[ ١ / ٣٩٠ ]
أنا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْعَلَّافُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ، نا غَسَّانُ بْنُ مَالِكٍ، نا سَلَّامٌ أَبُو الْمُنْذِرِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْخَذْفِ، وَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يَصِيدُ صَيْدًا، وَلَا يَنْكَأُ الْعَدُوَّ، وَلَكِنَّهُ يَكْسِرُ السِّنَّ، وَيَفْقَأُ الْعَيْنَ» فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ فَنَقَدَ حَصَاةً، فَقَالَ: أَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذَا؟ أَوْ قَالَ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَخْذُفُ؟ وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ الْفَصِيحَ أَبَدًا
[ ١ / ٣٩٠ ]
أنا ابْنَا بِشْرَانَ: عَلِيُّ وَعَبْدُ الْمَلِكِ قَالَا: أنا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ، وَأَنَا هِلَالُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَفَّارُ، ومُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الصَّيَّادُ، قَالَا: أنا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خَلَّادٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ خُزَاعِيِّ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ ⦗٣٩١⦘ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَخْذِفُوا فَإِنَّهُ لَا يُصَادُ بِهِ الصَّيْدُ، وَلَا يَنْكَأُ بِهِ الْعَدُوُّ وَلَكِنْ يَفْقَأُ الْعَيْنَ وَيَكْسِرُ السِّنَّ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمِّهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا هَذَا؟ فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتَقُولُ مَا هَذَا وَمَا هَذَا؟ وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ مِنْ رَأْسِي، مَا عَرَفْتُكَ كَذَا قَالَ الْحَارِثُ: عَنْ خُزَاعِيٍّ عَنْ جَدِّهِ
[ ١ / ٣٩٠ ]
وَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، أنا أَبُو سَهْلِ بْنُ زِيَادٍ الْقَطَّانُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ، حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ خُزَاعِيِّ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَخْذِفُوا فَإِنَّهُ لَا يُصَادُ بِهِ الصَّيْدُ، وَلَا يُنْكَأُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَلَكِنَّهُ يَفْقَأُ الْعَيْنَ وَيَكْسِرُ السِّنَّ» فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمِّي: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَا؟ وَنَقَدَ بِهِ، فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتَقُولُ مَا هَذَا مَرَّتَيْنِ؟ وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ بِكَلِمَةٍ مِنْ رَأْسِي مَا عَرَفْتُكَ
[ ١ / ٣٩١ ]
أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو ⦗٣٩٢⦘ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ الرَّزَّازُ، نا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ، أنا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، أَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ رَبَاحٍ، حَدَّثَنِي أَبُو السَّوَّارِ، قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: فِي الْحِكْمَةِ مَكْتُوبٌ: إِنَّ مِنْهُ وَقَارًا، وَإِنَّ مِنْهُ ضَعْفًا، فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتُحَدِّثُنِي عَنِ الصُّحُفِ، وَاللَّهِ لَا أُحَدِّثُكُمُ الْيَوْمَ بِحَدِيثٍ
[ ١ / ٣٩١ ]
أنا أَبُو الْحَسَنِ، مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زِرْقَوَيْهِ، أنا أَبُو أَحْمَدَ، حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ الدِّهْقَانُ، وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ: قَالَا: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، وَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرُ بْنِ أَحْمَدَ الْبَرْمَكِيُّ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفِ بْنِ بَخِيتٍ الدَّقَّاقُ، نا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْجَوْهَرِيُّ، نا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ، نا عِيسَى بْنُ مِينَاءٍ الْمَدَنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: " إِنَّ السُّنَنَ لَا تُخَاصَمُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَتْبَعَ بِالرَّأْيَ وَالتَّفْكِيرَ، وَلَوْ فَعَلَ النَّاسُ ذَلِكَ لَمْ يَمْضِ يَوْمٌ إِلَّا انْتَقَلُوا مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ، وَلَكِنَّهُ
