في العاشرة أيضًا منعت الوصية بأكثر من الثلث في قصة سعد بن أبي وقاص، لما مرض وعاده النبي -ﷺ- فقال له: أوصي بثلثي مالي؟ فقال: "لا، لأن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكفَّفون الناس" إلى أن قال له: "الثلث والثلث كثير" ١ والحديث بذلك في الصحيحين.
قد نظَّمت الشرعية أبواب المعاملات بأمرين:
الأولى: أمرت بالوفاء بالعقود، ففي السنة العاشرة نزلت المائدة التي أولها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ٢، وهي العقود الصحيحة شرعًا، الخالية من المفاسد الاجتماعية والدينية والأدبية.
الثاني: أوجبت الصدق على المتعاقدين وترك الغش والأيمان الفاجرة، والآيات والسُّنَّة في هذا كثيرة لا نحتاج لجبلها، ومن جملة آي القرآن المبني عليها المعاملات الشرعية ذات الأبواب الواسعة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٤. أما الربا ففي العاشر نزلت آية حرمة الربا التي في آخر البقرة، وفي صحيح مسلم عن فضالة بن عبيد: "كنا مع رسول الله -ﷺ- يوم خيبر نبايع اليهود الوقية الذهب بالدينارين والثلاثة، فقال رسول الله -ﷺ: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلّا وزنًا بوزن" ٥ فيقتضي أنهم في غزوة خيبر كانوا يتعاملون بالربا، وقد كانت في المحرم سنة سبع، والتحريم كان بأثرها على ظاهر
_________________
(١) ١ البخاري "٤/ ٣"، ومسلم "٥/ ٧". ٢ المائدة: ١. ٣ النساء: ٢٩. ٤ البقرة: ١٨٨. ٥ مسلم في البيوع "٥/ ٤٦".
[ ١ / ٢١٣ ]
الحديث، ولا ينافيه تأخُّر نزول الآية إلى السَّنَة العاشرة؛ لأن تحريم الربا مما نزل تدريجيًّا، ففي أول الأمر حرم عليهم ما فيه الربح بأضعاف مضاعفة، لما في ذلك من الإجحاف بحقوق المحتاجين للتعامل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ١، ثم نسخ في حجة الوداع لما وضع ربا الجاهلية حتى ربا العباس، ففي صحيح مسلم عن جابر من حديث الطويل في الحج، أن النبي -ﷺ- خطب الناس بعرفة فقال: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة وإن أوّل دم أضع من دمائنا دم إياس بن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربًا أضع ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهنَّ أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده أن اعتصمتم به كتاب الله". الحديث٢، ونزل في العاشرة أيضًا ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ ٣ الآية، ونزل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٤ الآية، فحرم كثيره وقليله، وقد بينت السنة ما هو الربا، فكل معاملة منعت كتابًا أو سنة فهي ربا، وما سواها هو الحلال، وبهذا تفهم ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾، فالسَّلَفُ بمنفعةٍ ربا، وفيه نزل القرآن، وكان الرجل إذا حلَّ الدَّيْن عليه ولم يجد وفاءً زاده في الدَّيْن، وزاده في الأجل، وهو فسخ الدين في الدين فهو ربا، وضع وتعجل ربا، وحط الضمان وأزيدك ربا، وربا النساء ربا، وربا الفضل إذا اتحد الجنس ربًا على الصحيح، وأنواع ذلك كثيرة استقصتها كتب الفقه والخلافيات، وكان سيدنا عمر متوفقًا في أبواب من الربا لم يرد فيها نصّ، فقد خطب في آخر حياته وقال: ليت النبي -ﷺ- عهد لنا
_________________
(١) ١ آل عمران: ١٣٠. ٢ سبق تخريجه. ٣ البقرة: ٢٧٥.
[ ١ / ٢١٤ ]
فيها. قال ابن العربي في الأحكام: صحَّ عن النبي -ﷺ- ستة وخمسون معنى نهى عنها، ثم عددها واحدًا واحدًا، غير أن منها ما نُسِخَ كالنهي عن كراء الأرض والماء والكلأ، ومنها ما دخله التخصيص كبيع ما لم يقبض، ومنها ما هو محمول على الكراهية كبيع السنور وكسب الحجام، وذلك في كتب الفقه ثم قال: ولا تخرج عن ثلاثة وهي الربا والباطل والغرر، ويرجع الغرر بالتحقيق إلى الباطل فتكون قسمين، وهذه المناهي تتداخل ويفصلها المعنى، ومنها أيضًا ما يدخل في الربا والتجارة ظاهرًا. ومنها ما يخرج عنها ظاهرًا، ومنها ما يدخل فيها باحتمال، ومنها ما ينهي عنه مصلحة للخلق وتألفًا بينهم لما في التدابر من المفسدة١.
