في معالم الإيمان٢ عنه أنه قال: صلليت قبل الإسلام بأربع سنين، قال له عبد الله بن الصامت٣: من كنت تعبد؟ قال: إله السماء، أتوجه حيث وجهني الله.
والذي في صحيح مسلم بثلاث سنين، وفي رواية فيه: سنتين٤قبل
_________________
(١) ١ قال المؤلف -﵀: جندب -بضم الجيم والدال وبفتح الدال أيضًا، وجنادة -بفتح الجيم وتشديد النون- هذا أشهر الأقوال في اسمه، واسم أبيه، وقد غلبت عليه الكنية أ. هـ. ٢ معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، لعبد لرحمن الأنصاري الدباغ، ت سنة ٦٩٦هـ. ٣ عبد الله بن الصامت الغفاري البصريّ، أخذ عن عمِّه أبي ذر وعمر وعثمان. خلاصة الخزرجي "٢٠١". ٤ مسلم "٧/ ١٥٥".
[ ١ / ٢٥٥ ]
مبعث النبي -ﷺ- قال: أتوجه حيث يوجهني ربي: أصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء، حتى تعلوني الشمس، الحديث.
من السابقين الأولين للإسلام، كان خمس الإسلام لأنه أسلم بعد أربعة، وقيل: بعد ثلاثة، وقصة إسلامه في الصحيحين١، وهاجر إلّا أنه بعد بدر وأحد، ولم يتيسر له شهودهما، ولا شهود الخندق، وقال فيه رسول الله -ﷺ: "أبو ذر في أمتي على زهد عيسى بن مريم" ٢.
وقال أبو ذر: لقد تركنا رسول الله -ﷺ- وما يحرك طائر جناحه في السماء إلّا ذكرنا معه علمًا، وهو أول من حيي النبي -ﷺ- بتحية الإسلام، وهي السلام عليكم، وذلك لما دخل عليه ليسلم، وروى ابن عبد البر عن أبي الدرداء، أن رسول الله -ﷺ- قال: "ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر" ٣، وقال فيه علي -كرم الله وجه: إنه وعاء مليء علمًا ثم أوكيء عليه.
قالوا: وكان يوازي ابن مسعود في العلم، ولذلك كان عمر ألحقه بأهل بدر في العطاء، وقال أبو ذر: كان قوتي علي عهد رسول الله -ﷺ- صاعًا من تمر، فلست بزائد عليه حتى ألقى الله، وحكي عنه في معالم الإيمان٤ أنه قال: إني أقربكم مجلسًا من رسول الله -ﷺ- يوم القيامة، فقد سمعته يقول: "أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة مَنْ خرج من الدنيا كهيئة ما تركته فيها"، وإنه والله ما منكم من أحد إلّا وقد تشبث منها بشيء غيري.
وكان بالشام، وهو ممن نشر فيه العلم والدين، وشكاه معاوية لعثمان؛ لأنه كان يرى وجوب التصدق٥ بما زاد على القدر الضروري مما تقوم به الحياة، فقد
_________________
(١) ١ البخاري "٥/ ٥٩"، ومسلم "٧/ ١٥٢". ٢ أخرج الترمذي عن مالك بن مرثد، عن أبيه، عن أبي ذر قال: قال رسول الله -ﷺ: "ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر، شبه عيسى بن مريم ﵇ الحديث" قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي بعض هذا الحديث فقال: "أبو ذر يمشي في الأرض بزهد عيسى بن مريم -﵇" "٥/ ٦٦٩". ٣ الترمذي "٥/ ٦٦٩"، وابن ماجه "١/ ٥٥". ٤ انظر التعليق في الصفحة السابقة. ٥ قال المؤلف -﵀: رأي أبي ذر هذا هو أصل المذهب الاشتراكي السائد اليوم في =
[ ١ / ٢٥٦ ]
روى أبو يعلي بإسنادٍ فيه ضعف عن ابن عباس: أن أبا ذر كان يحدث ويقول: لا
