مادته أمور أربعة:
الأول: منها القرآن العظيم الذي احتوى عليه المصحف الكريم، أعني: القراءات السبع التي هي متواترة بلا خلاف، وقيل: العشر كلها متواترة١، والمسألة مبسوطة في كتب الأصول، وفي جامع المعيار كلام نفيس في هذا الموضوع فارجع إليه٢، ولا تغترّ بكلام الشوكاني الذي أنكر تواتر السبع في إرشاد الفحول، فإنه يؤدي إلى إنكار تواتر القرآن، وقد بيَّن ذلك في كتابنا في الأصول، أما ما وراء العشر كقراءة مصحف أُبَيّ أو ابن مسعود، فهي الآن محكموم بشذوذها، لكن حكمها حكم السنة، فيبحث عمَّا ثبت منها بطريق صحيح أو حسن، فيحتج به في الفقه كغيره على الأصح.
الثاني: السنة الصحيحة أو الحسنة، ولا يحتج بضعيفها في الفقه خلافًا لأبي حنيفة وابن حنبل٣، ٤.
الثالث: الإجماع.
الرابع: القياس.
قال ابن رشد في المقدمات ما نصه: وأحكام شرائع الدين تدرك من أربعة
_________________
(١) ١ وهو الصحيح، وقد حقق المسألة الإمام محمد بن الجزري في نشره "ج١/ ٣٦-٤٧". ٢ هناك كتابان بهذا الاسم "المعيار المعرب عن فتاوي أفريقيا والأندلس والمغرب" للوان شريس، وآخر عن فتاوي المتأخرين من علماء المغرب، للوزاني، وطبع بالمغرب سنة ١٣٢٨هـ. ٣ "ص٢٧/ ط. محمد على صبيح بمصر". ٤ أما أبو حنيفة فيقدِّم الحديث الضعيف على القياس بشروط، ذكرها المصنف عند كلامه على قواعد مذهبه في هذا الجزء، وأما أحمد بن حنبل فأخذه بالضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه فيقدمه على القياس، مع أن مراده بالضيف قسم من أقسام الحسن، وليس المراد الباطل ولا المنكر، ولا ما لا يحتج به. انظر "٣١، ٧٧/ ج" من أعلام المواقعين.
[ ١ / ٧٨ ]
أوجه:
أحدها: كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
الثاني: سنة نبيه -﵇، الذي قرن طاعته بطاعته وأمرنا باتباع سنته، فقال -﷿: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ ١، وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ٢، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٣، وقال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ ٤، والحكمة هي السنة، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ٥.
والثالث: الإجماع الذي دلَّ تعالى على صحته بقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ٦.
لأنه تعالى توعَّد على اتباع غير سبيل المؤمنين، فكان ذلك أمرًا واجبًا باتباع سبيلهم، وقال -ﷺ: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" ٧.
الرابع: الاستنباط: وهو القياس على هذه الأصول الثلاثة التي هي الكتاب والسنة والإجماع؛ لأن الله جعل المستنبط من ذلك علمًا، وأوجب الحكم به فرضًا، فقال -﷿: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ٨، وقال -﷿: ﴿إنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ٩ أي: بما أراك فيه من الاستنباط والقياس؛ لأن الذي أراه فيه من الاستنباط والقياس هو مما أنزل الله عليه وأمره بالحكم به حيث يقول: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ١٠، ١١.
_________________
(١) ١آل عمران: ١٣٢. ٢ النساء: ٨٠. ٣ لحشر: ٧. ٤ الأحزاب: ٣٤. ٥ الأحزاب: ٢١. ٦ النساء: ١١٥. ٧ ابن ماجة في السنن في كتاب الفترة عن أنس "ج٢/ ١٣٠٣"، وأخرج ابو داود في السنن عن أبي مالك الأشعري: "إن الله أجاركم من ثلاث -وذكر منها- وأن لا تجتمعوا على ضلالة" "ج٤/ ٩٨"، وأخرج الترمذي عن ابن عمر: "إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة" "ج٤/ ٤٦٦". ٨ النساء: ٨٣. ٩ النساء: ١٠٥. ١٠ المائدة" ٤٩. ١٠ المقدمات على المدونة ط. محمد أفندي ساسي المغربي، بالسعادة بمصر. ص١٤ فصل في الطريق إلى معرفة أحكام الشرائع.
[ ١ / ٧٩ ]
وقد بقي على ابن رشد الاستدلال، وهو دليل ليس بكتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، فما سوى الأربعة من الأدلة التي توجد في كلام أهل الاجتهاد هو الاستدلال وهو أنواع:
الأول: التلازم بين الحكمين من غير تعيين علة، وإلّا كان قياسًا.
الثاني: استصحاب الحال.
الثالث: شرع من قبلنا شرع لنا.
وزاد الحنفية والمالكية في بعض الأبواب: الاستحسان وهو الرابع.
وزاد المالكية والحنابلة: المصالح المرسلة وهو الخامس.
وزادوا سادسًا وهو قياس العكس، وهو إثبات عكس شيء لضده لتعاكسهما في العلة كحديث مسلم: "أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر" ١.
وزادو سابعًا وهو قولهم: الدليل يقتضي أن لا يكون كذا خولف في كذا لمعنى مفقود في صورة النزاع فتبقى على الأصل، مثاله: تزويج المرأة، دل الدليل على امتناعه وهو ما فيه من إذلالها بالوطء، والخدمة، وذلك تأباه الإنسانية لشرفها، خولف هذا الدليل في تزويج الولي لها فجاز لكمال عقله، وهذا المعنى مفقود فيها، فبقي تززيجها نفسها الذي هو محل النزاع على ما اقتضاه الدليل من الامتناع.
