في السنة الثامنة أيضًا قطع يد المرأة المخزومية التي سرقت بمكة بحكم قول الله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ ١، وكان شفع فيها أسامة بن زيد حب رسول الله وابن حبه، فقال له: "أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟ " مع أن المرأة ابنة أخي أبي سلمة ابن عبد الأسد، صنو النبي -ﷺ- من الرضاع، الذي كان زوج أم سلمة إحدى أمهات المؤمنين قبل أن يتزوجها النبي -ﷺ، وقد أهمّ أمرها قريشًا، ولم ينفعها ذلك، فقد خطب النبي -ﷺ- فقال: "إنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا أذنب فيهم الشريف تركوه، وإذا أذنب فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو سرقت فاطمة ابنتي لقطعت يدها" ٢، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها.
والحدود وردت في الشريعة المطهرة في سبعة عشر جرمًا، بين متفق عليه، ومختلف فيه، فالمتفق عليه:
١- السرقة:
_________________
(١) ١ المائدة: ٣٨. ٢ سبق تخريجه.
[ ١ / ٢٠١ ]
٢- الردة: ويجب فيها القتل بإجماعٍ في الرجل لقوله -﵇: "من بدَّل دينه فاقتلوه" ١.
٣- الحرابة وتقدَّمت.
٤- الزنا، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٢، وقال في حق الرقيق: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ٣، وزادت السُّنَّة تغريب عام لغير المحصن، ورجم المحصن وتقدَّمَ.
٥- القذف وتقدَّمَ.
٦- شرب الخمر، وتقدَّم في نسخ السُّنَّة بيانه، وسواء سكر أم لم يسكر، هكذا عدَّد الحافظ من المتفق عليه في كتاب الحدود، ولكن بعده بسبعة أوراق تعقّب على عياض وغيره في حكاية الإجماع على وجوب حد الخمر، وحكى عن طائفة من أهل العلم أنه لا حدَّ فيه، وإنما فيه التعزير، نقل ذلك عنهم الطبري وابن المنذر وغيرهما، ثم أجاب عنه، ولكن فيه قول عن ابن عباس: إنه لا حدَّ فيه ولا زجر، نقله هو فانظره٤.
ومن المختلف فيه:
١- جحد العارية: قال أحمد وإسحاق بن راهويه: هو كالسرقة، بل منها؛ لأن حديث المخزومية ورد في بعض ألفاظه: "كانت تستعير المتاع وتجحده" كما في الصحيح٥.
٢- شرب ما يسكر كثيره من غير الخمر، خالف فيه الحنفية إذا لم يسكر
_________________
(١) ١ أخرجه الجماعة إلا مسلمًا، البخاري في الاستتابة "٩/ ١٨"، وأبو داود "٤/ ١٢٦"، والترمذي "٤/ ٥٩"، والنسائي "٧/ ٩٦"، وابن ماجه "٢/ ٨٤٨". ٢ النور: ٢. ٣ النساء: ٢٥. ٤ فتح الباري "١٢/ ٥٤، ٥٧" ط. الخشاب ١٣٢٥هـ. ٥ سبق تخريج الحديث والزيادة المذكورة، رواها أبو داود "٤/ ١٣٢"، والنسائي "٨/ ٦٤".
[ ١ / ٢٠٢ ]
بالفعل١.
٣- القذف بغير الزنا.
٤- التعريف بالقذف.
٥- اللواط ولو بمَن يحل له وطؤها.
٦- إتيان البهيمة.
٧- السحاق.
٨- تمكين المرأة القرد أو غيره من الحيوان من وطئها.
٩- السحر.
١٠- ترك الصلاة تكاسلًا، قال به مالك والشافعي، "خليل" وقتل بالسيف حدًّا، ولو قال: أنا أفعل، وخالفهما أبوحنيفة.
١١- الفطر في رمضان، قيل فيه الضرب، وزيد على ذلك قتل.
١٢- من سبَّ واحدًا من الرسل -﵈.
١٣- وقتل الزنديق، والقتل فيهما من غير استتابة بخلافه في الردة.
١٤- وشرب الخمر إذا تكرَّر، فإنه يقتل في الرابعة أو الخامسة إلّا أنه قول شاذٌّ جدًّا.
_________________
(١) ١ الخمر عند أبي حنيفة -﵀: اسم للنيء من ماء العنب بعدما غلي واشتد وقذف بالزيد وسكن عن الغليان وصار صافيًا، وعند صاحبيه: وإن لم يسكن من الغليان، وما كان كذلك فهو حرام قليله وكثيره. أما الأنواع الأخرى من الأشربة، فالسكر، ونقيع الزبيب، والتمر من غير طبخ، والفضيخ، والباذق، يحرم شرب قليلها وكثيرها، ولكن دون حرمة الخمر، فلا يجب الحد بشرب قليلها حتى يسكر، وأما الطلاء، ومطبوخ التمر، والزبيب أدنى طبخ، فالقليل منه حلال طاهر، وما أسكر منه فحرام، "انظر تحفة الفقهاء للسمرقندي" "ج٣/ ٤٤٤-٤٥٨"، و"أحكام القرآن للجصاص، "١/ ٣٢٢-٣٢٨"، وإن رمت التفصيل فعليك بشرح فتح القدير لكمال الدين بن الهمام "٨/ من ١٥١-١٦٩".