_________________
(١) = أوروبا، وكان الإسلم في ابتدائه على هذا المذهب، فكان مالهم كله لله ولرسوله، لا يملكون شيئًا لمكان الضرورة والقلة الداعية لذلك، وكانت مصلحة الدعوة للدين ونشره وإظهاره تدعو للاستعانة باموالهم وأنفسهم، فكانت أموالهم وأنفسهم كلها لله، يتصرف رسول الله -ﷺ- فيها كيف يشاء، فقد أمرهم بالهجرة فهاجروا من مكة، وخرجوا عن مالهم وأولادهم، وفارقوا من بقي على الشرك من أزواجهم، وآخى بين المهاجرين أولًا في مكة، ثم آخى بينهم وبين الأنصار في المدينة، فكان المهاجري يرث الأنصاري وبالكعس، وفي مسلم عن أبي سعيد: بينما نحن في سفر مع رسول الله -ﷺ- إذا جاء رجل على راحلة له قال: فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله -ﷺ: "من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له" قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منها في فضل، ومن ذلك ما في الصحيح: أن النبي -ﷺ- نهى عن كراء الارض، وفيه أيضًا: نهي أن يؤخذ للأرض أجر أو حظ، وفيه أيضًا: "من كانت له أرض فليزرعها، أو ليرزعها أخاه ولا يكرها"، وفي لفظ البخاري: " فليزرعها أو ليمنحها، فإن لم يفعل فليمسك أرضه"، فهذا هو أصل الاشتراكية المعتدلة. لكن الجمهور على ان ذلك قد نسخ بجعل الإرث للقرابة ومن يستحقه في كتاب الله، وبفرض جزء من المال معين وهو الزكاة لا يجب على مسلم غيره، وتقررت الملكية الناسخة للاشتراكية، لكن أبو ذر لا يرى نسخ الحكم، وكان يلبس مثل ما كان يلبس مملوكه، كما يدل لذلك حديث الصحيح، ولهذا أنكر عليه معاوية، وبسبب ذلك خرج من الشام إلى الربذة إلى أن مات بها -﵀*. * قال فضيلة الشيخ عبد العزيز القارئ: هذا مما سبق التنبيه عليه، والمؤلف هنا أعوزه الحذر وفارقه التحقيق، ونحن نأخذ عليه أمرين في عجالته هذه: أولهما: أن أبا ذر -﵁- لم يوافقه معظم الصحابة على اجتهاده في فهم آية الكنز، وعلى رأسهم الخليفتان الراشدان عثمان وعلي، ولذلك لم ينكر أحد على عثمان لما نفاه إلى الربذة، ولعل مكمن الخطأ في اجتهاده -﵁- أنه أراد أن يحمل الأمة على أمر لما يلزمها بها لشارع الحكيم، إذ لم يلزم الإسلام أحدًا أن يوزع فضول ماله على الناس، وإنما أوجب عليه حقًّا معلومًا من ماله هو الزكاة، فمتى أداها طاب له ما بقي من ماله، ولم يعد كنزًا، عن أم سلمة -﵂- قالت: كنت ألبس أوضاحًا من ذهب، فقلت: يا رسول الله، أكنز هو؟ فقال: "ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكي فليس بكنز" رواه أبو داود "٢/ ٩٥"، وعن ابن عباس -﵄- قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ قال: كبر ذلك على المسلمين، فقال عمر: أنا أفرج عنكم، فانطلق، فقال: يا نبي الله، إنه كبر على أصحابك فرض المواريث لتكون لمن بعدكم الحديث" أبو داود "٢/ ١٢٦". وأما ادعاء المصنف أن أموال المسلمين في ابتداء الإسلام كانت كلها بيد الرسول -ﷺ- يتصرف بها كيف يشاء، فإنها كانت كذلك ولكن لا على سبيل المصادرة والتأميم، وإنما كان يندبهم =
[ ١ / ٢٥٧ ]
يبين عند أحدكم دينار ولا درهم إلّا ما ينفقه في سبيل الله أو يعده لغريم. فكتب معاوية إلى عثمان: إن كان لك بالشام حاجة فابعث إلى أبي ذر، وروى الطبري أن جعل يقول: يا معشر الأغنياء واسوا الفقراء، بشِّر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاوي تكوى بها جباهم وجنوبهم وظهورهم. فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك وأوجبوه على الأغنياء، وحتى شكا الأغنياء ما يلقون من الناس، فكتب معاوية إلى عثمان في ذلك. رأى معاوية أن ذلك داع للفتنة فوجه عليه عثمان، ثم كان في الربذة منتبذًا الخلق زاهدًا عابدًا إلى أن مات، وفي مسلم١ عن الأحنف بن قيس قال: قلت لأبي ذر: ما لك ولإخوانك من قريش، لا تعتريهم وتصيب منهم؟ قال: لا وربك لا أسألهم دنيا، ولا أستفتيهم عن دين حتى ألحق بالله ورسوله. ومن فتياه ما في مسلم أيضًا أن الأحنف بن قيس سأله: ما تقول في هذا العطاء؟ قال: خذه، فإن فيه اليوم معونة، فإذا كان ثمنًا لدينك فدعه، ولما حضرته الوفاة لم يوجد في تركته ما يكفَّن به إذ كان يتصدق بعطائه كله، وكان في فلاة من الأرض هو وزوجته فقط، فجاءت سيَّارة فقال لهم: لو كان لي ثوب أو لامرأتي لم أكفن إلا فيه، وإني أنشدكم الله أن لا يكفنني رجل منكم كان أميرًا أو عريفًا أو بريدًا أو نقيبًا، وكانوا من أهل بدر كلهم، ولم يكن فيهم إلا من قارب بعض ذلك إلا فتى من الأنصار: قال يا عم، أنا أكفنك في ردائي هذا وفي ثوبي وفي عبئتي، من غزل أمي، قال أنت تكفنني، وكانت وفاته بها سنة "٣١" إحدى وثلاثين أو اثنين وثلاثين٢.
_________________
(١) = ويحبب إليهم الأنفاق لحاجة المسلمين في أول الإسلام، ولكن دون أن يلزم أحدًا، فالملكية الخاصة لم يمس مبدؤها بأي حكم ناسخ أو منسوخ، والأمثلة التي أوردها المصنف لا تساعده على دعواه؛ لأنها أحكام لها ظروف معروفة لدى أهل العلم، والكلام فيها مفصّل في كتبهم. ولهذا نأخذ عليها الأمر الثاني: وهو أن اجتهاد أبي ذر -﵁- لم تكن فرصة مناسبة لربطها "بالاشتراكية" من جهتين؛ أولاهما: ما بينها من أنه كان اجتهادًا مرجوحًا، وثانيهما: أنه ليس لأحد كائنًا من كان أن يخلط بين "النظام الرباني الإسلامي" وبين الأنظمة البشرية والأفكار الوضعية، فإن فعل أحد ذلك فقد جنى على شرع الله؛ لأنه يحمله حينئذ أوزار تلك الأنظمة وعيوبها ونواقصها، ولذلك لا أدري أكان المصنف في محاولته هذه التوفيق بين الاشتراكية والإسلام على بصيرة بما وصلت إليه الاشتراكيات، والغاية التي انتهت إليها وهي "الاشتراكية الماركسية"، والتي تقوم على أصول منها: الجدلية التاريخية أو التفسير المادي للتاريخ، وإنكار الأديان والأخلاق، وسائر الروابط الإنسانية، وحتمية الصراع بين الطبقات، وأن هذه "الهلوسات" الماركسية كلفت البشرية كثيرًا من الضحايا والمأسي حتى الآن. ١ مسلم "٣/ ٧٧". ٢ أبو ذر الغفاري: جندب بن جنادة: ترجمته في الإصابة "٧/ ١٢٥"، والاستيعاب "١/ ٢٥٢"، وأسد الغابة "١/ ٣٠١".
[ ١ / ٢٥٨ ]