سيد المفتين وأولهم على الإطلاق وأكملهم وأجلهم وأعظمهم هو سيدنا محمد رسول الله بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان أبو القاسم -ﷺ.
بناء على الصحيح من اجتهاده -﵇، وثبوت ذلك، وكيف لا يكون سيد المفتين وهو نبيهم الموصوف بالعصمة، المؤيَّد بالوحي والتنزيل، الذي أوتي جوامع الكلم، واختصر لها الكلام اختصارًا، وما ينطق عن الهوى، المؤيَّد بالمعجزات الباهرة، والقرآن الحكيم، الأمين المأمون، أكمل النبيين وأفضل المرسلين وأشرف العالمين وإمام المتقين، هادي الأمة وأعظم منة، الذي ختمت به النبوة، وكمل به نظام المجتمع الإنساني -ﷺ، ولقد ألف أحمد بن عبد الصمد الغرناطي١ المتوفَّى سنة ٥٨٠ ثمانين وخمسمائية كتابًا في الأقضية النبوية سماه: "آفاق الشموس وأعلاق النفوس"، وقد ختم في أعلام الموقعين بفتاويه -﵇، مرتَّبة على أبواب الفقه، ولكن الجلّ منها لا يتعين فيه الاجتهاد، بل الظاهر أنه عن وحي، لكن البعض من ذلك عن اجتهاد بلا شك: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾، وقد نص القرافي٢ في الفرق "٣٦" على أنه -ﷺ- المفتي الأعلم والقاضي الأحكم وعالم العلماء، فجميع المناصب الدينية فوَّضها الله إليه في رسالته، فهو أعظم من كل مَنْ تولّى منصبًا منها إلى يوم القيامة، فما من منصب ديني إلّا وهو متصف به في أعلى مرتبة، غير أن غالب تصرفه -ﷺ
_________________
(١) ١ أحمد بن عبد الصمد بن أبي عبيدة الأنصاري الخزرجي الغرناطي، انظر ترجمته في الديباج المذهب "١/ ٢١٥". ٢ سبقت ترجمته.
[ ١ / ٢٣١ ]
بالتبليغ.
ثم أعظم المجتهدين بعده، وأكمل المفتين هم صاحبته الكرام، الذي اختارهم الله لصحبته، وأكرمهم بالتلقي عنه والقيام بالهجرة إليه ونصرته، وكيف لا يكونون أعظم المجتهدين وقد شاهدوا نوره الباهر الذي هو إكسير الأرواح، وعاينوا نزول الشريعة عليه وتنزيلها على مواقعها، وشاهدوا إفتاءه وأحكامه، وتلقوا عنه في ذلك نظامه، فكانوا في الصلاة خلفه، وفي النصرة أمامه. وهم أعرف الناس بمواقع خطابه ولغته وبيانه، فهم الذين كان الخطاب يوجه إليهم فيأتون بصورة الأوامر وهو إليها ناظر، قائم عليهم، وشاهد في قيامهم بالشعائر، وقد أثبتنا فيما سبق اجتهادهم على العهد النبوي، وقد كان منهم جماعة موسومة بالعلم والفتوى في حياته -﵇، قال الليث بن سعد١، عن مجاهد: العلماء أصحاب محمد -ﷺ، وقال قتادة: هم المعنيون بقوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ الآية٢.
وفي الصحيح في قصة صاحبة العسيف التي رجمت: أن أهل العلم أخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام. الحديث٣.
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك أن ناسًا من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء، فطفق رسول الله -ﷺ- يعطي رجالًا من قريش المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله، يعطي قريشًا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم. قال أنس بن مالك: فحدث ذلك رسول الله -ﷺ- عن قومهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم، فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله -ﷺ- فقال: "ما حديث بلغني عنكم" فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله لم يقولوا شيئًا. الحديث٤، فسماهم فقهاء إذ ذاك، ويروى عن سهل بن أبي عمر خيثمة٥ قال: كان الذين يفتون على عهد رسول الله -ﷺ
_________________
(١) ١ تأتي ترجمته في القسم الثاني من الكتاب. ٢ سبأ: ٦. ٣ سبق تخريجه. ٤ متفق عليه: البخاري في الجهاد "٤/ ١١٤"، ومسلم في الزكاة "٣/ ١٠٥". ٥ إن كان هو الصحابي فاسمه سهل بن أبي حثمة. الإصابة "٣/ ١٩٥".
[ ١ / ٢٣٢ ]
ثلاثة من المهاجرين، وثلاثة من الأنصار: عمر، وعثمان، وعلي، وأُبَيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت.
وعن علي بن عبد الله بن يسار الأسلمي١ قال: كان عبد الرحمن بن عوف ممن يفتي في عهد رسول الله -ﷺ.
قال القاسم بن محمد٢: كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يفتون على عهد رسول الله -ﷺ. فهؤلاء ثمانية، وقال ابن الجوزي في "المدهش"٣: إن الذين كانوا يفتون على عهد رسول الله -ﷺ- عشرة: أبو بكر وعمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري، فصاروا اثني عشر مفتيًا، ونظم ذلك شمس الدين بن الشملي:
وفي زمن المختار أفتى بعصره٤ أبو بكر، الفاروق، عثمان، حيدر
حذيفة، عمار، وزيد بن ثابت معاذ، أبو الدرداء، وهو عويمر
أُبَيّ، أبو موسى إلى أشعر انتمى وختم نظامي بابن عوف معطر
"أ. هـ بخ" من سبل الهدى والرشاد٤.
فالخلفاء الأربعة لولا أنهم بتلك المرتبة العليا في الفقه والفتيا ما قال -﵇:$"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين بعدي"٥، وقال: "أقضاكم
_________________
(١) ١ في الإصابة، عن نيار الأسلمي عن أبيه "٤/ ٣٤٧". ٢ القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، أحمد فقهاء المدينة السبعة، من سادات التابعين، ت سنة ١٠٧. الجرح والتعديل "ق٢/ ج٢: ١١٨" ترجم له المؤلف في أوائل القسم الثاني. ٣ عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي أبو الفرج البغدادي، ت سنة ٥٩٧ هـ، "وفيات الأعيان" "١/ ٢٧٩". ٤ بإمرة. ٥ انظر ص١٣٥. ٦ سبق تخريجه.
[ ١ / ٢٣٣ ]
عليّ، وأفرضكم زيد بن ثابت، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ، وأقرؤكم أُبَيّ" ١، والحديث أصله في الصحيح، بعض منه في الترمذي وغيره.
وقال في الإصابة في ترجمة زيد بين ثابت: روى ابن سعد بإسناد صحيح، قال: كان أصحاب الفتوى ستة، عمر، وعليّ، وابن مسعود، وأبو موسى، وأُبَيّ بن كعب، وزيد بن ثابت -﵃.
وفي الاستيعاب لابن عبد البر في ترجمته أبي الدرداء، عن مسرق٢ قال: شافهت أصحاب محمد -ﷺ- فوجدت علمهم انتهى إلى ستة: عمر، وعلي، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ، وأبي الدرداء، وزيد بن ثابت. فزاد على ابن الجوزي عبد الله بن مسعود، إلا أنهما لم يصرحا بأن ذلك في العهد النبوي، وقال الشعبي٣: ثلاثة يستفتي بعضهم من بعض: عمر، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وكان علي، وأُبَيّ بن كعب، وأبو موسى، يستفتي بعضهم من بعض. قال الشيباني: قلت للشعبي: وكان أبو موسى بذاك، فقال: ما كان أعلمه، قلت: فأين معاذ. قال: هلك قبل ذلك. نقله في أول أعلام الموقعين٤.
وكتب عمر إلى معاوية وهو والٍ بالشام في خلاف وقع بينه وبين عبادة بن الصامت في الصرف مفاضلة من جنس واحد أجازه معاوية مناجزة ومنعه عبادة.
يقول: متى كنت فقيهًا، فإن عبادة كان يفتي وأنت تسكر مع قينات مكة٥، يعني: حال كفره قبل الفتح، فهذا يدل على أن عبادة من جملتهم، فصاروا أربعة عشر مفتيًا، ولذلك ذيلت النظم السابق بهذا البيت.
ومن جملة المفتين أيضًا عبادة كذلك ابن مسعود إمام منور
فكل هؤلاء السادة استنبط الأحكام من أصولها، وأفتى في العهد النبوي، وحفظت فتاويهم وهي منقولة في كتب الحديث والسير.
قلت: بل كل من ولي أمرًا للنبي -ﷺ- بعيدًا منه إلّا وصار مفتيًا، مثل معاذ بن
_________________
(١) ١ سبق تخريجه. ٢ ترجمته تقدمت قريبًا. ٣ انظر ما سبق. ٤ "١/ ١٤-٢١". ٥ أصله في الصحيح: مسلم:٥/ ٤٣"، وفيه ما يفيد أنه كان في خلافة معاوية.
[ ١ / ٢٣٤ ]
جبل والي اليمن، ومثل أبي عبيدة بن الجراح الذي كان أمير سرية الخبط وأفتاهم بأكل الحوت، ومثل أبي سعيد الخدري الذي أفتى نفسه وأصحابه بأخذ الجعل على الرقية، ومثل أبي قتادة الذي اصطاد وهو حلال، وأفتى من كان محرمًات بالأكل من صيده، وينبغي أن يعد منهم سعد بن معاذ الذي حكَّمه -ﷺ- في بني قريظة، وأمثاله ممن توفي في الحياة النبوية، ونقلت عنهم بعض فتاوى صادرة في العهد النبوي؛ كعثمان بن مظعون، وجعفر بن أبي طالب، وسيأتي ذلك في كلام ابن حزم في الطور الثاني بعده، وعلى هذا فعددهم أكثر من أربعة عشر بكثير. نعم هؤلاء "١٤" كانوا يفتون بحضرته -﵇، على أنَّا نعلم أن فتاوى الصحابة لم يكن القصد منها إلّا التمرين على الاجتهاد، وكانت قوية جدًّا بالنسبة لما كان ينزل من الأحكام، ولما كان يبينه -﵇.
[ ١ / ٢٣٥ ]