[ ١ / ٢٠٣ ]
١٥- والجاسوس أيضًا، فإنه يقتل إن رآه الإمام.
١٦- والقدرية، قال جماعة من الأئمة: إن تابوا وإلّا قتلوا، بل كل مبتدع.
١٧- ومن طلب حريم إنسان أوماله بغير حق.
١٨- ومن خالف الإجماع وأظهر الشقاق.
وذكر ابن العربي في المائدة من أحكامه: أن القتل جاء بأكثر من عشرة أشياء بين متفق عليه ومختلف فيه فانظره١، وها أنت رأيت ستة عشرة موضعًا منها بين خلاف ووفاق، وهذا كله خارج عما تشرع فيها المقاتلة.
١٩- كما لو ترك قوم الزكاة ونصبوا لذلك الحرب.
٢٠- والبغاة الخارجين على الإمام فللعدل قتالهم.
ومن المتفق عليه القصاص:
٢١- في النفس وفي الجراح عمدًا وتقدَّم.
فيصير شرع التقل في تسعة عشر موضعًا، ولكنها لا تخرج عن الحديث: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والزاني المحصن، والمرتد المفارق للجماعة"٢. انظر الحافظ في الدماء٣، فهذه الجرائم التي بينت الشريعة جزاءها، ووراء ذلك الزواجر والتعازير، فقد فوضت للإمام فيما سوى هذه الجرائم، فله أن يعزرلحق آدمي، أو مصعية الله بما شاء بقدر الحد في الجرائم التي هي كجرائمه أو أكثر فيما هو أعظم، أو أقل فيما هو أخف بما يراه، هذا قول المالكية وكثير من العلماء، "خليل" وعزر الإمام لمعصية الله أو حق آدمي، ولكن ما لم يسر إلى النفس، فإن سرى إليها ففيه تفصيل يطلب في محله، وقد ثبت أن عمر حدَّ رجلًا شرب الخمر في نهار رمضان بمائة جلدة، ثمانين حدّ الخمر وعشرين لحرمة الشهر، يعني وذلك زيادة على الكفارة المعلومة، وحدَّ بعض
_________________
(١) ١ لم أجده في تفسير المائدة من أحكام القرآن. ٢ متفق عليه: البخاري في الديات "٩/ ٧"، ومسلم في القسامة "٥/ ١٠٦". ٣ فتح الباري "١٢/ ١٦٢" ط. الخشاب.
[ ١ / ٢٠٤ ]
الولاة رجلًا لاط بصبي ثلاثمائة ولم ينكر عليه مالك، قاله ابن العربي في الأحكام، وقد نصوا على تعزير شاهد الزور بإشهاره والطواف به، ومن أهل العلم من يرى نفيه إلى غير ذلك مما هو مقرر في كتب الأحكام. فبهذا تعلم انطباط الشريعة وما فيها من تمام النظام، كما بينَّا ذلك في غير موضع من هذا الكتاب وغيره ردًّا على مَنْ يزعم أنه ليس فيها إلّا التوعد الأخروي الذي لا يؤثر إلا في المؤمنين، وأن ذلك سبب فوضى الأحكام وعدم النظام عند المسلمين في هذه الأزمان، وهذا ضلال مبين ومغالطة، فبأي حق نظروا لحاضر المسلمين ولم ينظرو لماضيهم، أجهل منهم بتاريخ الإسلام أم تجاهل؟ وبأيّ حقٍّ ينتقدون شريعة يجهلون ما فيها من الزاجرين: الزاجر الأخروي والزاجر الدنوي؟ فهل أمس بالنظام من بقية الشرائع، نعم فوضت في بقية الزواجر لولي الأمر لتكون مطابقة لكل زمان ومكان بتغير الأحوال، ولو أنها بينتها وحددتها لملأوا علينا العالم صراخًا بأنها لم تبق صالحة الآن لتغير الأحوال، كما قالوا في حد السرقة والزنا، بل في القصاص، وإذ ذاك يتذمرون بأنها حجزت عليهم كل شيء من مصالحهم، فيالله من عمائهم، ومسألة النظام في الإسلام لأهميتها خصَّصت لها تأليفًا خاصًّا فلينظره من شاء التوسع في الموضوع.
[ ١ / ٢٠٥ ]