وزادوا ثامنًا: وهو انتفاء الدليل الذي به يدرك الحكم فينتفي الحكم، وذلك أن المجتهد إذا بحث عن دليل الحكم فلم يجده كان محصلًا لظن أنه لا حكم، وقال الأكثر: إنه لا يلزم من عدد وجدانه الدليل عدم الحكم، لكنا نقول المجتهد عمل وسعه فحصل له الظن بعدم الدليل، فتمسك بالبراءة الأصلية، وذلك دليل بالنسبة إليه. والنافي لا يطالب بالدليل إن ادَّعى علمًا ضروريًّا كقولنا: الحكم يتوقف ثبوته على دليل وإلَّا لزم تكليف الغافل، ولا دليل بالسبَّر، فإننا سبرنا الأدلة
_________________
(١) ١ مسلم في الزكاة "ج٣/ ٨٢"، وأبو داود في الأدب "ج٤/ ٣٦٢".
[ ١ / ٨٠ ]
فلم نجد ما يدل عليه، أو بالأصل؛ لأن الأصل المستصحب عدم الدليل فينتفي الحكم.
وزادوا تاسعًا: وهو الاستقراء الجزئي على الكلي، بأن تتصفَّح جزئيات كلي ليثبت حكمها له، فإن كان تامًّا، أي: في كل الجزئيات إلّا صورة النزاع، فهو قطعي في إثبات الحكم في صورة النزاع عند أكثر العلماء، وإن كان في أكثر الجزئيات فهو ناقص ظني فقط، ويسمى إلحاق الفرد بالأغلب.
فهذه تسعة أنواع كلها داخلة في الاستدلال، وبسط هذا في كتب الأصول.
وقال ابن العربي وغيره: القرآن هو الأصل، فإن كانت دلالته خفية نظر في السنة، فإن بينته فالجلي من السنة، وإن كانت الدلالة فيه خفية نُظِرَ فيما اتفق عليه الصحابة، فإن اختلفوا رجّح، فإنت لم يوجد عمل بما يشبه نصّ الكتاب وهو القياس على القرآن، ثم على السنة، ثم على الإجماع، ثم عل الراجح.
وهو ترتيب ظاهر إلّا أن الإجماع نصُّوا على أنه مقدَّم على الكل عند التعارض، باتفاق كما يقتضيه صنيع جميع الجوامع.
وقال الأصفهاين: هو قول الأكثرين.
وقال ابن قيم الجوزية في أعلام الموقعين: صحيفة ٣٣٥ من المجلد الثالث١ ما نصه: "ولم يزل أئمة الإسلام على تقديم الكتاب على السنة، والسنة على الإجماع، فجعل الإجماع في المرتبة الثالثة، وهذا بعد أن نقل عن مقلدة أحمد بن حنبل قوله: من ادَّعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي، والأصم، ولكن يقول: لا نعلم الناس اختلفوا أو لم يبلغنا، ثم نقل عن الشافعي ما نصه: الحجة كتاب الله، وسنة رسوله واتفاق الأئمة، وعنه في كتاب اختلافه مع مالك:
_________________
(١) ١ أعلام الموقعين "ج٢/ ٢٤٨".
[ ١ / ٨١ ]
والعلم طبقات:
الأولى: الكتاب والسنة.
الثانية: الإجماع فيما ليس كتابًا ولا سنة.
الثالثة: أن يقول الصحابي فلا يعلم له مخالف من الصحابة.
الرابعة: اختلاف الصحابة.
الخامسة: القياس.
فقدَّم دليل الكتاب والسنة على الإجماع، ثم أخبر أنه إنما يصار إلى الإجماع فيما لم يعلم فيه كتاب ولا سنة. قال: وهذا هو الحق، ثم نقل عن أبي حاتم نحو ذلك فانظره، وقد كرر نقله عنه في عدد "٣٨٥" من السفر الأخير١.
وعلى كل حال فالحنابلة يجعلون الإجماع في الرتبة الثالثة إن تحقق وجوده عندهم كما سبق، وهذا المنقول عن الشافعي مخالف لما يأتي في مبدئه في الفقه من قوله: الإجماع أكبر من الخبر الفرد. ولعلهما قولان له والله أعلم.
وإذا أمعنت النظر وجدت أصل الأحكام واحدًا، وهو قول الله سبحانه، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ ٢ إلا أن منه ما وصلنا بين دفتي المصحف، ومنه ما وصل على لسان رسول الله -الذي لا ينطق عن الهوى- في غير المصحف، ومنه ما هو مستنبط من ذلك وهو القياس والاستدلال، أو مستند إلى أحدهما وهو الإجماع.
أما أصول المذاهب كالحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، فقد تتفرع وتزيد على هذه، كأصول المذهب عند المالكية أُنْهِيَت إلى سبعة عشر ستأتي في ترجمة الإمام بحول الله.
ولنتكم على هذه الأصول الخمسة وكيف حالها فلي الطور الأول من أطوار الفقه فنقول:
_________________
(١) ١ لعله يعني ما ذكره المصنف في "ج٢/ ٢٨١" من ط. مكتبة الكليات الأزهرية سنة ١٣٨٨هـ. ٢ الأنعام: ٥٧، ويوسف: ٤٠، ٦٧.
[ ١ / ٨٢ ]