فَصْلٌ السُّكُوتُ عَنِ الْجَوَابِ لِلْعَجْزِ مِنْ أَقْسَامِ الِانْقِطَاعِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وَأَقْسَامُ الِانْقِطَاعِ مِنْ وُجُوهٍ: هَذَا أَحَدُهَا، وَالثَّانِي: أَنْ يُعَلِّلَ وَلَا يُجْدِي، وَالثَّالِثُ: أَنْ يَنْقُضَ بِبَعْضِ كَلَامِهِ بَعْضًا، وَالرَّابِعُ: أَنْ يُؤَدِّيَ كَلَامُهُ إِلَى الْمُحَالِ، وَالْخَامِسُ: أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ دَلِيلٍ إِلَى دَلِيلٍ، وَالسَّادِسُ: أَنْ يُسْأَلَ عَنِ الشَّيْءِ فَيُجِيبُ عَنْ غَيْرِهِ، وَالسَّابِعُ: أَنْ يَجْحَدَ الضَّرُورَاتِ، وَيَدْفَعَ الْمُشَاهَدَاتِ، وَيَسْتَعْمِلَ الْمُكَابَرَةَ وَالْبُهْتَ فِي الْمُنَاظَرَةِ
[ ٢ / ١١١ ]
أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ، نا صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي صَدَقَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ، قَالَ الْمَأْمُونُ: «غَلَبَةُ الْحُجَّةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ غَلَبَةِ الْقُدْرَةِ، لِأَنَّ غَلَبَةَ الْقُدْرَةِ تَزُولُ ⦗١١٢⦘ بِزَوَالِهَا، وَغَلَبَةَ الْحُجَّةِ لَا يُزِيلُهَا شَيْءٌ» قُلْتُ: فَيَنْبَغِي لِمَنْ لَزِمَتْهُ الْحُجَّةُ، وَوَضَحَتْ لَهُ الدَّلَالَةُ، أَنْ يَنْقَادَ لَهَا، وَيَصِيرَ إِلَى مُوجِبَاتِهَا، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النَّظَرِ وَالْجَدَلِ طَلَبُ الْحَقِّ، وَإِتِّبَاعُ تَكَالِيفِ الشَّرْعِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
[ ٢ / ١١١ ]
أنا الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ رَامِينَ الْإِسْتَرَابَاذِيُّ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْجُرْجَانِيُّ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ سَعِيدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ، يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ: قُلْتُ لِزُفَرَ: صِرْتُمْ حَدِيثًا فِي النَّاسِ وَضِحْكَةً، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: تَقُولُونَ فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا: ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ، ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ، فَصِرْتُمْ إِلَى أَعْظَمِ الْحُدُودِ فَقُلْتُمْ: يُقَامُ بِالشُّبُهَاتِ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» وَقُلْتُمْ: يُقْتَلُ بِهِ، قَالَ: إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ رَجَعْتُ عَنْهُ السَّاعَةَ ⦗١١٣⦘ قُلْتُ: كَانَ زُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ مِنْ أَفَاضِلِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَلَمَّا حَاجَّهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ فِي مُنَاظَرَتِهِ، وَفَتَّ فِي عَضُدِهِ بِحُجَّتِهِ، أَشْهَدَهُ عَلَى رَجْعَتِهِ، خِيفَةً مِنْ مُدَّعٍ يَدَّعِي ثَبَاتَهُ عَلَى قَوْلِهِ الَّذِي سَبَقَ مِنْهُ، بَعْدَ أَنْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ زَلَّةٌ وَخَطَأٌ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنِ احْتُجَّ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ أَنْ يَقْبَلَهُ، وَيُسَلِّمَ لَهُ، وَلَا يَحْمِلُهُ اللِّجَاجُ وَالْجَدَلُ عَلَى التَّقَحُّمِ فِي الْبَاطِلِ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]
[ ٢ / ١١٢ ]
أنا أَبُو مُحَمَّدٍ: الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ، نَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، نَا عَوْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا الْعَبَّاسُ بْنُ رُسْتُمَ، قَالَ: كَانَ الْمَأْمُونُ، يَقُولُ: «إِذَا وَضَحَتِ الْحُجَّةُ ثَقُلَ عَلَى الْأَسْمَاعِ اسْتِمَاعُ الْمُنَازَعَةِ فِيهَا»
[ ٢ / ١١٣ ]
أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى الْكَازُرُونِيُّ بنَيْسَابُورَ، قَالَ: أَنْشَدَنَا أَبُو عَامِرٍ النَّسَوِيِّ، قَالَ أَنْشَدَنَا أَبُو عَلِيٍّ: الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْقُومَسِيُّ لِأَبِي سَعْدِ بْنِ دَوْسَتَ: «
[البحر الكامل]
وَمُخَالِفٌ لِلْحَقِّ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلصِّدْقِ عِنْدَ تَنَاظُرٍ وَحِجَاجٍ
تَرَكَ الْحِجَاجَ إِلَى اللِّجَاجِ فَقُلْتُ يَا طَرْدَ الدَّجَاجِ وَمَنْزِلَ الْحِجَاجِ»
[ ٢ / ١١٣ ]