تحريم لحوم الحمر الإنسية ونحوها، المزارعة والمسافاة، حركة مكة:
في السابعة أيضًا، في غروة خيبر حرِّمَت لحوم الإنسية.
إن العرب كانوا يأكلون جميع الحيوانات لا يكترثون، وإن كان بعضهم يأنف من بعضها كالخنزير، فجاء الدين بتحريم لحوم الحمر الإنسية في هذه السنة بالسُّنَّة، والبغال مقيسة عليها قياس شبه كما سبق، وكذلك الخيل في قول مالك، قيل: ولم يوجد في السُّنَّة ما يدل عليه، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ﴾ ١ الآية كما تقدَّمَ، وقيل: حلال، وقيل مكروه، وهو المشهور عندنا، وقد سبق أيضًا، ووردت السُّنَّة بالنهي عن كل ذب ناب من السباع، وذي مخلب من الطير، وقد تقدَّم لنا ما قيل في ذلك٢.
في السابعة أيضًا شرعت أحكامها، لما عامل النبي -ﷺ- يهود خيبر على أن يعملوا في أرضهم ونخيلهم بالنصف، وكان في صدر الإسلم إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض، ورجل مُنِحَ أرضًا، ورجل اكترى أرضًا بذهب أو فضة. رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح عن ابن المسيب٣.
في السنة الثامنة فتح الله على نبيه الحرم المكي فدخلها لابس السلاح غير محرم، ودخلها عنوة، وقيل صلحًا، وأبيحت له ساعة من النهار خصوصية
_________________
(١) ١ النحل: ٨٠. ٢ تقدَّم. ٣ أخرجه البخاري في الوكالة "٣/ ١٣٧"، ومسلم في البيوع "٥/ ٢٦"، وأبو داود "٣/ ٦٢٦"، والنسائي "٧/ ٤٩".
[ ١ / ١٩٨ ]
له، ثم خطب النبي -ﷺ- وقال: "إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، وإن الله أباحها لنبيه ساعة من نهار، وعادت لها حرمتها كما كانت بالأمس، لا ينفر صيده، ولا يعض شجرها" الحديث١، والمراد بتحريمها أن تكون الحياد، ولا تجعل محلًّا عسكريًّا، ولا ميدانًا للمنافسة السياسية، بل محل عبادة ونسك، فالحنفية يقولون: ولو التجأ إليها البغاة، أو من وجب عليه قصاص ضُيِّقَ عليهم حتى يسلموا، ولا قتال ولا قصاص بالحرم أصلًا، وغيرهم يقول: "إن الحرم لا يجير عاصيًا ولا فارًّا بخربة" كما ثبت في السنة٢، وعليه فيقاتلون في الحرم، فالفرق بينها وبين غيرها إنما هو وجوب جعلها محايدة ما أمكن، أما ترك البغاة بها بأنه يؤدي لفساد النظام وذاك ظاهر، فيحاربون بها إن دعت لذلك ضرورة حربية، وتقام لها الحدود والقصاص كغيرها من البلدان.
_________________
(١) ١ تقدَّمَ تخريجه. ٢ متفق عليه: البخاري "٣/ ١٨"، ومسلم "٤/ ١١٠".
[ ١ / ١٩٩ ]