَمَهُمْ بِالْحَقِّ إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ، وَإِنْ كَانَ مُقَصِّرًا فِي الْعَمَلِ، وَإِنْ كَانَ يَزْحَفُ عَلَى إِسْتِهِ»
[ ٢ / ١١٨ ]
أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْوَاعِظُ، نا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَرْوَرُوذِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا مُوسَى بْنُ عَامِرِ بْنِ خُرَيْمٍ، نا الْوَلِيدُ يَعْنِي: ابْنَ مُسْلِمٍ، نا بُكَيْرُ بْنُ مَعْرُوفٍ، نا مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلْ تَدْرِي أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَعْلَمُ؟» قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «إِذَا اخْتَلَفُوا وَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَصَابِعِهِ أَبْصَرَهُمْ بِالْحَقِّ، وَإِنْ كَانَ فِي عَمَلِهِ تَقْصِيرٌ، وَإِنْ كَانَ يَزْحَفُ عَلَى إِسْتِهِ زَحْفًا» فَقَدْ نَصَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ يُصِيبُهُ بِالْعِلْمِ بَعْضُ أَهْلِ الِاخْتِلَافِ، وَمَنَعَ أَنْ يُصِيبَهُ جَمِيعُهُمْ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهُمْ إِذَا اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ، مِثْلِ تَحْلِيلٍ وَتَحْرِيمٍ، وَتَصْحِيحٍ وَإِفْسَادٍ، وَإِيجَابٍ وَإِسْقَاطٍ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْقَوْلَانِ فَاسِدَيْنِ، أَوْ صَحِيحَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا فَاسِدًا، وَالْآخَرُ صَحِيحًا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا فَاسِدَيْنِ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى اجْتِمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى الْخَطَأِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا صَحِيحَيْنِ، لِأَنَّهُمَا مُتَضَادَّانِ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ ⦗١٢٠⦘ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ حَرَامًا حَلَالًا، وَوَاجِبًا غَيْرَ وَاجِبٍ، وَصَحِيحًا بَاطِلًا، وَإِذَا بَطَلَ هَذَانِ الْقِسْمَانِ، ثَبَتَ أَنَّ أَحَدَهُمَا صَحِيحٌ، وَالْآخَرَ فَاسِدٌ، فَإِنْ قَالَ الْمُخَالِفُ: هُمَا صَحِيحَانِ وَلَا يُؤَدِّي إِلَى التَّضَادِ، وَلَا تَسْتَحِيلُ صِحَّتُهُمَا، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَسْتَحِيلُ عَلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدِ، وَأَمَّا عَلَى شَخْصَيْنِ أَوْ فَرِيقَيْنٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَحِيلُ كَمَا وَرَدَ الشَّرْعُ، بِإِيجَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الطَّاهِرِ وَإِسْقَاطِهَا عَنِ الْحَائِضِ، وَوُجُوبِ إِتْمَامِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُقِيمِ، وَالرُّخْصَةِ فِي الْقَصْرِ لِلْمُسَافِرِوَعِنْدَنَا أُمُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ يَلْزَمُهُ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، فَيَحْرُمُ النَّبِيذُ عَلَى مَنْ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى تَحْرِيمِهِ، وَيَحِلُّ لِمَنْ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى تَحْلِيلِهِ، وَتَجِبُ النِّيَّةُ لِلْوضُوءِ عَلَى مَنْ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى وجُوبِهَا وَتَسْقُطُ عَمَّنْ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى صِحَّتِهِ، وَيَفْسُدُ فِي حَقِّ مَنْ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى فَسَادِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَضَادٌّ وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا خَطَأٌ: لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ إِذَا كَانَتْ عَامَّةً لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ أَنْ يَكُونَ مَدْلُولُهَا خَاصًّا، وَالدَّلَالَةُ الدَّالَّةُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَامَّةٌ فِي الْجَمِيعِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا خَاصًّا، وَإِذَا كَانَتِ الْأَحْكَامُ عَامَّةً ثَبَتَ التَّضَادُّ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مَنْ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، إِذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى شَيْءٍ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى ضِدِّ قَوْلِهِ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ، أَنْ يَكُونَ مُخَيَّرًا فِيهِمَا، كَالَّذِي تُلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، لَمَّا كَانَتِ الْحُقُوقُ الثَّلَاثَةُ مُتَسَاوِيَةً فِي كَوْنِهَا مِمَّا يَجُوزُ التَّكْفِيرُ بِهَا، وَالْكُلُّ صَوَابٌ، كَانَ مُخَيَّرًا فِيهَا، فَلَمَّا لَزِمَ الْمُجْتَهِدَ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا يُؤَدِّي ⦗١٢١⦘ اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ دُونَ مَا خَالَفَهُ مِنَ اجْتِهَادِ غَيْرِهِ، ثَبَتَ أَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ وَدَلِيلٌ آخَرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ لَيْسَ بِمُصِيبٍ، وَهُوَ أَنَّا وَجَدْنَا أَهْلَ الْعِلْمِ فِي كُلِّ عَصْرٍ يَتَنَاظَرُونَ وَيَتَبَاحَثُونَ، وَيَحْتَجُّ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُصِيبًا، كَانَتِ الْمُنَاظَرَةُ خَطَأً وَلَغْوًا، لَا فَائِدَةَ فِيهَا فَإِنْ قَالَ الْمُخَالِفُ: إِنَّمَا يُنَاظِرُ أَحَدٍ الْخَصْمَيْنِ الْآخَرَ، حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ مَا أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ، فَيَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي رُجُوعِهِ مِنْ حَقٍّ إِلَى حَقٍّ، وَكَوْنُهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَانْتِقَالُهُ إِلَى ظَنٍّ آخَرَ سَوَاءٌ، لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَتَحَمُّلُ التَّعَبِ وَالْكُلْفَةِ وَالتَّنَازُعِ وَالتَّخَاصُمِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُخَالِفُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ الْعُقَلَاءِ، وَقَدْ وَجَدْنَا الْأُمَّةَ مُتَّفِقَةً عَلَى حُسْنِ الْمُنَاظَرَةِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَعَقْدِ الْمَجَالِسِ بِسَبِبِهَا، فَسَقَطَ مَا قَالَهُ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا احْتُجَّ بِهِ مِنْ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، فَهُوَ أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَقُلْتَ هَذَا نَصًّا أَوُ اسْتِدْلَالًا؟ فَإِنْ قَالَ: نَصًّا لَمْ يَجِدْ إِلَيْهِ طَرِيقًا، لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ لِصَاحِبِهِ: أَقْرَرْتُكَ عَلَى خِلَافِكَ، وَأَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَعْمَلَ بِهِ وَسَوُّغْتُ لِلْعَامَّةِ أَنْ يُقَلِّدُوكَ وَإِنْ قَالَ: اسْتِدْلَالًا طُولِبَ بِهِ، فَإِنْ قَالَ: لَوْ كَانَ الْمُخَالِفُ مُخْطِئًا، لَقَاتَلُوهُ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ فِي ذَلِكَ قِتَالٌ، لِأَنَّ الْخَاطِئَ فِيهِ مَعْذُورٌ، وَلَهُ عَلَى قَصْدٍ الصَّوَابِ أَجْرٌ، ⦗١٢٢⦘ وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ، بِذَلِكَ كَمَا وَرَدَ بِالْعَفْوِ عَنِ النَّاسِي، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُ وَلَا تَأْثِيمُهُ فَإِنْ قَالَ: لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ بَعْضَهُمَ خَطَّأَ بَعْضًا، وَلَوْ كَانَ أَحَدٍ الْقَوْلَيْنِ خَطَأً وَالْآخَرُ صَوَبًا لَوَجَبَ أَنْ يُخَطِّئَ مَنْ أَصَابَ الْحَقَّ مَنْ لَمْ يُصِبْهُ، فَلَمَّا لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُخَطِّئْهُ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَدْ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ
[ ٢ / ١١٩ ]
فَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ: أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الْقَاضِي بِدَرْزِيجَانَ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْبَاغَنْدِيُّ، أنا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْإِمَامُ، نَا زُهَيْرٌ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: بَلَغَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنَّ امْرَأَةً يَتَحَدَّثُ عِنْدَهَا الرِّجَالُ، يَعْنِي: فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، قَالَ: وَكَانَ عُمَرُ رَجُلًا مَهِيبًا، فَلَمَّا جَاءَهَا الرَّسُولُ، قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا مَا لَهَا وَلِعُمَرَ، يَا وَيْحَهَا مَا لَهَا وَلِعُمَرَ، فَخَرَجَتْ فَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ، فَمَرَّتْ بِنِسْوَةٍ فَعَرَفْنَ الَّذِي بِهَا، فَقَذَفَتْ بِغُلَامٍ، فَصَاحَ صَيْحَةً ثُمَّ طَفَى فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَجَمَعَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ، فَاسْتَشَارَهُمْ، وَفِي آخِرِ الْقَوْمِ رَجُلٌ، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّمَا كُنْتَ مُؤَدِّبًا، وَإِنَّمَا أَنْتَ رَاعٍ، قَالَ: «مَا تَقُولُ أَنْتَ يَا فُلَانُ؟» قَالَ: أَقُولُ إِنْ كَانَ الْقَوْمُ تَابَعُوكَ عَلَى هَوَاكَ، فَوَاللَّهِ مَا نَصَحُوا لَكَ، وَإِنْ يَكُونُوا اجْتَهَدُوا آرَاءَهُمْ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَخْطَأَ رَأْيُهُمْ، غَرِمْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: «فَعَزَمْتُ عَلَيْكَ لَمَا قُمْتَ فَقَسَّمْتَهَا عَلَى قَوْمِكَ» ⦗١٢٣⦘ قَالَ: فَقِيلَ لِلْحَسَنِ: مَنِ الرَّجُلُ؟ قَالَ: عَلِيٌّ
[ ٢ / ١٢٢ ]
أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ الْخُطَبِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ: أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّهُ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: «وَدِدْتُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ، يُخَالِفُونِي فِي الْفَرِيضَةِ، نَجْتَمِعُ فَنَضَعُ أَيْدِيَنَا عَلَى الرُّكْنِ، ثُمَّ نَبْتَهِلُ فَنَجْعَلُ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ»
[ ٢ / ١٢٣ ]
وأنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، نا يَعْقُوبُ، نا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: إِذَا ذَكَرَ عَوْلَ الْفَرَائِضِ: «أَتَرَوْنَ الَّذِي أَحْصَى رَمْلَ عَالِجٍ عَدَدًا، جَعَلَ فِي مَالٍ قَسَمَهُ نِصْفًا وَنِصْفًا وَثُلُثًا؟ هَذَا النِّصْفُ وَالنِّصْفُ قَدْ ذَهَبَا بِالْمَالِ فَأَيْنَ مَوْضِعُ الثُّلُثِ؟» قَالَ عَطَاءٌ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ: إِنَّ هَذَا لَا يُغْنِي عَنِّي وَلَا عَنْكَ ⦗١٢٤⦘ شَيْئًا، لَوْ مُتُّ أَوْ مُتَّ قَسِّمَ مِيرَاثَنَا عَلَى مَا عَلَيْهِ الْقَوْمُ مِنْ خِلَافِ رَأْيِكَ قَالَ: «فَإِنْ شَاءُوا فَلْنَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَهُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَهُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلُ فَنَجْعَلُ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ، مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي مَالٍ نِصْفًا وَنِصْفًا وَثُلُثًا»
[ ٢ / ١٢٣ ]
أنا أَبُو عَلِيٍّ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الصَّيْدَلَانِيُّ بِأَصْبَهَانَ، أنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ، نَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّبَرِيُّ، أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: أُتِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، فَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ، تَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا وَلَمْ يَمَسَّهَا حَتَّى مَاتَ؟ فَرَدَّهُمْ، ثُمَّ قَالَ: " أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي: فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي "
[ ٢ / ١٢٤ ]
أنا ابْنُ الْفَضْلِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دُرَسْتُوَيْهِ، نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، نا الْحَجَّاجُ، وَهُوَ ابْنُ مِنْهَالٍ، نا حَمَّادٌ، أنا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «اجْتَمَعَ رَأْيِي وَرَأْيُ عُمَرَ عَلَى أَنَّ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ لَا يُبَعْنَ»، قَالَ: «ثُمَّ ⦗١٢٥⦘ رَأَيْتُ بَعْدُ أَنْ تُبَاعَ فِي دَيْنِ سَيِّدِهَا، وَأَنْ تُعْتَقَ مِنْ نَصِيبِ وَلَدِهَا»، فَقُلْتُ: رَأْيُكَ وَرَأْيُ الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ رَأْيِكَ فِي الْفُرْقَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلِيٌّ عَلَى عُبَيْدَةَ هَذَا الْقَوْلَ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا احْتُجَّ بِهِ مِنَ الْعِلْمِ بِإِصَابَتِهِ، وَالْقَطْعِ عَلَى خَطَأِ مُخَالِفِهِ وَتَأْثِيمِهِ، وَمَنْعِهِ مِنَ الْحُكْمِ بِاجْتِهَادِهِ، ونَقْضِ حُكْمِهِ، وَمَنْعِ الْعَامِّي مِنْ تَقْلِيدِهِ فَهُوَ: أَنَّا نَعْلَمُ إِصَابَتَنَا لِلْحَقِّ، وَنَقْطَعُ بِخَطَأِ مَنْ خَالَفَنَا فِيهِ، وَنَمْنَعُهُ مِنَ الْحُكْمِ بِاجْتِهَادِهِ الْمُخَالِفِ لِلْحَقِّ فَأَمَّا عِلْمُنَا بِإِصَابَتِنَا لِلْحَقِّ فَهُوَ: لِأَنَّ أَحَدَ الْحُكْمَيْنِ يَتَمَيَّزُ عَنِ الْآخَرِ بِالتَّأْثِيرِ الْمُوجِبِ لِلْعِلْمِ، أَوْ بِكَثْرَةِ الْأُصُولِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلظَّنِ، وَتَمَيُّزِ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ عَنِ الْآخَرِ مَعْلُومٌ لِلْمُجْتَهِدِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَتِ الْإِصَابَةُ مَعْلُومَةً، وَإِذَا عُلِمَتِ الْإِصَابَةُ، فَقَدْ عُلِمَ خَطَأُ مَنْ خَالَفَهَا وَأَمَّا التَّأْثِيمُ، فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِالْعَفْوِ عَنْهُ، وَإِثَابَتِهِ عَلَى قَصْدِهِ وَنِيَّتِهِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَالْعَفْوِ وَالتَّأْثِيمِ طَرِيقُهُ الشَّرْعُ، وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِالْعَفْوِ عَنْ خَطَئِهِ كَمَا وَرَدَ بِالْعَفْوِ عَنِ الْخَاطِئِ وَالنَّاسِي ⦗١٢٦⦘ وَالْمُكْرَهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] فَأَثْنَى عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، وَأَخْبَرَ بِإِصَابَةِ سُلَيْمَانَ، وَلَمْ يُؤَثِّمْ دَاوُدَ، وَكَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ فَجَعَلَ لَهُ أَجْرَ اجْتِهَادِهِ، وَلَمْ يُؤَثِّمْهُ مَعَ خَطَئِهِ وَأَمَّا مَنْعُهُ مِنَ الْعَمَلِ بِمَا أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ، فَلَا شَكَّ فِيهِ، لَأَنَّا نَقُولُ: إِذَا عُمِلَ بِهِ فَهُوَ فَاسِدٌ، وَلِهَذَا نَقُولُ: إِذَا تَزَوَّجَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ: إِنَّهُ نِكَاحٌ فَاسِدٌ، وَإِذَا شَرِبَ النَّبِيذَ: إِنَّهُ شَرِبَ حَرَامًا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَأَمَّا حُكْمُ الْحَاكِمِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِنَصٍّ، أَوْ إِجْمَاعٍ، أَوْ قِيَاسٍ مَعْلُومٍ، وَالْمَنْعُ مِنْ نَقْضِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا مِنَ الْحُكْمِ، فَإِذَا حَكَمَ بِهِ وَقَعَ مَوْقِعَ الصَّحِيحِ الْجَائِزِ، كَمَا نَقُولُ فِي الْبَيْعِ فِي حَالِ النِّدَاءِ لِلْجُمُعَةِ، وَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَالطَّلَاقِ فِي حَالِ الْحَيْضِ فَإِنْ قِيلَ: مِثْلُ هَذَا لَا يَمْتَنِعُ لَكِنْ مَا الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ؟ فَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ الدَّلِيلَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا ⦗١٢٧⦘ يَجُوزُ نَقْضُهُ، وَلِأَنَّ فِي نَقْضِ الْحُكْمِ فَسَادًا لِكَوْنِهِ ذَرِيعَةً إِلَى تَسْلِيطِ الْحُكَّامِ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَلَا يَشَاءُ حَاكِمٌ يَكُونُ فِي قَلْبِهِ مِنْ حَاكِمٍ شَيْءٌ إِلَّا تَعَقَّبَ حُكْمَهُ بِنَقْضٍ فَلَا يَسْتَقِرُّ حُكْمٌ، وَلَا يَصِحُّ لِأَحَدٍ مُلْكٌ، وَفِي ذَلِكَ فَسَادٌ عَظِيمٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ هَذَيْنِ الطَّرِيقَتَيْنِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ تَقْلِيدِ الْعَامِّيِّ، فَهُوَ: أَنَّ فَرْضَهُ تَقْلِيدُ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ: فَرْضُهُ اتِّبَاعُ عَالِمِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عَالِمُهُ مُصِيبًا، كَمَا يَتَّبِعُ عَالِمَهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْعَامِّيَّ يُقَلِّدُ أَوْثَقَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي نَفْسِهِ، وَلَا يُكَلَّفُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ، وَالْوُقُوفِ عَلَى طَرِيقِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ يَقِينُهُ بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى حِيرَةِ الْعَامِّيِّ، فَجَعَلَ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ أَوْثَقَهُمَا فِي نَفْسِهِ، وَيُخَالِفَ الْمُجْتَهِدَ، لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ مُوَافَقَتِهِ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ وَمُنَاظَرَتِهِ فِيهِ
[ ٢ / ١٢٤ ]