الخليفة الرابع، أول من أسلم من الشبان، وأول قاضٍ ولَّاه رسول الله -ﷺ، فكان في اليمن، وتقدَّم الكلام على أقضيته واجتهاده، تربى في بيت النبوءة، وتغذى بلبان معارفها، ولما آخى النبي -ﷺ- بين أصحابه، قال له: "أنت أخي وأنا أخوك" ١، وهو صهره على أعز الخلق عليه، وابن عمه الذي كان يحوطه، ومع ذلك لم يرشحه للخلافة، إبعادًا للسلطة الشخصية من ساحة الإسلام، بل ترك الأمر شورى للمسلمين يختارون من يشاءون، وهو أحد العشرة المبشرة، وأحد ستة الشورى، وأحد العلماء الربانيين، والشجعان، والزهاد، والخطباء، والشعراء، ومناقبه في العلم وما أوتيه من الاجتهاد والفهم معلوم،
_________________
(١) ١ روى الترمذي عنابن عمر قال: آخى النبي -ﷺ- بين أصحابه فجاء عليّ تدمع عيناه فقال: يا رسول الله، آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد؟ فقال له رسول الله -ﷺ: "أنت أخي في الدنيا والآخرة"، قال الترمذي: حديث حسن غريب "٥/ ٦٣٦".
[ ١ / ٢٤٢ ]
وكان صاحب شورى عمر في أقضيته، وكذلك كان مع أبي بكر، وعثمان أيضًا، وكان عمر يتعوّذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن.
ويروى من فضائله قوله -﵇: "أنا٢ مدينة العلم، وعلي بابها"١، قال مسروق٣: شافهت أصحاب محمد -ﷺ، فوجدت علمهم ينتهي إلى ستة: علي، وعبد الله -يعني: ابن مسعود، وعمر، وزيد بن ثابت، وأبي الدرداء، وأُبَيّ بن كعب، ثم شافهت الستة فوجدت علمهم انتهى إلى عليٍّ وعبد الله.
شهد المشاهد كلها مع النبي -ﷺ- إلّا تبوك، فإنه استخلفه فيها على المدينة، وقال له: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنَّه لا نبي بعدي" كما في الصحيحين٤.
وفضائل علي ومناقبه ولا سيما في العلم وما أوتيه من الفصاحة والبلج بالحجة شيء لا يحصر، وكتب الصحاح مملوءة من ترجمته، وقد انتشرت أحكامه وفتاويه، ولكن قاتل الله الشيعة، فإنهم أفسدوا كثيرًا من علمه بالكذب عليه، أرادوا أن ينفعوا فضروا، ولهذا تجد أصحاب الصحيح لا يعتمدون من حديثه وفتواه إلّا ما كان من طريق الأثبات من أهل بيته، أو من أصحاب ابن مسعود، كعبيدة السلماني٥، وشريح٦، وأبي وائل٧، ونحوهم. وكان
_________________
(١) ١ قال المؤلف -﵀: حديث أورده ابن الجوزي في الموضوعات، وإن صححه الحاكم، وقال الحافظ ابن حجر: الصواب أنه حسن. ٢ أخرجه الحاكم عن ابن عباس -﵄ "٣/ ١٢٦"، وأخرج الترمذي عن علي -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ: "أنا دار الحكمة وعلي بابها" قال الترمذي: هذا حديث غريب منكر "٥/ ٦٣٧"، وقد استوفى الكلام فيه الحافظ السيوطي في اللآليء المصنوعة "١/ ٣٢٨-٣٣٦". ٣ سبقت ترجمته. ٤ متفق عليه: من حديث سعد بن أبي وقاص: واللفظ لمسلم: البخاري "٥/ ٢٤"، ومسلم "٧/ ١٢٠. ٥ متفق عليه: من حديث عمرو السلماني المرادي، أحد التابعين، ت سنة ٧٢هـ، تذكرة الحفاظ "١/ ٤٧". ٦ شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي أبو أمية، ولي قضاء الكوفة زمن عمر وعثمان وعلي ومعاوية، ت سنة ٧٧هـ، طبقات ابن سعد "٦/ ٩٠". ٧ شقيق بن سلمة الأسدي أبو وائل الكوفي، من السادة التابعين، أخذ عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ، توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز. خلاصة الخزرجي "١٦٧"، وقد ترجم لهم المؤلف في القسم الثاني.
[ ١ / ٢٤٣ ]
يقول: إن ههنا علمًا لو أصبت له حملة.
وقال عمر بن الخطاب: عليّ أقضانا١.
وقال -﵇: "أقضاكم علي" ٢، قال عمر: لولا علي لهلك عمر، وكم من قضية ردَّ فيها علي عمر وعثمان فرجعا لرأيه، قال ابن مسعود: كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة عليّ.
وقال ابن المسيب: ما كان أحد من الناس يقول: سلوني غير عليّ.
وقال عبد اللك بن أبي سليمان: قلت لعطاء: أكان في أصحاب محمد -ﷺ- أحد أعلم من علي؟ قال: لا والله ما أعلمه.
وقالت عائشة: أما إنه لأعلم الناس بالسنة، وقال ابن عباس: كنَّا إذا أتانا الثبت عن علي لم نعدل به.
وقال أيضًا: لقد أعطي تسعة أعشار العلم، وأيم الله، لقد شارككم في العشر العاشر، وقال ابن مسعود:" أعلم أهل المدينة بالفرائض علي.
وزهده وورعه شهير، وسيره بسيرة الخلفاء قبله كذلك في العدل والخراج وتنظيم بيت المال، والوقوف عند حد الشرع الشريف، وقد خصت ترجمته بتآليف، وهذه الآثار نقلت جلها عن أعلام الموقعين، والاستيعاب.
توفي شهيدًا بالكوفة سنة "أربعين" في رمضان٣.
_________________
(١) ١، ٢ سبق تخريحه. ٣ سيدنا علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- القرشي البصري. تهذيب التهذيب "٧/ ٢٩٤"، والميزان "٣/ ١٣٣"، والمغني "٤٢٨٥"، ديوان الضعفاء "٢٩٣٦"، والكامل "٥/ ١٨٥٤"، مجمع الزوائد "١/ ٧٩، ١/ ١٦٧"، لسان الميزان:٤/ ٢٣٥، ٢٣٦"، دائرة الأعلمي "٢٢/ ٢١٣".
[ ١ / ٢٤٤ ]