زيادة القبور:
كانت ممنوعة في صدر الإسلام لأنها أعظم أسباب سريان الأفكار الوثنية، فلما تقررت مبادئ الدين ورسخت أبيخ ذلك. قال الطيبي١ في "شرح المشكاة": لم فتح -﵇- مكة سنة ثمان، زار قبر أمه فقال -﵇: "استأذنت ربي في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت" ٢، وفي الصحيح: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلّا في سقاءٍ فأشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرًا" ٣.
_________________
(١) ١ الحسين بن محمد بن عبد الله شرف الدين الطيبي، ت. سنة ٧٤٣هـ، "الدرر الكامنة" "٢/ ١٥٦". ٢، ٣ أخرجه مسلم في الجنائز "٣/ ٦٥".
[ ١ / ٢٠٥ ]
غير أن القصد من الزيارة: التذكير والاعتبار، ثم الدعاء والاستغفار للموتى، كما فعل النبي -ﷺ- في زيارة شهداء أحد، لا لطلب نفع من الميت، أو دفع ضر، فلا مسوغ لذلك، وهل أبيحت الزيارة للذكور فقط أو الإناث؟ خلاف١.
_________________
(١) ١ لا شك أن في زيارة القبور من القربان، لأنها تذكر بالآخرة والموت، ويضم إلى هذا المعنى "في زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وقبور المسلمين عامة" معنى آخر، هو السلام عليهم دار قوم مؤمنين، والدعاء لهم والاستغفار أوقعهم في الأفكار الوثنية التي من أجلها منع الصحابة في أول الأمر من زيارة القبور كما يقول المصنف، وهي افتتان القلوب بسكَّان تلك القبور "خاصة إذا كانوا من الأنبياء، والصالحين"، وتعلقها بهم، حتى تقع في المحظور بدعائهم، والاستغاثة بهم، وطلب المنفعة منهم، أو دفع المضرة بواسطتهم، وهذا هو عين الشرك الذي بُعِثَ رسول الله -ﷺ- لمحاربته والقضاء عليه، حتى تخلص القلوب تعلقها بالله، وتوجّه عبادتها إليه وحده، ومن رأى ماذا كان يصنع الجاهليون عند قبور الشهداء بأحد بالمدينة النبوية في أوائل هذا القرن قبل عهد التوحيد، وكذلك من يرى اليوم ماذا يصنع الضالون من أمة الإسلام حول قبر الحسين أو قبر البدوي في مصر، وحول قبر محي الدين بن عربي في الشام، وماذا يصنع الروافض حول قبور آل البيت في العراق وإيران، وماذا جنى أهل الخرافة من عظائم الأمور في الهند، يعلم مدى ما آلت إليه زيارة القبور من حالٍ تغضب الله -غز وجل- الذي قال: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل علمًا أشرك به معي غيري تركته وشركه" أخرجه مسلم عن أبي هريرة "٨/ ٢٢٣".
[ ١ / ٢٠٦ ]