في السنة السادسة حرِّمت على ما جزم به الحافظ الدمياطي١، ورجحه القسطلاني، ومال إليه الحافظ٢ في كتاب الأشربة، خلاف ما له في التفسير، فإنه مردود بما ذكره في حديث وفد عبد القيس٣ من كتاب الإيمان، وهذا الحديث في رواية أبي مصرح بحرمة الخمر، وقد صرَّح الحافظ في المغازي أن وفادتهم كانت سنة خمس، فيكون تحريم الخمر سنة خمس أو قبلها على التحقيق، وفيها نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٤ وهي رابعة الآيات التي ذكر فيها حكم الخمر في القرآن.
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ ٥، وهذه مكية إذ كانت الخمر حلالًا لهم يشربونها، خلافًا لمن حَكَى إجماع الملل والنحل على حرمة شرب ما أسكر وغيب العقل منها، فإن هذه الآية تفهم الحلية إذا كان سكرًا أي: مسكرة بالفعل، وكانوا يسكرون كما وقع لسيدنا حمزة لما بقر بطني ناقتي سيدنا علي -كرم الله وجه الجميع، وقصتها في الصحيحين٦، وفيها أن النبي -ﷺ- دخل على حمزة وهو سكران، ولم ينقل أنه عتب عليه في السكر ولا عد ذلك قادحًا فيه ولا مرتكبًا إثمًا، وقد اعترض القشيري على القفال٧ في حكايته إجماع الملل والنحل على حرمة ما يزيل
_________________
(١) ١ لعله عبد المؤمن بن خلف الدمياطي أبو محمد شرف الدين، من أكابر الشافعية، ت سنة ٥٠٧ هـ، "طبقات الشافعية للسبكي" "١٠/ ١٠٢". ٢ ابن حجر العسقلاني صاحب "الفتح"، وهو مراده كلما أطلق لفظه "الحافظ". ٣ أخرجه أبو داود في الإيمان "١/ ٢١"، ومسلم في الإيمان أيضًا "١/ ٣٥"، وأبو داود "٣/ ٣٣٠"، النسائي "٨/ ٢٨٩". كلاهما في الأشربة. ٤ المائدة: ٩٠. ٥ النحل: ٩٧. ٦ متفق عليه: البخاري في الخمس "٤/ ٦٥"، ومسلم في الأشربة "٦/ ٨٥". ٧ لعله يقصد بالقفال محمد بن علي بين إسماعيل الشاشي أبوبكر القفال، ت سنة ٣٦٥هـ. انظر ترجمته في طبقات الشافعية للسبكي "٣/ ٢٠٠"، وأما القشيري فهو بكر بن محمد بن العلاء أبو الفضل المالكي: ت سنة ٣٤٤هـ، "الدنيا المذهب" "١/ ٣١٣"، وقد ترجم لهما المؤلف في القسم الثالث.
[ ١ / ١٩٤ ]
العقل، وقال: تواتر الخبر أنها كانت مباحة على الإطلاق ولو غيبت العقول، ويدل لما قلنا الآيتان الآتيتان قريبًا، وأسباب نزولهما.
الثانية: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ١ نزلت في عمر وحمزة ومعاذ بن جبل، قالوا: يا رسول الله، أفتنا في الخمر والميسر، فإنههما مذهبتان لعقولنا، متْلِفَتَان لأموالنا، فنزلت، فتركها قوم تحريًّا عن الإثم، وشربها آخرون للمنافع، ولا شك أن من تركها قدَّم درأ المفاسد على جلب المصالح، ومن شربها وقف مع ظاهر التخيير الذي لا جزم فيه بالمنع، ولعله كان لم ينزل قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ﴾ ٢ وإلا فوجود الإثم الكبير كان في فهم التحريم.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ٣ نزلت في عليّ بن أبي طالب، دعاه وعبد الرحمن بن عوف رجل من الأنصار، فسقاهما قبل أن تحرَّم الخمر، فأمهم عليّ في المغرب فقرأ: قل يا أيها الكافرون، فخلط، فنزلت: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآية. رواه أبو داود٤، فحرم تناولها في أوقات الصلوات، فتركها قوم عند وقت الصلاة خاصة، وقوفًا مع الظاهر، وتركها قوم مطلقًا أخذًا بسد الذرائع.
الرابعة: هي الآية السابقة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية، وسبب نزولها: أن سعد بن أبي وقاص أضافه٥ عتبان بن مالك في جماعة؛ فأكلوا وشربوها فثملوا وانتشوا وتناشدوا الشعر، ففخر عليهم سعد، فخيّر المهاجرين على الأنصار، فضربه رجل منهم فشجَّه في أنفه، فأنزل الله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية. رواه مسلم بمعناه في المناقب٦، وزاد غيره فقال عمر: اللهم بيَّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية بالتحريم بتاتًا، فأراقوها فلي أزقَّة المدينة، وكسروا أوانيها٧، فهذا من الأحكام التي نزلت تدريجًا كما سبق.
_________________
(١) ١ البقرة: ٢١٩. ٢ الأعراف: ٣٣. ٣ النساء: ٤٣. ٤ أبو داود "٣/ ٣٢٥". ٥ قال المؤلف -﵀: عتبان -بكسر العين وتضم- صاحبي جليل من الأنصار. ٦ مسلم "٧/ ١٢٥". ٧ روى الزيادة أبو داود في الأشربة "٣/ ٣٢٥"، والترمذي في تفسير سورة المائدة "٥/ ٢٥٣".
[ ١ / ١٩٥ ]