غير خفي أن للذكاة عندنا حكمًا وسطًا بين إفراط اليهود وتفريط النصارى، فالأول لا يذبح لهم إلّا رئيس ديني بسكين بالغة الحد في التحديد، وفي مرة واحدة يمرها. ولا يخفى ما في ذلك من التضيق، والآخرون فرَّطوا حتى قتلوا عنق الدجاجة من غير إسالة دم، أما عندنا "فما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر" كما في الصحيح١، فكل مميز يناكح يذكى، ولو يهوديًّا أو نصرانيًّا، ولو امرأة، حضريًّا أو بدويًّا، وكل محدد يفري الودجين تصح به الذكاة ولو حجرًا أو قصبًا إلّا السن والظفر، أما الصيد فإصابته بمحدد في أي موضوع، أو بناب كل معلَّم بنية في الكل، والمحرم عندنا هو المذكور في المائدة التي نزلت في السنة العاشرة، وهي آخر ما نزل من السور. قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ
_________________
(١) ١ سَبَقَ تخريجه.
[ ١ / ٢١٦ ]
عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ ١، قال ابن العربي في الأحكام لدى قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ ٢ الآية: إنها نزلت على النبي -ﷺ- يوم نزل عليه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ٣، وذلك يوم عرفة -يعني في حجة الوداع- على قول الأكثر، وهذا يعكر على ما تقدَّم لنا في صدر القسم الأول من الكتاب أن الأنعام مكية باتفاق على ما في الإتقان٤.
وتقدَّم لنا أن وجوب ذكر اسم الله أو سنيته، وتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، شرِّعَ في أول بعثة قبل الهجرة بأية النحل وهي: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٥ وهي مكية، ونحوها في البقرة أيضًا وهي مدنية، فالذي تجدد في السنة العاشرة هو تحريم المنخنقة وما معها، وهي في معنى الميتة، فيحتمل أن آية المائدة بيان لآيات الأنعام والنحل والبقرة وهو الظاهر، ويحتمل أنها زيادة عليهما.
وعلى كل حال الذي يظهر من القرآن والسنة أن العرب كانوا يذكون قبل الإسلام بدليل: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ ٦ والنسيكة الذبيحة، وبدليل قصة الذبيح، وبدليل أنهم كانوا يذبحون لأصناهم، وكان لهم مذبح في البيت الحرام وبمنى، كما هو مقرر في الآثار، لم يجئ الشرع بجديد في أمر الذكاة على ما كان عندهم، نعم أتى بيانها وبيان آلتها وكيفيتها، ومنع مما كانوا يأكلونه من المنخنقة وما بعدها، وأمر بالتسمية، وأن ما ذكر عليه اسم صنم أو أي مخلوق فميتة، كما نهى عَمَّا كانوا يأكلون من الميتة، فإن القرآن مصرح بأنهم كانوا
_________________
(١) ١ المائدة: ٣. ٢ الأنعام: ١٤٥. ٣ المائدة: ٣. ٤ عبارة ابن العربي في أحكام القرآن "٢/ ٧٦٤" تفيد أن الآية نزلت مرتين إن صح النقل، مع أن كون سورة الأنعام مكية لا يعكر عليه استثناء آيات منها كما ذكر في الإتقان "١/ ٥٧"، إنما يعكر ذلك على ما ورد من نزولها جملة واحدة، فيحتاج إلى الجمع. ٥ النحل: ١١٥. ٦ الحج: ٦٧.
[ ١ / ٢١٧ ]
يأكلونها، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ ١، فهم كانوا يأكلون المذكَّى والميتة معًا
كما أنه فصل في الصيد، وأن ما صيد بعرض المعرض أو صاده بكلب غير معلَّم أو محرم فلا يؤكل ويعتبر ميتة، إلى غير ذلك من أحكام الميتة في القرآن والسنة، قال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ ٣.
وقد أباح القرآن ذكاة الكتابيّ وهو ما يأكله أهل دينه، قال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ ٤ يهودًا أو نصار ولو قتلوا عنق الدجاجة على ما قال ابن العربي ومن تبعه لضرورة الخلطة، ولذا أباح لنا التزوج منهم وقبولهم ذمة تأليفًا وتوددًا، ولا يصحّ قصر الآية على اليهود لأنهم لا يأكلون ذبيحتنا، والله يقول: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ .
_________________
(١) ١ الأنعام: ١٣٩. ٢ المائدة: ٤. ٣ المائدة: ٩٦. ٤ المائدة: ٥.
[ ١ / ٢١٨ ]