تقدم أن أول تدوين للفقه هو تدوين القرآن؛ إذ كان -ﷺ- يأمر بكتب كل ما ينزل عليه منه، فأما السنة فإن في صحيح مسلم أنه نهاهم عن كتبها وقال: "لا تكتبوا عني غير القرآن" ١، لكن النهي ليس مطلقًا، فالتحقيق أنه نهاهم أن لا يكتبوها ويجعلوها في بيته مع القرآن لئلَّا تختلط به، وأما من أراد أن يكتب لنفسه وأمِنَ من الاختلاط فإنه لم يمعنه، كما يثبت ذلك في الصحيح أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكتبها٢.
وروى أحمد أنه سأل النبي -ﷺ، هل يكتب كل ما يسمع منه -﵇،
_________________
(١) ١ مسلم في الزهد "ج٨/ ٢٢٩". ٢ البخاري في العلم "ج١/ ٣٨"، والترمذي "ج٥/ ٤٠".
[ ١ / ١١٣ ]
فقال: "نعم، فإني لا أقول إلاحقًّا" ١، وقال في حجة الوداع: "اكتبوا لأبي شاه" ٢، وكان عند علي بن أبي طالب صحيفة فيها العقل وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر، وفي رواية فإذا فيها المدينة حرم كما في الصحيحين٣.
وروى النسائي أنه كان مكتوبًا فيها: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يدٌ على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يُقْتَلُ مؤمن بكافر، ولا ذو عهده في عهده، ومن أحدث حدثًا فعلى نفسه، أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" ٤. وفي الصحيح عن ابن عباس، لما اشتدَّ بالنبي -ﷺ- الوجع قال: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده"، قال عمر: إن النبي غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا٥، وفي الموطأ قال الزهري: قرأت كتاب رسول الله -ﷺ، الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه على نجران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم في قطعة أدم، فكتب رسول الله -ﷺ: "هذا بيان من الله وسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ وكتب الآيات منها حتى بلغ ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَاب﴾، ثم كتب: هذا كتاب الجراح: في النفس مائة من الإبل، وفي العين خمسون، وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي المأموية ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة فريضة، وفي الأصابع عشر عشر، وفي الأسنان خمس خمس، وفي الموضحة خمس" رواه مالك والنسائي وصححه ابن حبان٦.
_________________
(١) ١ أحمد في مسنده. انظر الفتح الرباني للساعاتي "١/ ١٩١". ٢ البخاري في العمل "ج١/ ٣٨"، وفي اللقطة "ج٣/ ١٦٥"، وأبو داود في المناسك "ج٢/ ٢١٢". ٣ البخاري "ج١/ ٣٨"، ومسلم "ج٦/ ٨٥"، في الأضاحي. ٤ النسائي "ج٨/ ١٨، ٢١". ٥ البخاري في الاعتصام "ج٩/ ١٣٧". ٦ مالك في الموطأ "ج٢/ ٨٤٩"، والنسائي في القسامة "ج٨/ ٥٠، ٥١-٥٤"، وقد أخرجه غيرهما، واختلف في صحة الكتاب، قال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز، وإمام عصره الزهري بالصحة لهذا الكتاب. انظر نيل الأوتار، كتاب الدماء "ج٧/ ١٨، ١٩".
[ ١ / ١١٤ ]
ويصح أن تعتبر هذه الكتابة أول تدوين السنة التي هي من مواد الفقه، لكن ما كتبوا إلّا الشيء اليسير، لا سيما وما كتبه عبد الله بن عمرو بن العاص لم يظهر، إذ لم يعدوه من المكثرين الذي تجاوزوا الألف لاشتغاله بالسياسة مع والده ورحلته إلى مصر.
ولم تكن إذ ذاك دار علم، مع أن أبا هريرة قال: لم يكن أحد أكثر مني ملازمة للنبي -ﷺ- إلّا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب١.
وعلى كل حالٍ فالقرآن تركه -﵇ مكتوبًا مدونًا كله، أمَّا السنة فلم يبتدأ جمعها وتدوينها إلّا بعد مائة سنة من وفاته -﵇، كما يأتي تحريره، سوى ما كُتِبَ على عهده كما سبق، وكان يسيرًا، وإنما اتَّكلوا في السنة على حفظهم وسيلان أذهانهم ومضاء قرائحهم، والأميّ دائمًا يكون أحفظ من الكاتب، وكان سيدنا عمر همَّ يجمعها وكتبها واستخار الله في ذلك شهرًا، ثم خاف اشتغال الناس بها وترك القرآن، أو غير ذلك فرجع.
والحق يقال، لا شك أن تأخُّر كتبها تسبَّب عنه وقوع الاختلاف والاضطراب في كثير من الأحاديث وهو من أوجه تقديم القرآن عليها، زد على ذلك ما ابتليت به من وضع الزنادقة والرافضة وتعمدهم الكذب على رسول الله -ﷺ- لأغراض سياسية واهية كما يأتي.
_________________
(١) ١ سبق تخريجه.
[ ١ / ١١٥ ]