أبو سعيد أو أبو ثابت. قال ابن عبد البر: أول مشاهده أحد فما بعدها، وأعطاه النبي -ﷺ- راية بني النجار في غزوة تبوك نزعها من عمارة بن حزم، فقال: هل بلغلك عني شيء؟ فقال: "لا ولكن القرآن مقدَّم"، كان كاتب رسول الله -ﷺ- الوحي وغيره، ثم استكتبه أبو بكر، فعمر، وهو الذي باشر جمع المصحف الشريف أيام أبي بكر، وقال له: إنك شاب ثقف١ لا نتهمك، وكفى بهذا تعديلًا، وكيف لا وقد ائمتنه النبي -ﷺ- على الوحي٢.
ثم هو الذي تولَّى نسخ المصاحف زمن عثمان أيضًا، ومعه معينون
_________________
(١) ١ قال المؤلف -﵀: ثقف -أوله مثلثة والقاف مكسورة ومسكنة- أي: حاذق. ٢ لفظ البخاري: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله الحديث "٦/ ٢٣٥".
[ ١ / ٢٤٧ ]
مذكرون في الصحاح، واتفق عثمان ومن كان معه على حمل الناس على القراءة بحرف زيد بن ثابت، وترك غيره من بقية الأحرف السبعة، فحرفه هو الذي يقرأ العالم الإسلامي به الآن١، وأمره النبي -ﷺ- أن يتعلم العبرانية والكتابة بها، فتعلّم كتابتها في نصف شهر، وكذلك السريانية فكان يكتب للنبي -ﷺ- بهما المكاتب للآفاق، ويترجم ما يرد بهما٢، وهو الذي قال فيه -﵇: "أفرضكم زيد" رواه أحمد بإسناد صحيح٣. أي: أعلمكم بالفرائض.
وروى ابن سعيد من طريق قبيصة قال: كان زيد رأسًا بالمدينة في القضاء والقراء والفرائض.
وروى البغوي بإسناد صحيح عن ابن خارجة: كان عمر يستخلف زيد بن ثابت إذا سافر، فقلما رجع إلّا أقطعه حديقة من نخل.
وكان عثمان يستخلفه أيضًا، كما استعمله أمينًا لبيت المال، وعن طريق ابن عباس: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد أن زيد بن ثابت كان من الراسخين في العلم، وهو أحد الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله -ﷺ. قال مسروق: قدمت المدينة فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم.
_________________
(١) ١ هذا ادّعاء عجيب لا أدري من أين أتى به المصنف، مع أن ما في صحيح البخاري يرده، ففي حديث جمع المصحف يقول زيد: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله -ﷺ- يقرأ بها، فتلمَّسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ "٦/ ٢٣٦"، فهو من كونه يحفظ هذه الآية إلا أنه لم يكتف بذلك حتى يجدها عند غيره مكتوبة زيادة في التوثيق، فلم يكن لعثمان أن يحمل الصحابة والأمة بعدهم على رواية واحدة للقرآن وإن كنت حرف زيد، بل كان هدفه من مشروع الجمع، إثبات كل الأحرف السبعة المنزلة التي استقر الأمر عليها في العرضة الأخيرة، وتوثيقها بنص مكتوب يرجع إليه عند الاختلاف لاستبعاد ما ليس منها. وقد تقدَّمَ التعليق عليه، ولو ثبت ما ادَّعاه المصنف اعتراض ابن مسعود الذي ذكره آنفًا على عثمان -﵁، مع أن الصحابة لم يوافقوه على اعتراضه، ورجع -﵁- بعد أن تيقّن من سلامة المشروع العثماني ودقته، وتيقّن من أن زيد بن ثابت لم ينفرد بمهمته، بل كانت بإجماع من المهاجرين والأنصار ممن حضر منهم المشروع. "عبد العزيز القارئ". ٢ الإصابة "٢/ ٥٩٣". ٣ أحمد "٣/ ٢٨١"، وسبق تخريجه. ٤ أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن المزربان النبوي، ت سنة ٣١٠، تذكرة الحفاظ "٢/ ٢٤٧".
[ ١ / ٢٤٨ ]
وقال مالك، كان إمام الناس بالمدينة بعد عمر زيد بن ثابت، وكان إمام الناس بعده عبد الله بن عمر، وقد أخذ بركابه يومًا ابن عباس، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، فقبَّل زيد رأسه، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بآل بيت نبينا، توفى سنة نيف وأربعين، ووقف ابن عباس على قبره فقال: هكذا يذهب العلم.
وقال أبو هريرة: مات حبر هذه الأمة، وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفًا، قال ابن جرير الطبري: قيل: إن ابن عمر وجماعة ممن عاش بعده بالمدينة من الصحابة، إنما كانوا يفتون بمذاهب زيد بن ثابت، وما كانوا أخذوا عنه مما لم يكونوا حفظوا من رسول الله -ﷺ- قولًا١.
_________________
(١) ١ زيد بن ثابت الأنصاري الخزري البخاري: أبو سعيد - أبو خارجة، الخزرجي البخاري المدني. التاريخ الكبير "٣/ ٣٨٠".
[ ١ / ٢٤٩ ]