روى الطبراني برجال الصحيح عن مسروق١ قال: كان أصحاب القضاء من أصحاب رسول الله -ﷺ- ستة: عمر، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وأُبَيّ ابن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري٢.
وروى أحمد والترمذي وعبد بن حميد وأبو يعلى وابن حبان، أن عثمان قال لابن عمر -﵃: اقض بين رجلين فإن أباك كان يقضي. فقال: إن أبي كان يقضي فإن أشكِلَ عليه شيء سأل النبي -ﷺ، فإن أشكِلَ على النبي -ﷺ- شيء سأل جبريل، وأنا لا أجد من أسأل ولست مثل أبي٣.
قال الشامي٤ في سيرته: يريد أنه كان يقضي في بعض الأمور في أوقات مختلفات، لا أنه كان يقضي دائمًا، والدليل على ذلك حديث ابن عمر -﵄: ما اتخذ رسول الله -ﷺ- قاضيًا ولا أبو بكر ولا عمر، حتى كان في آخر زمانه قال ليزيد بن أخت نمير: اكفني بعض الأمور، رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح٥، وروى الطبراني بسند جيد عن السائب بن يزيد أن النبي -ﷺ- لم يتخذ قاضيًا، وأول٦ من استقضى عمر. قال: رد عني الناس في الدرهم
_________________
(١) ١ مسروق بن الأجدع الهمداني أبو عائشة الكوفي، أحد التابعين، روى عن أبي بكر وعمر وعلي ومعاذ، ت سنة ٦٣ هـ "خلاصة الخزرجي" "٣٧٤". ٢ مجمع الزوائد "٩/ ٣١٣". ٣ هذا حديث يزيد بن عبد العزيز بن موهب، وليس هذا لفظه، تصرّف المصنف في لفظه، انظر الترمذي "٣/ ٦٠٣"، ومسند أحمد "١/ رقم ٤٧٥"، ومجمع الزوائد "٤/ ١٩٣، ٥/ ٢٠٠"، والترغيب والترهيب "٣/ ٢٨٢". ٤ محمد بن يوسف الصالحي: انظر ص١٣٥. ٥ مجمع الزوائد "٤/ ١٩٦". ٦ قال المؤلف -﵀: سيأتي أن أبا بكر استقضى عمر، فكان أول قاض في الإسلام بعده -﵇، والسبب في تولي النبي -ﷺ- القضاء بنفسه ظاهر، وهو أن العدل أساس العمران، ولا ارتقاء ولا رجاء لتأليف أمة وتعاضده وتكوين وحدتها إلّا بالعدل والأمن على الحقوق، لهذا كان -﵇- يتولى القضاء بنفسه تأليفًا لهم وتدريبًا على إقامة العدل والاجتهاد، وتنبيهًا لهم أن يكونوا قوَّامين بالقسط، وأن يلي قضاءهم من يكون أفضلهم وأنزههم وأعلمهم، ولما أضاع المسلمون ما أرشد إليه الرسول تأخروا وانحطت جامعتهم.
[ ١ / ٢٢٨ ]
والدرهمين١.
قلت: مرادهم أنه -﵇- لم يستقض أحدًا بحضرته في المدينة، وإلا فقد ثبت أنه وجَّه عليًّا قاضيًا إلى اليمن، ومعاذًا كذلك، وقال له: "بم تقضي" قال: بكتاب الله، الحديث في أبي داود وتقدَّمَ٢، وقال -﵇: "أقضاكم علي" رواه الترمذي٣. وروى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، أن النبي -ﷺ- بعث معقل بن يسار قاضيًا إلى اليمن وهوحديث السن، ودعا له أن يهدي قلبه ويثبت لسانه، قال: فما شككت في قضاء بين اثنين٤ ومن جملة من استقضاهم النبي -ﷺ- في أشياء خاصة: عقبة بن عامر الجهني، ورى الإمام أحمد برجال الصحيح والدراقطني بسند حسن عنه قال: جاء خصمان إلى رسول الله -ﷺ- يختصمان فقال: "قم يا عقبة اقض بينهما" فقلت: بأمي وأبي يا رسول الله، أنت أولى بذلك. قال: "وإن كان اقض بينهما" قلت: على ماذا؟ قال: "اجتهد، فإن أحسنت فلك عشر حسنات، وإن اجتهدت فأخطأت فلك أجر واحد" ٥.
ورى أحمد والطبراني نحوه عن عمر، وروى أحمد والطبراني والحاكم٦ معقل بن يسار المزني قال: أمرني رسول الله أن أقضي بين قوم. فقلت: ما أحسن أن أقضي يا رسول الله. قال: "إن الله مع القاضي ما لم يحف
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد "٤/ ١٩٦". ٢ سبق تخريجه. ٣ سبق تخريجه. ٤ ليس هذا الحديث في الترمذي، والذي عند أبي داود "٣/ ٣٠١"، وابن ماجة "٢/ ٧٧٤"، وأحمد "١/ ٨٨، ١٣٦، ١٤٩، ١٥٦، ١٦١"، أنه بعث علي بين أبي طالب ودعا له أن يهدي الله قلبه ويثبت فؤاده، وأما معقل بن يسار فالذي روي عنه أن النبي -ﷺ- أمره أن يقضي بين اثنين فقال: ما أحسن أن أقضي يا رسول الله؟ قال له النبي -ﷺ: "الله مع القاضي ما لم يحف عمدًا" أحمد "٥/ ٢٦". ٥ الدراقطني "٤/ ٢٠٣"، وأحمد "٤/ ٢٠٥"، وأخرج مثله عن عمرو بن العاص. ٦ قال المؤلف -﵀: معقل كمعدان، وبسار كسحاب، والمزني بضم ففتح.
[ ١ / ٢٢٩ ]
عمدًا" ١. وروى الدراقطني أن حذيفة بعثه رسول الله -ﷺ- يقضي بين قوم في حصن فقضى للذي يليهم القمط٢ -وهو بضمتين جمع قماط، كلمة نبطية، حزمة من قصب يلقى على خشب السقف، ومن جملة من حكَّمهم النبي -ﷺ- عمرو بن حزم، أمره أن يحكم بالشاهد واليمين كما في سيرة الشامي٣، وتولية عتاب بن أسد على مكة وغيره كله من هذا القبيل.
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد "٤/ ١٩٣"، وأحمد "٥/ ٢٦"، والحاكم "٣/ ٥٧٧" وفيه أبو داود الأعمى، قال الهيثمي: كذاب، وروى نحوه عن ابن مسعود مرفوعًا، وفيه حفص بن سليمان القارئ. ٢ رواه ابن ماجه "٢/ ٧٨٥"، والدراقطني "٤/ ٢٢٩". ٣ سبل الهدى والرشاد لمحمد بن يوسف الصالحي. انظر التعليق ص١٣٥.
[ ١ / ٢٣٠ ]