[ ١ / ٣٩٢ ]
يَنْبَغِي لِلسُّنَنِ أَنْ تُلْزَمَ وَيُتَمَسَّكَ بِهَا عَلَى مَا وَافَقَ الرَّأْيَ أَوْ خَالَفَهُ وَلَعَمْرِي إِنَّ السُّنَنَ وَوُجُوهَ الْحَقِّ لَتَأْتِي كَثِيرًا عَلَى خِلَافِ الرَّأْيِ، وَمُجَانَبَتِهِ خِلَافًا بَعِيدًا، فَمَا يَجِدُ الْمُسْلِمُونَ بُدًّا مِنَ اتِّبَاعِهَا وَالِانْقِيَادِ لَهَا، وَلِمِثْلِ ذَلِكَ وَرِعَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ فَكَفَّهُمْ عَنِ الرَّأْيِ، وَدَلَّهُمْ عَلَى غَوْرِهِ وَغَوْرَتِهِ، إِنَّهُ يَأْتِي الْحَقُّ عَلَى خِلَافِهِ فِي وُجُوهٍ غَيْرِ وَاحِدَةٍ مِنْ ذَلِكَ: أَنَّ قَطْعَ أَصَابِعِ الْيَدِ مِثْلُ قَطْعِ الْيَدِ مِنَ الْمِنْكَبِ، أَيُّ ذَلِكَ أُصِيبَ فَفِيهِ سِتَّةُ أَلْفٍ وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ قَطْعَ الرِّجْلِ فِي قِلَّةِ ضَرَرِهَا مِثْلُ قَطْعِ الرِّجْلِ مِنَ الْوَرِكِ، أَيُّ ذَلِكَ أُصِيبَ فَفِيهِ سِتَّةُ أَلْفٍ وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ فِيَ الْعَيْنَيْنِ إِذَا فُقِئَتَا مِثْلُ مَا فِي قَطْعِ أَشْرَافِ الْأُذُنَيْنِ فِي قِلَّةِ ضَرَرِهِمَا، أَيَّ ذَلِكَ أُصِيبَ فَفِيهِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ فِيَ شَجَّتَيْنِ مُوَضَّحَتَيْنِ صَغِيرَتَيْنِ مِائَةَ دِينَارٍ، وَمَا بَيْنَهُمَا صَحِيحٌ فَإِنْ جُرِحَ مَا بَيْنَهُمَا حَتَّى تُقَامَ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى، كَانَ أَعْظَمَ لِلْجُرْحِ بِكَثِيرٍ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا حِينَئِذٍ إِلَّا خَمْسُونَ دِينَارًا وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْحَائِضَ تُقْضَى الصِّيَامَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ وَمِنْ ذَلِكَ رَجُلَانِ قُطِعَتْ أُذُنَا أَحَدِهِمَا جَمِيعًا، يَكُونُ لَهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا، وَقُتِلَ الْآخَرُ فَذَهَبَتْ أُذُنَاهُ وَعَيْنَاهُ وَيَدَاهُ وَرِجْلَاهُ، وَذَهَبَتْ نَفْسُهُ
[ ١ / ٣٩٣ ]
لَيْسَ لَهُ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا، مِثْلُ الَّذِي لَمْ يُصِبْ إِلَّا أَشْرَافَ أُذُنَيْهِ فِي أَشْبَاهِ هَذَا غَيْرِ وَاحِدَةٍ فَهَلْ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ بُدًّا مِنْ لُزُومِ هَذَا؟ وَأَيُّ هَذِهِ الْوُجُوهِ يَسْتَقِيمُ عَلَى الرَّأْيِ أَوْ يَخْرُجُ فِي التَّفْكِيرِ؟ وَلَكِنَّ السُّنَنَ مِنَ الْإِسْلَامِ، بِحَيْثُ جَعَلَهَا اللَّهُ هِيَ مِلَاكُ الدِّينِ وَقِيَامُهُ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ، وَأَيُّ قَوْلٍ أَجْسَمُ وَأَعْظَمُ خَطَرًا مِمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حِينَ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيْنَنَا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ فَقَرَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا، وَايْمُ اللَّهِ إِنَّ كُنَّا لَنَلْتَقِطُ السُّنَنَ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالثِّقَةِ، وَنَتَعَلَّمُهَا شَبِيهًا بِتَعْلِيمِنَا آيِ الْقُرْآنِ، وَمَا بَرِحَ مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْفِقْهِ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ يَعِيبُونَ أَهْلَ الْجَدَلِ وَالتَّنْقِيبِ وَالْأَخْذِ بِالرَّأْيِ أَشَدَّ الْعَيْبِ، وَيَنْهَوْنَنَا عَنْ لِقَائِهِمْ وَمُجَالَسَتِهِمْ، وَيُحَذِّرُونَنَا مُقَارَبَتَهُمْ أَشَدَّ التَّحْذِيرِ، وَيُخْبِرُونَنَا أَنَّهُمْ أَهْلُ ضَلَالٍ وَتَحْرِيفٍ، بِتَأْوِيلِ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمَا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى كَرِهَ الْمَسَائِلَ وَنَاحِيَةَ التَّنْقِيبِ وَالْبَحْثِ عَنِ الْأُمُورِ وَزَجْرِ عَنْ ذَلِكَ وَحَذَّرَهُ الْمُسْلِمِينَ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ حَتَّى كَانَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ كَرَاهِيَةَ ذَلِكَ أَنْ قَالَ