ثم إن أبواب المعاملات، من الفقهاء من ضيقها كالظاهرية حيث حملوها جميعًا على الفساد إلا مادل الدليل على جوازه، والجمهور على العكس، ولو أن الجمهور حملوا تدخُّل الشرع فيها على معنى حفظ مصالح الخلق، وجعلوا الأحكام فيها كلها دائرة على هذا الأصل، لاتَّسَعَت أبواب المعاملة على المسلمين، ولكنهم أدخلوا فيها التعبد لما قام عندهم من الأدلة على قصده، فضاقت المعاملة والمذاهب في ذلك غير متساوية؛ وفمذهب مالك أضيقه الصرف، وغيره لا يرى رأيه فيه، ولكن تجد لهم تضييقًا في باب غيره، وتضييق الفقهاء أبواب المعاملات كان شيئًا في أن المتمسِّكين بمذاهبهم تقل معاملاتهم ويضيق حالهم، وكل من اتسعت متاجره فإما أن يبحث عن الأقوال الشاذة فيقلدها ولا يعدمها، وإما أن ينبذ التقيد بالأحكام الشرعية في معاملاته وهي الطامة الكبرى، ولو وسعوا على الناس لكان خيرًا من أن يحملوها على هذا المركب الخشن، فإنا نرى كثيرًا من الفقهاء يأخذون بالرخص لأنفسهم في كراء الأرض بما تنبت، وفي شركة الخماس، وبيع الصفقة وأمثال ذلك، فلا ينبغي للفقهاء أن يقيدو الأمة عن ما يزيد تقدمها، ولا يضيقوا عليها حتى تخلع الرسن، ولا أن يوسعوا حتى تنحلّ الشريعة، بل الاعتدال أساس من أسس الشريعة، وما جاء التضييق إلا من الأقيسة ثم الاستحسان، وإلا فالنصوص الشرعية المانعة من أنواع المعاملات قليلة جدًّا بالنسبة لما فرَّعه الفقهاء بالاستنباط المبنيّ على أصل دخول التعبد
_________________
(١) ١ أحكام القرآن "١/ ٢٤٣".
[ ١ / ٢١٥ ]
والتدين، في باب المعاملات.
وقد سألني الصدر الأعظم بتونس -حفظه الله- عن هذه المسألة قائلًا: إن اليهود ثم الأوروبيين استحوذوا على تجارة العالم لعدم تعرض شريعتهم لهم في معاملاتهم، فهل من رخصة للمسلمين كي يخرجوا مما هم فيه من الضيق المؤدي للفقر والهلاك؟ فأجبته: إن اليهود نبذوا شريعتهم وإلّا فهي تنهاهم عن الربا، أما نحن ففتح الباب على مصراعيه نبذ للشريعة. لكن كل مسألة ينظر لها رخصة، فإن وجدت في مذهب فيترخّص للضرورة١ وإلا فلا. هذا ملخص جوابي له فاقتنع به.
_________________
(١) ١ ولكن هذا الباب ألّا يفتح أبدًا، حتى لا تتلاعب "الصدرو العظمى" وسائر الولاة والحكام بشرع الله، وإلا فإنهم لن يعوزهم العثور على علماء السوء الذين يستخرجون لهم شذوذات المذاهب وغرائبها ما يبيحون لهم بها كل شيء، والضرورة لا مقياس لها على وجه الدقة في زمان الفتنة، والترخص كذلك، فالأَوْلَى أن يكون الميزان هو "الحجة والبرهان" من أصول الشريعة المعروفة "الكتاب والسنة والإجماع والقياس"، والحق أحق أن يتبع. وغريب أن يعد المصنف القياس والاستحسان من أسباب التضييق، مع أن الفقهاء إنما لجأوا إليهما للتوسعة على الأمة فيما لم ترد به النصوص وهي قليلة، أو عندما تقع المصالح في الحرج، وأكثر من استخدام هذين الأصلين الحنفية؛ لذلك كان فقههم غنيًّا بالتفريعات وبالاستنباط، كما اعتنى المالكية بقاعدة المصالح المرسلة، وكل ذلك من أسباب التوسعة والتيسير.
[ ١ / ٢١٦ ]