وفي السنة الثالثة بعد غزوة أحد نزلت آية فرائض الميراث، خلافًا لما نقله الطبري عن أبي زيد أن ذلك كان عام الفتح، لما روى أحمد وأصحاب السن وصحَّحه الحاكم عن جابر: جاءت امرأة سعد بن الربيع الأنصاري فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في أحد، وإن عمهما أخذ مالهما، قال: "يقضي الله في ذلك"، فنزلت آية الميراث، فأرسل إلى عمهما فقال: "أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، فما بقي فهو لك" ١.
وآية الميراث في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ ٢.
أما مسألة الكلالة المذكورة بعد هذه الآية، فتأخَّر نزولها كما يأتي، إذ هي
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود "٣/ ١٢١"، والترمذي "٤/ ٤١٤"، وابن ماجة "٢/ ٩٠٨"، وأحمد "٣/ ٣٥٢". ٢ النساء: ١١، ١٢.
[ ١ / ١٨٢ ]
آخر ما نزل على قول، هذا ما استقرّت عليه فريضة الإرث في الإسلام.
أما قبل هذه السنة، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس، كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه، للأخوة التي آخى النبي -ﷺ- بينهم، فلما نزلت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ١ نسخت، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ ٢ من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصى له٣. والآية التي كانت نزلت في ذلك هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ٤، فهذه الآية منسوخة كما سبق في مبحث النسخ، نسختها آية: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ٥.
وروى البخاري عن ابن عباس أيضًا: كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للوالدين لكل واحد منهما السدس والثلث، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع٦.
واشار ابن عباس بقوله: كان المال للولد، إلا أن العرب في الجاهلية كانوا لا يورثون البنات، فنسخ ذلك القرآن، قال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ٧، ثم بيَّن المفروض بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ ٨ إلى آخر الآية السابقة، وعنه أيضًا: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا لم يزوجها، وهم أحق بها من أهلها، حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ الآية٩.
_________________
(١) ١ النساء: ٣٣. ٢ النساء: ٣٣. ٣ البخاري في الفرائض "٨/ ١٩٠". ٤ الأنفال: ٧٢. ٥ الأنفال: ٧٥. ٦ البخاري في الفرائض "٨/ ١٨٩". ٧ النساء: ٧. ٨ النساء: ١١. ٩ النساء: ١٩، والحديث في البخاري في تفسير سورة النساء "٦/ ٥٥".
[ ١ / ١٨٣ ]
مسألة الميراث من أهم المسائل عند سائر الملل، وبها تتكون العائلات وتتقرّب القرابة، وتتقرر الأرحام، وتعرف مراتب الأقارب ليكون بها الدفع والجلب والتعاون العائلي، نعم في صدر الإسلام إذ كانوا في غاية الضعف المادي والدعوة محتاجة لما يقوي انشارها، جعلت الأخوة الإسلامية الدينية مقدمة على أخوة النسب، فكان المهاجري يرث أخاه الأنصاري وبالعكس دون ذوي الرحم، ولما كثروا واستغنى عن ذلك، رجع ذلك للقرابة، وهم الأصول والفروع والأطراف والأزواج، على التفصيل المبيَّن في الآية السابقة، وما بقي كملته آية الكلالة الآتية، والسنة النبوية التي منها قوله -﵇: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقيت السهام فلأولى رجل ذكر" ١، ومنها حديث ابن مسعود: إن الأخت تعصب مع البنت، إلى غير ذلك٢.
_________________
(١) ١ متفق عليه: البخاري "٨/ ١٨٧"، ومسلم "٥/ ٥٩". ٢ الجماعة إلا مسلمًا والنسائي، البخاري "٨/ ١٨٨"، وأبو داود "٣/ ١٢٠"، والترمذي "٤/ ٤١٥"، وابن ماجه "٢/ ٩٠٩".
[ ١ / ١٨٤ ]