[ ١ / ٣٩٤ ]
: ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ سُؤَالُهُمْ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ بِهِ فَأَتَوْا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَأَيُّ أَمْرٍ أَكُفُّ لِمَنْ يَعْقِلُ عَنِ التَّنْقِيبِ مِنْ هَذَا؟ وَلَمْ يَبْلُغِ النَّاسُ يَوْمَ قِيلَ لَهُمْ هَذَا الْقَوْلُ مِنَ الْكَشْفِ عَنِ الْأُمُورِ جُزْءًا مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ مِمَّا بَلَغُوا الْيَوْمَ، وَهَلْ هَلَكَ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ وَخَالَفُوا الْحَقَّ إِلَّا بِأَخْذِهِمْ بِالْجَدَلِ، وَالتَّفْكِيرِ فِي دِينِهِمْ، فَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى دِينِ ضَلَالٍ وَشُبْهَةٍ جَدِيدَةٍ لَا يُقِيمُونَ عَلَى دِينٍ، وَإِنَّ أَعْجَبَهُمْ إِلَّا نَقَلَهُمُ الْجَدَلُ وَالتَّفْكِيرُ إِلَى دِينٍ سِوَاهُ، وَلَوْ لَزِمُوا السُّنَنَ وَأَمْرَ الْمُسْلِمِينَ وَتَرَكُوا الْجَدَلَ لَقَطَعُوا عَنْهُمُ الشَّكَّ، وَأَخَذُوا بِالْأَمْرِ الَّذِي حَضَّهُمْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَرَضِيَهُ لَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ تَكَلَّفُوا مَا قَدْ كُفُوًا مُؤْنَتَهُ وَحَمَلُوا عَلَى عُقُولِهِمْ مِنَ النَّظَرِ فِي أَمْرِ اللَّهِ مَا قَصُرَتْ عَنْهُ عُقُولُهُمْ، وَحَقٌّ لَهَا أَنَّ تَقْصُرَ عَنْهُ وَتَحْسَرَ دُونَهُ، فَهُنَالِكَ تَوَرَّطُوا وَأَيْنَ مَا أَعْطَى اللَّهُ الْعِبَادَ مِنَ الْعِلْمِ فِي قِلَّتِهِ وَزَهَادَتِهِ مِمَّا تَنَاوَلُوا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، وَقَدْ قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى مَا عَيَّرَ أَوْ غَيَّرَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ بِهِ مُوسَى ﵇، مِنْ أَمْرِ الرَّجُلِ الَّذِي لَقِيَهُ فَقَالَ: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥]، فَكَانَ مِنْهُ فِي خَرْقِهِ السَّفِينَةَ، وَقَتْلِهِ الْغُلَامَ، وَبِنَائِهِ الْجِدَارَ، مَا قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ، فَأَنْكَرَ مُوسَى ذَلِكَ عَلَيْهِ،
[ ١ / ٣٩٥ ]
وَجَاهُ ذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ مُنْكَرًا لَا تَعْرِفُهُ الْقُلُوبُ، وَلَا يَهْتَدِي لَهُ التَّفْكِيرُ، حَتَّى كَشَفَ اللَّهُ ذَلِكَ لِمُوسَى فَعَرَفَهُ، وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ مِنْ سُنَنِ الْإِسْلَامِ وَشَرَائِعِ الدِّينِ الَّتِي لَا تُوَافِقُ الرَّأْيَ، وَلَا تَهْتَدِي لَهَا الْعُقُولُ، وَلَوْ كَشَفَ لِلنَّاسِ عَنْ أُصُولِهَا لَجَاءَتِ لِلنَّاسِ وَاضِحَةً بَيِّنَةً غَيْرَ مُشْكِلَةً عَلَى مِثْلِ مَا جَاءَ عَلَيْهِ أَمْرُ السَّفِينَةِ وَأَمْرُ الْغُلَامِ وَأَمْرُ الْجِدَارِ، فَإِنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ كَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى يَعْتَبِرُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَيُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَمَنْ أَجْهَلُ وَأَضَلُّ وَأَقَلُّ مَعْرِفَةً بِحَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ رَسُولِهِ وَبِنُورِ الْإِسْلَامِ وَبُرْهَانِهِ مِمَّنْ قَالَ لَا أَقْبَلُ سُنَّةً وَلَا أَمْرًا مَضَى مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يُكْشَفَ لِي غَيْبُهُ وَأَعْرِفَ أُصُولَهُ؟ أَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ بِلِسَانِهِ، فَكَانَ عَلَيْهِ رَأْيُهُ وَفِعْلُهُ، وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]
[ ١ / ٣٩٦ ]